د. أحمد الحطاب - صحيح البخاري ألَّفته العاطفة وليس العقل

المقصود من عنوان هذه المقالة، هو أن مَن ألف صحيح البخاري، كان البخاري نفسٌه أو غيرُه، ألفه تحت ضغط العاطفة وليس انطلاقا من ما يمليه العقل على مؤلِّفٍ يريد أن يبلِّغ للناس ما رأى وما سمع، أو بعبارة أوضح، ما عايشه صحبة الرسول (ص).

وهذا لا يعني أن "صحيحَ البخاري" ليس فيه أحاديث صحيحة. لا أبدا! فيه ما يتوافق مع العقل. وفيه ما لا تقبله العقول السليمة، النَّيِّرة والمستنيرة.

قبل الدخول في تفاصيل هذه المقالة، أريد أن أثيرَ الانتباه إلى بعض الملاحظات.

من خلال الملاظة الأولى، اريد أن أُبيِّن بأن البخاري عاش أقل من 62 سنة. وعلى ما يبدو، قضى 16 سنة للبحث عن الرواة. وإذا افترضنا أنه بدأ عملَه في سن مبكرة، فستفصلُه عن وفاة الرسول (ص) أكثر من قرنين من الزمان. وقرفان من الزمان، تاريخيا، فترة طويلة، يحدث فيها كثيرٌ من الوفايات وكثيرٌ من التَّغيُّرات داخل المجتمعات فكرياً، ثقافياً واجتماعياً.

من خلال الملاحظة الثانية، أريد أن أُبيِّنَ أن الرسالةَ التي كلف الله، سبحانه وتعالى، محمدا (ص) لتبليغها إلى الناس، من خلال الوحي، مرَّ على نزولها ما يناهز قرنين من الزمان قبل ولادة البخاري.

من خلال الملاحظة الثالثة، أريد أن أبيِّنَ أن البخاري لم ير الرسول (ص) ولم تسمع اذناه ولو كلمةً واحدةً نطق بها خاتم الرسل والأنبياء محمد (ص). لأنه ازداد سنةَ 194 هجرية، أي ما يناهز قرنين من الزمان بعد وفاة الرسول (ص).

من خلال الملاحظة الرابعة، أثير الانتباهَ أن جميع الصحابة ماتوا أو التحقوا بالفريق الأعلى، رحمة الله عليهم. وبالتالي، لم ير البخاري ولو صحابيا واحداً. لماذا؟ لأن معدَّلَ طول العمر la longévité، كان، في تلك الفترة من الزمان، قصيراً بحكم أن الطِّبَ كان يعتمد، فقط وحصريا على ما يقوله الفقهاء وعلى ما كان يُسمى الطب النبوي.

من خلال الملاحظة الخامسة، أريد أن أبيِّنَ أنه، إذا كان قرنان من الزمان يشكِّلان، تاريخيا، فترةً طويلةً تحدث فيها تغييرات اجتماعية وثقافية قد تُغيِّر وجهَ المجتمعات، رأسا على عقب، فنفس الفترة، أي قرنان من الزمان، لا يساوِيان شيئا جيولوجيا. والعلمُ الحديثُ قد بيَّنَ لنا أن الحياة في الأرض بدأت منذ مايناهز 4 مليار سنة. كما بيَّن لنا نفسُ العلمِ الجديث أن وجودَ البشر، على سطح الأرض، ككائنات حية عاقلة، إلى حد الآن، ضارِبٌ في أعماق الزمان. وبيَّن، كذلك، أن أولَ إنسان عاقل Homo Sapiens، تفصلُه عن عصرنا الحاضر ما يزيد عن 300000 سنة، أي 300 ألفية أو 3000 قرن. ولهذا، فقرنان من الزمان، فترة قصيرة، جيولوجياً، أي بالمقارنة مع ظهور الحياة في الأرض.

من خلال الملاحظة السادسة، وهي استنتاجٌ من الملاحظة الخامسة، يتبيَّن لنا أن قرنين من الزمان، بعد وفاة الرسول (ص)، فترةٌ قصيرة بالمقارنة مع 300000 سنة لظهور أول إنسان عاقل. وهذا يعني أن رسالة الإسلام لا تزال عالِقةً في الأذهان، أي أن الناسَ متحمِّسون enthousiastes لاستكمالِها والمساهمة في نشرها.

من خلال الملاحظة السابعة، أريد أن أبيِّن أن التَّحمُّسَ enthousiasme يندرج في خانة الانفعالات les émotions. والانفعال هو التَّغيير الذي يحدث في جسم الإنسان بسبب إحساس أو عاطفة sentiment ناتجٍ/ناتجةٍ عن خوفٍ أو مفاجأة أو بغتة فرح… والانفعال، منطقياً، هو نوع من ردود الأفعال لا إرادية des réactions involontaires.

من خلال الملاحظة الثامنة، وهي استنتاجٌ من الملاحظة السابعة، أريد أن أبيِّن أن البخاري كان من أكثر الناس تحمُّساً للمساهمة في نشر رسالة الإسلام. والدليل على ذلك أنه أمضى 16 سنة في البحث عن الرواة، أو كما هو متعارف عليه، في البحث عن العلماء والشيوخ.

من خلال الملاحظة التَّاسعة، أريد أن أُلحَّ على أن جميع الصحابة قد ماتوا عند ولادة البخاري، وبالتالي، يكون هذا الأخير قد اعتمد في تأليف "صحيحِه"، فقط، على أقوال تابعي تابعي الصحابة أو تابعي تابعي تابعي الصحابة.

من خلال الملاحظة العاشرة، أريد أن أبيِّن أن البخاري أعطى أهمِّيةً كبرى للسند، أي كان يُصدِّق كلَّ ما يقولُه الرواة، عوض أن يتأكَّدَ من محتوى الحديث (المتن)، أي كان يظن أن جميعَ الرواة صادِِقون وعدول، بمعنى أنهم لا يكذبون. وتصديقُه هذا لجميع أقوال الرواة، نابعٌ من استسلامِه للعاطفة عوض العقل.

من خلال الملاحظة الحادية عشرة، أريد أن أبيِّنَ أن إهمالَ البخاري للمتن وتصديقُه للسند، جعله يقبل كثيراً من الأحاديث، ولو كانت متناقضة مع القرآن الكريم. بل ولو كانت تسيء للإسلام والرسول. بل إن بعض الأحاديث تدخل في صميم الحياة الخاصة للرسول (ص) وعلاقتِه الحميمية مع زوجاته.

فما هي هذه الأحاديث المتناقِضة مع القرآن الكريم أو المُسيئة للإسلام والرسول (ص) أو التي تدخل في صميم الحياة الحميمية الخاصة بالرسول (ص) مع زوجاتِه؟

من بين الأحاديث التي تتناقض مع القرآن الكريم، والواردة في "صحيح البخاري"، حديث :

"أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهم إِلاَّ بحَقِّ الإِسلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى اللَّه".

والله، سبحانه وتعالى، يقول في الآية رقم 190 من سورة البقرة : "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ". واضح أن هذه الآية تشير للقتال دِفاعاً عن النفس.

ونفس الحديث يُسيء لسُمعة الرسول (ص) الذي قال ويقول في حقِّه، سبحانه وتعالى : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء، 107) أو : "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل، 125). الحديث يُقدِّم لنا الرسول (ص) كمُعتدٍ ومُحاربٍ بينما الله، عزَّ وجلَّ، يُخبرنا بأن الرسول (ص) أُرسِلَ رحمةً للبشرية. بل ويدعوه، سبحانه وتعالى، بأن يتعاملَ مع الناس بحكمةٍ وموعظةٍ حسنةٍ.

ومن بين الأحاديث التي تدخل في صميم الحياة الحميمية الخاصة بالرسول (ص) مع زوجاتِه، حديث :

"النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسلٍ واحد"، بمعنى أنه كان يُجامع زوجاته ولا يغتسل لإزالة الجنابة إلا بعد أن يُضاجعهن كلهن، وعددهن 11 زوجة. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا هو : كيف عرف الراوي الأول الذي، من المفروض، أن يكونَ صحابيا، أولاً، أن الرسول (ص) كان يُضاجع كل زوجاته الإحدى عشر، وثانيا، هل تمَّت رؤيةُ الرسول (ص) وهو يغتسل وهل اغتسل غُسلا واحدا؟ والحقيقة أن هذه أشياءٌ تخصُّ الحياة الحميمية للرسول (ص). ولا يجوز لأحد أن يتخَّلَ فيها.

وللتذكير، لما أساءت جريدة Charlie Hebdo الفرنسية للرسول، حينما قدَّمته ك"مهووس جنسياً"، فإنها اعتمدت على هذا الحديث.

لو استعملَ البخاري عقلَه عند تأليف صحيحه، لاستغنى عن كثير من الأحاديث التي تُعطي الفرصةَ لغير المسلمين للطعن في الإسلام وفي الرسول (ص)، وأحياناً، حتى في القرآن الكريم. وكثيرٌ من الأحاديث، الواردة في "صحيح البخاري"، أدى إلى التَّطرف الديني l'extrémisme religieux الذي كان ولا يزال سببا في الإساءة للإسلام وفي تشويه سُمعته. بل أصبح الإسلام، في منظور المُناوئين له، مُرادفا للإرهاب terrorisme. واضحٌ أن البخاري كان مندفِعا عاطفياُ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى