د. سيد شعبان - الولد ميمون!...

أتيت إليكم بعد سفر لم أحدد نهايته؛ باعدت بيني وبينكم بلاد لم أتجاوز حدودها إلا في غفلة من الآلات الممغنطة؛ تعلمت هناك فنون التخفي؛ غطاء امرأة أو وجه متسول يحمل على كتفه جراب الحاوي، أصدر صوت سائل في بلاد تنفر من أبناء السبيل، كل ما أمتلكه ورقة موقعة بأنني مواطن يصلح لأداء مهام غير اعتيادية. هل يمكنني أن أكشف لكم سرا؟
منذ خمسين عاما وأتكتمه؛ لم أحدث به نفسي، ظللت أحمله مع السفر والاغتراب، يوشك عمري على الرحيل، لا ينفع الاحتراز ولن يغني التستر، أخشى أن ينتهي معي إلى قبري الذي لا أعلم في أي أرض سيكون؛ ربما في العراء ملقى تفترسني الكلاب الضالة؛ أو ترتع في ديدان المراحيض، كل ما أخاف منه أن يقولوا: كان عظيما!
لكم أن تتعجبوا، مضى زمن الكذب، ألف وجه بل اختزنت مفردات لا قبل ﻷحد بها، أجدت الرقص على سلم النفاق، عاش الوطن، ها إنها أكذوبة ترددها آلات الدعاية؛ يمجدون ذواتهم، يقدسون آباءهم، يرسمون من أوهامهم لوحات تعرض في صالونات القمار؛ يطول الليل بالجوعى؛ يفترس الشتاء قلوبهم، ومن ثم ينادون عاش الوطن!
ذات مرة توقف عقرب الساعة العملاقة؛ لذا لن يعرف حاكم المدينة ساعات النوم أو صحو عمال الأشغال العمومية، لن يتسنى له ممارسة هوايته في تتبع حركة الأسرة ومشاغبات البشر فوقها، يبدو أكير ابتهاجا حين يشاهدهم يتقافزون فوقها مثل الثيران، ستفوته الطبعة الأولى من الصحف المغرضة تلك المكلفة برصد خطواته والتعليق على إيماءاته، سيضع حدا لترهاتها في وقت ناظره قريب؛ شارة بطاقتي الممغنطة تدل علي دائما، أمرني بأن أؤدي دور الساعة في دقة متناهية رضخت ﻷمره، لا يحق لمتسول أن يعترض، كنت أحسب رقصات قدمي، عدد حركات أصابعي، دقات قلبي؛ كل هذا يعمل في انتظام، أعجب بي ومن ثم اختارني ﻷكون الحاوي في سيرك قصره الذي يشمل كل المدينة التي لم يفصح ﻷحد عن مساحتها، كل مواطن هنا يتزلف إليه، يشيدون بحنكته ومهارته؛ إلا أنا لم تجرى تلك العاطفة بعد في أوردتي الزرقاء؛ تخيلوا أجبرت على تقمص شخصيته، ارتديت قناع الأناركية أمامه، كنت مهرجا وساخرا وحكيما بل وحاكما كما يفعل بالضبط.
سرت بي زوجته، أعجبها ما أقوم به؛ طلبت منه أن أقلد الببغاء؛ ياله من دور خطير، ستكون جناية لو أنني رددت أقواله، أن أصدر نفس صوته؛ حركات يديه رجفة عينيه؛ إنه لن يتحمل أن يجد نسخة منه، بدلا من أفعل هذا، تذكرت حركات القرد ميمون الذي زار مدرستنا في الصفوف الأولى؛ يقفز ويختلس أصابع الموز من أيدي الصغار، يعجن مثل خالتي مسعودة، يمسك بعصا ويتراقص بها؛ بعضنا يضحك من أفعاله، والآخرون يخافون من شطارته إنه يسرق الكحل من العيون كما حذرتني منه جدتي- رحمة الله عليها- الآن صرت مشهورا في المدينة.
بثت وكالة الأنباء الرسمية خبرا عجيبا: يحذر الحاكم سكان المدينة من لص أو مجنون يدعي أنه متسول؛ على الجميع الاحتياط منه؛ لا تشاهدوه بل ولا ترددوا أقاويله، من قلده يتهم بارتكاب جناية الفعل المحرم.
وضعت طرف جلبابي في فمي ومن ثم فررت من تلك المدينة لما خفته؛ غير معقول أن أترك رجلي تحركها الريح، ركبت أول قطار يغادر؛ كان ذلك عند منتصف الليل، تسللت إلى العربة الأخيرة، انزويت بين المقاعد، تصنعت النوم ولسوء حظي أمسك بي مفتش القطار.
ولكي أنال عطفه سامرته بحكايات غريبة؛ كلها من محض الخيال؛ أخبرته عن قطار آلي يطير في السماء، بل هو قادر أن يغوص إلى أعماق البحر ويسابق الحيتان، هذه طرفة مملة بكل تأكيد، حين أخبرته بقصة الفتاة التي انقلبت يمامة جميلة؛ توسل إلي أن أكمل، أخرجت علبة الألوان، ارتديت جناحيها، وفي سرعة عجيبة فررت من بين يديه، لم أتمهل قليلا، وصلت إلى هنا، في الحقيقة كل الأدوار التي أتقنتها هناك لم تؤد بصدق؛ يحلو لي الآن أن أكون حائك المدينة؛ أجيد صنع المؤمرات في قالب من الفوضى، سأخوض الانتخابات؛ أمتلك قدرا لا بأس به من اللعب على الحبال؛ ببغاء يصلح ليكون ذا براعة في ترديد المفردات التي تشبع الجوعى؛ تحقق تقدما وتعلي شأن الفقراء، سأكون رجل العام وكل عام، لدي وفرة في فنون التخفي.
على أية حال سيكون سكان المدينة في مأمن من سارق أرغفة الخبز أو متسول لا يجيد غير الحكايات القديمة والمعادة كل فترة، لن ينشغل أحد بتلك الاحتفالات المهيبة لن يتحدث التلفاز عن انجازات غير مقنعة، بل لن يفكر واحد منهم في أداء دور في تلك المسرحية العبثية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى