منذ أن ماتت خالتي، صارت لقاءاتنا أنا وعيد أكثر من ذي قبل. لم يعد لدى أي منا أقارب. في السابق، كنا نلتقي كل أسبوعين مرة أو اثنتين. ولما رحلت الخالة، توطدت علاقتنا وأصبحنا نتحدث بالهاتف يوميا، وأحيانا يأتي في نهاية الأسبوع ليبيت عندي في شقتي بالسيدة زينب. وفي أحيان أخرى، أذهب لأعيش معه أسبوعا أو اثنين بعد أن نجح في استئجار جزء من سطح العمارة، وأقام عليه خيمة محترمة تشبه الشقة، وخصصها لي عندما أذهب إليه مصطحبا اللاب توب الذي أعمل عليه. ومع الوقت، أصبحت الخيمة، هي شقتي الثانية التي تضم الكثير من ثيابي وأوراقي وكتبي، حتى أنه عرض على ذات مرة أن أنتقل للعيش فيها، وأوفر إيجار شقتي، ونكون معا طوال الوقت. لكنني لم أرحب جيدا بالفكرة، فهو يعيش في عالمه الخاص ولديه حياته الشخصية، وأنا أعيش حياتي المتقلبة التي لا أريد لها أن تنعكس بشكل أو بآخر عليه.
لحس الحشيش جزءا لا بأس به من عقل عيد. لكنه ظل محتفظا بالجزء الأكبر حتى يستطيع مُعَارَكة الحياة تارة، والتحايل عليها تارة أخرى. وعندما كنت أزوره، لم يكن يزعجني أو يعطلني عن عملي. فعلى الرغم من وجوده طوال الوقت في الشارع، إلا أنه كان يفهم معنى الوقت ومعني العمل. وأحيانا لم يكن يصعد إلىَّ إلا عندما أنادي عليه بصوت عال أو أتصل به. وكثيرا ما كان يأتي مسطولا جاهزا وهو في أعلى مراحل تجلياته. ساعتها يحط علينا الضحك بلا حدود، وكأن الله قرر أن يكافئنا على شيء ما لا نعرفه. يظل يلف سجائر وهو يحكي عن زبائنه الذين يأتي أحدهم خصيصا لكي يُحَمِّل له عيد آيات قرآنية ويختار إحداها رنة للهاتف. بينما تأتي أخرى ليبحث لها عن صورة أرسلتها لها حفيدتها ولا تستطيع العثور عليها. ينظر ابن خالتي إلىَّ ساهما ويقول في هدوء، كيف يمكن تحمل الشغل في الشارع طوال النهار من دون اصطباحة محترمة، وكيف يمكن التعامل مع بشر مستفزين طوال الوقت، إما يتحدثون بصوت عال أو يضحكون في هستيرية أو يتعاركون؟ يبحلق فيَّ بعينين حمراوين ويقول ضاحكا: “يأتي إلىَّ صبي سرق الهاتف ويريد أن أفتحه له. وبعد دقائق يأتي زبون ليصلح هاتفه ثم يحكي حكايات كثيرة غير مترابطة ليقول لي في نهايتها إنه أمين شرطة في قسم المطرية. وأحيانا تركب التوكتوك معي امرأة مسنة. وبعد أن أوصلها، تخبرني بأنها لا تملك نقودا. وبعد يومين أكتشف أنها تسكن على بعد حارتين من بيتنا. توقفني مرة أخرى كزبونة قديمة، وتعتبر أن صداقتنا تمنحها تصريحا مجانيا بالركوب”. ثم يتساءل مجددا عن إمكانية احتمال هذا العالم بدون حشيش. وهل يمكن أن نحتمل بعضنا البعض بدون أن يدخن كل منا ولو سيجارة واحدة في اليوم؟ يجيب هو نفسه على تساؤلاته قائلا: “أنا لا أشك أبدا أن نصف سكان البلاد لا يخرج من بيته إلا بعد اصطباحة محترمة، وإلا ارتكب كل مواطن جريمة قتل كل خمس دقائق. فكيف يمكن للموظف أن يحتمل مديره.. وكيف للمدير أن يتعامل مع رئيسه.. وكيف للمواطن العادي أن يتعامل مع مواطن عادي مثله.. وهل يمكن أن يركب المواطن المواصلات أو يجلس على المقهى، أو يقضي مصلحة في أي مؤسسة حكومية أو غير حكومية بدون اصطباحة؟”.
عيد ابن خالتي، أنهى كلية العلوم قسم الفيزياء، على أمل أن يعمل باحثا في مجال ميكانيكا الكم، أو على الأقل يواصل دراساته العليا من أجل تنشئة أجيال من علماء المستقبل، تنتشل مصر من غفوتها العلمية، وتعيد لها أمجادها الغابرة، وتدفع بها إلى المستقبل الزاهر. لكنه في السنة الثانية بالكلية، اكتشف أن الأمجاد الغابرة على بعد سبعة آلاف سنة ترقد في الماضي السحيق، والمستقبل الزاهر لا مؤشرات عليه ولا مقدمات له، ويبدو أنه يرقد هو الآخر في مكان ما في الفضاء البعيد. لم يفهم وقتها لماذا استدعاه الدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي، رئيس قسم الفيزياء الذي كان يدرس له في الوقت نفسه مادة ميكانيكا الكم. ظن في البداية أنه يريد أن يهنأه على البحث الذي تقدم به، حول علاقة الطاقة والمادة، ونال عليه درجات عالية. فأخذ معه نسخة ليهديها له شخصيا. وتوجه في سعادة غامرة إلى مكتبه بعد انتهاء المحاضرات وهو يستذكر كل محاور البحث تحسبا لأن يسأله الدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي سؤالا من أسئلته الصعبة، أو يطلب منه أن يتلو عليه صفحة أو صفحتين دون أن ينظر في البحث. فالدكتور فرحات التلاميسي كان دائما ينصحهم بحفظ المحاضرات عن ظهر قلب، وكتابة ما يحفظونه دون زيادة أو نقصان عند الإجابة على أسئلته في الامتحانات. ولم يكن يتسامح أبدا مع الطلاب الذين ينقلون من كتب ومراجع أخرى غير التي يرشحها لهم. بل كان يعتبر المذكرات التي وضعها بنفسه هي المصدر الأول لمبادئ ميكانيكا الكم، وبعد ذلك يأتي دور الكتب والمراجع المحلية والأجنبية. وكثيرا ما كان يبتسم ابتسامة العلماء في حكمة ورصانة ويؤكد لهم أن كل مهمتهم أثناء الدراسة الجامعية أن يحفظوا المحاضرات والمعادلات وسِيَر العلماء عن ظهر قلب، ولا داعي للتفكير أو حل المعادلات نفسها، لأن ذلك سيأتي في مرحلة لاحقة عندما يتقدمون للدراسات العليا ويضعون أقدامهم على طريق البحث العلمي ليصبحوا علماء الأمة.
فوجئ عيد ابن خالتي بالدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي جالسا خلف مكتبه وعلى وجهه حزن عميق. وبمجرد أن رآه، تحول الحزن إلى غضب عاصف. أشاح بوجهه ناحية أحد الأرفف المرصوص عليه بعض الكتب الدينية وفوقها سجادة صلاة ملفوفة بعناية كان قد جاء بها من الحج في العام الماضي. وفوق الرف الذي يعلوه، تقف بعض زجاجات العطر، ومجسم جميل للكعبة المشرفة. لم يرد التحية، ولم يدعوه للجلوس. بادره غاضبا: “ما هذا الكلام الفارغ الذي كتبته في مجلة الحائط عن تحول المادة والطاقة وعدم فنائهما؟”. شخللت رُكَب عيد ابن خالتي وأدرك أنه أمام مشكلة أضخم مما كان يتصور، وأخطر من ميكانيكا الكم ومستقبلها. فمجلة “البُعْد الرابع” هذه تصدرها أسرة “التلاميسي” العلمية التي يشرف عليها الدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي. وكان من المعتاد أن يعرض الطالب الذي يترأس الأسرة كل المواد التي ستنشر بها على الدكتور عبد المتجلي سلامة باعتباره رائد الأسرة والمشرف عليها. ولسبب ما لم يحدث ذلك، أو أن الدكتور كان مشغولا. فقاموا بتعليق المجلة. وعَلِمَ الدكتور التلاميسي بالأمر من بعض الطلاب الذين يبلغونه بكل شاردة وواردة في الكلية. لم يستدع الطالب رئيس الأسرة، لأنه يثق به ويعرفه جيدا. فهو عينه الساهرة على جميع الطلاب، ويأخذ عنده دروسا خصوصية. وهو أيضا أكثر الطلاب نبوغا في الفيزياء والرياضيات ويحصل على أعلى الدرجات. ورأى أن يستدعي عيد ابن خالتي ليستفسر عن هذه المهزلة التي يمكنها أن تؤثر على مساعيه لشغل منصب عميد الكلية.
رد عيد ابن خالتي على الفور بأن المقال هو ملخص البحث الذي قدمه له ونال عليه درجات عالية. وأن البحث لا يخرج عن المحاضرات التي أملاها عليهم ويحفظونها عن ظهر قلب. فثارت ثائرة الدكتور عبد المتجلي التلاميسي وسأله: “هل تصدق أنت أن المادة والطاقة لا تفنيان ولا تستحدثان من العدم؟”. رد عيد في تردد: “هذا ما عرفته من مذكرات حضرتك”. فصرخ فيه الدكتور فرحات عبد المتجلي: “كلامي ومذكراتي ومحاضراتي من أجل الامتحانات والحصول على أعلى الدرجات لتتخرجوا علماء، وليس من أجل النشر في المجلات، وإفساد الناس”. لم يفهم عيد ابن خالتي ما قاله الدكتور التلاميسي. هز رأسه بالموافقة وقال: “سأحذف الموضوع، يا دكتور. أنا آسف”. رد الدكتور في نفاذ صبر: “المشكلة الآن ليست في حذف الموضوع من عدمه. الكارثة أنك تصدق هذا الكلام الفارغ. يجب أن تعرف أن كل شيء فانٍ ماعدا وجه الله ذو الجلال والإكرام. لماذا لم تذكر ذلك في المقال؟ هل تعتقد أن هذا العالم ليس له نهاية، وأن المادة تتحول إلى طاقة، والطاقة إلى مادة، وأنه لا بداية ولا نهاية؟ وماذا عن يوم القيامة والآخرة؟ عليك أن تعرف أن الله هو البداية والنهاية، وأن كل شيء سيفنى ما عدا وجهه الكريم”. هز عيد ابن خالتي رأسه موافقا ومصدقا والعرق يتصبب من كل جسده ويحرق مؤخرته، وتكاد قدماه المرتعدتان تخذلانه، ما تسبب في اهتزاز جسده الصغير النحيف بطريقة كوميدية.
بعد عامين، أنهى عيد ابن خالتي الكلية بتقدير جيد جدا، واشتغل مدرسا للحساب والعلوم بعض الوقت وسرعان ما هجر التدريس وصداع التلاميذ ومديري المدارس وأولياء الأمور، وفتح كشكا لإصلاح الهواتف المحمولة والولاعات والتكاتك. وأصبح مشهورا في المنطقة الواسعة ما بين حلمية الزيتون والمرج، وأحيانا كان الزبائن يأتون إليه من المطرية والسواح والألف مسكن.
لحس الحشيش جزءا لا بأس به من عقل عيد. لكنه ظل محتفظا بالجزء الأكبر حتى يستطيع مُعَارَكة الحياة تارة، والتحايل عليها تارة أخرى. وعندما كنت أزوره، لم يكن يزعجني أو يعطلني عن عملي. فعلى الرغم من وجوده طوال الوقت في الشارع، إلا أنه كان يفهم معنى الوقت ومعني العمل. وأحيانا لم يكن يصعد إلىَّ إلا عندما أنادي عليه بصوت عال أو أتصل به. وكثيرا ما كان يأتي مسطولا جاهزا وهو في أعلى مراحل تجلياته. ساعتها يحط علينا الضحك بلا حدود، وكأن الله قرر أن يكافئنا على شيء ما لا نعرفه. يظل يلف سجائر وهو يحكي عن زبائنه الذين يأتي أحدهم خصيصا لكي يُحَمِّل له عيد آيات قرآنية ويختار إحداها رنة للهاتف. بينما تأتي أخرى ليبحث لها عن صورة أرسلتها لها حفيدتها ولا تستطيع العثور عليها. ينظر ابن خالتي إلىَّ ساهما ويقول في هدوء، كيف يمكن تحمل الشغل في الشارع طوال النهار من دون اصطباحة محترمة، وكيف يمكن التعامل مع بشر مستفزين طوال الوقت، إما يتحدثون بصوت عال أو يضحكون في هستيرية أو يتعاركون؟ يبحلق فيَّ بعينين حمراوين ويقول ضاحكا: “يأتي إلىَّ صبي سرق الهاتف ويريد أن أفتحه له. وبعد دقائق يأتي زبون ليصلح هاتفه ثم يحكي حكايات كثيرة غير مترابطة ليقول لي في نهايتها إنه أمين شرطة في قسم المطرية. وأحيانا تركب التوكتوك معي امرأة مسنة. وبعد أن أوصلها، تخبرني بأنها لا تملك نقودا. وبعد يومين أكتشف أنها تسكن على بعد حارتين من بيتنا. توقفني مرة أخرى كزبونة قديمة، وتعتبر أن صداقتنا تمنحها تصريحا مجانيا بالركوب”. ثم يتساءل مجددا عن إمكانية احتمال هذا العالم بدون حشيش. وهل يمكن أن نحتمل بعضنا البعض بدون أن يدخن كل منا ولو سيجارة واحدة في اليوم؟ يجيب هو نفسه على تساؤلاته قائلا: “أنا لا أشك أبدا أن نصف سكان البلاد لا يخرج من بيته إلا بعد اصطباحة محترمة، وإلا ارتكب كل مواطن جريمة قتل كل خمس دقائق. فكيف يمكن للموظف أن يحتمل مديره.. وكيف للمدير أن يتعامل مع رئيسه.. وكيف للمواطن العادي أن يتعامل مع مواطن عادي مثله.. وهل يمكن أن يركب المواطن المواصلات أو يجلس على المقهى، أو يقضي مصلحة في أي مؤسسة حكومية أو غير حكومية بدون اصطباحة؟”.
عيد ابن خالتي، أنهى كلية العلوم قسم الفيزياء، على أمل أن يعمل باحثا في مجال ميكانيكا الكم، أو على الأقل يواصل دراساته العليا من أجل تنشئة أجيال من علماء المستقبل، تنتشل مصر من غفوتها العلمية، وتعيد لها أمجادها الغابرة، وتدفع بها إلى المستقبل الزاهر. لكنه في السنة الثانية بالكلية، اكتشف أن الأمجاد الغابرة على بعد سبعة آلاف سنة ترقد في الماضي السحيق، والمستقبل الزاهر لا مؤشرات عليه ولا مقدمات له، ويبدو أنه يرقد هو الآخر في مكان ما في الفضاء البعيد. لم يفهم وقتها لماذا استدعاه الدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي، رئيس قسم الفيزياء الذي كان يدرس له في الوقت نفسه مادة ميكانيكا الكم. ظن في البداية أنه يريد أن يهنأه على البحث الذي تقدم به، حول علاقة الطاقة والمادة، ونال عليه درجات عالية. فأخذ معه نسخة ليهديها له شخصيا. وتوجه في سعادة غامرة إلى مكتبه بعد انتهاء المحاضرات وهو يستذكر كل محاور البحث تحسبا لأن يسأله الدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي سؤالا من أسئلته الصعبة، أو يطلب منه أن يتلو عليه صفحة أو صفحتين دون أن ينظر في البحث. فالدكتور فرحات التلاميسي كان دائما ينصحهم بحفظ المحاضرات عن ظهر قلب، وكتابة ما يحفظونه دون زيادة أو نقصان عند الإجابة على أسئلته في الامتحانات. ولم يكن يتسامح أبدا مع الطلاب الذين ينقلون من كتب ومراجع أخرى غير التي يرشحها لهم. بل كان يعتبر المذكرات التي وضعها بنفسه هي المصدر الأول لمبادئ ميكانيكا الكم، وبعد ذلك يأتي دور الكتب والمراجع المحلية والأجنبية. وكثيرا ما كان يبتسم ابتسامة العلماء في حكمة ورصانة ويؤكد لهم أن كل مهمتهم أثناء الدراسة الجامعية أن يحفظوا المحاضرات والمعادلات وسِيَر العلماء عن ظهر قلب، ولا داعي للتفكير أو حل المعادلات نفسها، لأن ذلك سيأتي في مرحلة لاحقة عندما يتقدمون للدراسات العليا ويضعون أقدامهم على طريق البحث العلمي ليصبحوا علماء الأمة.
فوجئ عيد ابن خالتي بالدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي جالسا خلف مكتبه وعلى وجهه حزن عميق. وبمجرد أن رآه، تحول الحزن إلى غضب عاصف. أشاح بوجهه ناحية أحد الأرفف المرصوص عليه بعض الكتب الدينية وفوقها سجادة صلاة ملفوفة بعناية كان قد جاء بها من الحج في العام الماضي. وفوق الرف الذي يعلوه، تقف بعض زجاجات العطر، ومجسم جميل للكعبة المشرفة. لم يرد التحية، ولم يدعوه للجلوس. بادره غاضبا: “ما هذا الكلام الفارغ الذي كتبته في مجلة الحائط عن تحول المادة والطاقة وعدم فنائهما؟”. شخللت رُكَب عيد ابن خالتي وأدرك أنه أمام مشكلة أضخم مما كان يتصور، وأخطر من ميكانيكا الكم ومستقبلها. فمجلة “البُعْد الرابع” هذه تصدرها أسرة “التلاميسي” العلمية التي يشرف عليها الدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي. وكان من المعتاد أن يعرض الطالب الذي يترأس الأسرة كل المواد التي ستنشر بها على الدكتور عبد المتجلي سلامة باعتباره رائد الأسرة والمشرف عليها. ولسبب ما لم يحدث ذلك، أو أن الدكتور كان مشغولا. فقاموا بتعليق المجلة. وعَلِمَ الدكتور التلاميسي بالأمر من بعض الطلاب الذين يبلغونه بكل شاردة وواردة في الكلية. لم يستدع الطالب رئيس الأسرة، لأنه يثق به ويعرفه جيدا. فهو عينه الساهرة على جميع الطلاب، ويأخذ عنده دروسا خصوصية. وهو أيضا أكثر الطلاب نبوغا في الفيزياء والرياضيات ويحصل على أعلى الدرجات. ورأى أن يستدعي عيد ابن خالتي ليستفسر عن هذه المهزلة التي يمكنها أن تؤثر على مساعيه لشغل منصب عميد الكلية.
رد عيد ابن خالتي على الفور بأن المقال هو ملخص البحث الذي قدمه له ونال عليه درجات عالية. وأن البحث لا يخرج عن المحاضرات التي أملاها عليهم ويحفظونها عن ظهر قلب. فثارت ثائرة الدكتور عبد المتجلي التلاميسي وسأله: “هل تصدق أنت أن المادة والطاقة لا تفنيان ولا تستحدثان من العدم؟”. رد عيد في تردد: “هذا ما عرفته من مذكرات حضرتك”. فصرخ فيه الدكتور فرحات عبد المتجلي: “كلامي ومذكراتي ومحاضراتي من أجل الامتحانات والحصول على أعلى الدرجات لتتخرجوا علماء، وليس من أجل النشر في المجلات، وإفساد الناس”. لم يفهم عيد ابن خالتي ما قاله الدكتور التلاميسي. هز رأسه بالموافقة وقال: “سأحذف الموضوع، يا دكتور. أنا آسف”. رد الدكتور في نفاذ صبر: “المشكلة الآن ليست في حذف الموضوع من عدمه. الكارثة أنك تصدق هذا الكلام الفارغ. يجب أن تعرف أن كل شيء فانٍ ماعدا وجه الله ذو الجلال والإكرام. لماذا لم تذكر ذلك في المقال؟ هل تعتقد أن هذا العالم ليس له نهاية، وأن المادة تتحول إلى طاقة، والطاقة إلى مادة، وأنه لا بداية ولا نهاية؟ وماذا عن يوم القيامة والآخرة؟ عليك أن تعرف أن الله هو البداية والنهاية، وأن كل شيء سيفنى ما عدا وجهه الكريم”. هز عيد ابن خالتي رأسه موافقا ومصدقا والعرق يتصبب من كل جسده ويحرق مؤخرته، وتكاد قدماه المرتعدتان تخذلانه، ما تسبب في اهتزاز جسده الصغير النحيف بطريقة كوميدية.
بعد عامين، أنهى عيد ابن خالتي الكلية بتقدير جيد جدا، واشتغل مدرسا للحساب والعلوم بعض الوقت وسرعان ما هجر التدريس وصداع التلاميذ ومديري المدارس وأولياء الأمور، وفتح كشكا لإصلاح الهواتف المحمولة والولاعات والتكاتك. وأصبح مشهورا في المنطقة الواسعة ما بين حلمية الزيتون والمرج، وأحيانا كان الزبائن يأتون إليه من المطرية والسواح والألف مسكن.