حين أبصرتُ كتاب أحد الأصدقاء لم يمْض على صدوره أكثر من شهر، منكفئا على ذقنه ضمن عرمرم من الكتب الموصوفة ظُلما بالكتب المستعملة لتصير قبل أن تُسَخِّن مكانها في أكبر المكتبات، فِراشا وثيرا للحضيض تباع بسعر وصل للحضيض..!
حين رأيته صار قديما و هو ما زال جديدا في غلافه اللامع الأشبه بحُلة العيد، يُباع مع كل ما هو معروض باليا للبيع..!
حين رأيت كتاب صديقي يولد من بطن أمه الدار التي أصدرته و قبل أن يفتح عينيه بمن سيقرأه بقلبه، ينتقل من رحم المطبعة توا إلى المقبرة الجماعية لكتب تصفرَّ تحت الشمس تنتظر من يحيي أسطرها من رميم ..!
حين أبصرت هذه النهاية المأتمية لجثث كتب يحضُر جنازتها يوميا مبدعوها في الشارع العام ليموتوا بموتها أكثر من مرة حسرة و كمدا، خطر بخاطري أن أُعْلِمَ قارئا أَعْلَمُ سلفا أنه لا يوجد إلا في الأماني، أنَّ هذا الكتاب قبل أن يصبح بخسا كانت حياته باهظة الثمن في فؤاد مؤلفه الذي حمله وهنا على وهن لسنوات أكثر مما حملتنا أمهاتنا تسعة أشهر قد تقِلُّ إلى سبعةٍ إذا كان المولود قد تخرج خديجا..!
سنواتٌ والكاتب لا يُكلم الناس إلا رمزا لأنه محشو عن آخره بفكرة تشغل كل كيانه، سنوات، و هو يكتب كلمة ليمحوها بأخرى حتى اختل عقله و ما عاد يجد في لغة البشر كلمةً تسعفه بما يريد أن يقوله للجميع و لا يفهمه سواه، سنوات و هو يمارس على نفسه نبذا اختياريا خوفا على كتابه الذي يحمله في جوفه جنينا، فيجلس بالمقاهي وحيدا ليرضعه من بُنِّها المُر بدل الكأس كما يصنع معظم الناس ليبقوا أصحاء، كؤوسا لا أحد يعرف أيفرغها في بطنه أم في بطن أفكاره السوداء هل من مزيد..؟
سنوات و الكاتب غائب عن الجميع في عزلته القصوى، و يحسبه كل من ألِف العيش في زرافات أو قرود، كائنا غير اجتماعي، و هو في حقيقة حياته التي تتسرب كأشعة الشمس من خلف ألف حجاب، أعمق الناس امتزاجا بالمجتمع، لأنه و هو يوزع روايته في شخوص و قصائده في أصوات و لوحته في ألوان، يعيش بأكثر من روح مع الصغير و الكبير، مع الفقير و الغني، مع الظالم و العادل، مع السائس و المسوس، مع من يُساوي و مع من لا يُساوي فلسا، و قد يضع نفسه في مأزق ليعيش حتى مع من لا يستطيع أحدٌ أن يعاشره أو يهزه من مسافة بملقاط..!
الكاتب الذي كتب هذا الكتاب المرمي أرضا إلى جوار كل ما هو بالي للبيع، عنصرٌ خطير، يفهم ما لا يفهمه غيره جاهلا أو عالما، يضع كل من حواليه في جيب حواسه الصغير من دون أن يدركوا، و حين يخلو للكتابة بمعزل عن الأنظار يخرجهم من جيبه كطفل صغير ويبدأ في اللعب؛ هذا فوق وهذا تحت، هذا مع هذا و هذا ضد هذا، هذا يَشبع من جوع هذا و هذا يجوع من شبع هذا، هذا لص يستيقظ كي يسرق حلم هذا بعد أن ينام، و ما زال الكاتب في لعبه الذي ليس في حريقه ممتعا، حتى يصل للكلمة الأخيرة في كتاب من ثلاثمائة صفحة إذا كان حبل نفَسِه طويلا يصلح لنشر حتى الثياب، ولكن ماذا سيسميه؟؛ يقولون إن العنوان هو كل شيء، هو الباب هو العتبة التي تحت الباب تفضل ادخل بحذائك أو حافي القدمين المهم أن تقرأ، العنوان هو القفل هو الثقب الذي في القفل، هو المفتاح الذي في ثقب القفل، العنوان هو الكتاب، يريد عنوانا لا يخطر على إنس و لا جان، ليته يعلم أن كل هذه الحياة التي عاشها دفينا في كتاب و يبحث لها عن عنوان ستمضي إلى عنوان واحد هو دكان (بَالِي البِيع) المُحاذي لدرب الفقراء هل صحيح لولاهم لضاع العلم..؟
(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 11 ماي 2017)
حين رأيته صار قديما و هو ما زال جديدا في غلافه اللامع الأشبه بحُلة العيد، يُباع مع كل ما هو معروض باليا للبيع..!
حين رأيت كتاب صديقي يولد من بطن أمه الدار التي أصدرته و قبل أن يفتح عينيه بمن سيقرأه بقلبه، ينتقل من رحم المطبعة توا إلى المقبرة الجماعية لكتب تصفرَّ تحت الشمس تنتظر من يحيي أسطرها من رميم ..!
حين أبصرت هذه النهاية المأتمية لجثث كتب يحضُر جنازتها يوميا مبدعوها في الشارع العام ليموتوا بموتها أكثر من مرة حسرة و كمدا، خطر بخاطري أن أُعْلِمَ قارئا أَعْلَمُ سلفا أنه لا يوجد إلا في الأماني، أنَّ هذا الكتاب قبل أن يصبح بخسا كانت حياته باهظة الثمن في فؤاد مؤلفه الذي حمله وهنا على وهن لسنوات أكثر مما حملتنا أمهاتنا تسعة أشهر قد تقِلُّ إلى سبعةٍ إذا كان المولود قد تخرج خديجا..!
سنواتٌ والكاتب لا يُكلم الناس إلا رمزا لأنه محشو عن آخره بفكرة تشغل كل كيانه، سنوات، و هو يكتب كلمة ليمحوها بأخرى حتى اختل عقله و ما عاد يجد في لغة البشر كلمةً تسعفه بما يريد أن يقوله للجميع و لا يفهمه سواه، سنوات و هو يمارس على نفسه نبذا اختياريا خوفا على كتابه الذي يحمله في جوفه جنينا، فيجلس بالمقاهي وحيدا ليرضعه من بُنِّها المُر بدل الكأس كما يصنع معظم الناس ليبقوا أصحاء، كؤوسا لا أحد يعرف أيفرغها في بطنه أم في بطن أفكاره السوداء هل من مزيد..؟
سنوات و الكاتب غائب عن الجميع في عزلته القصوى، و يحسبه كل من ألِف العيش في زرافات أو قرود، كائنا غير اجتماعي، و هو في حقيقة حياته التي تتسرب كأشعة الشمس من خلف ألف حجاب، أعمق الناس امتزاجا بالمجتمع، لأنه و هو يوزع روايته في شخوص و قصائده في أصوات و لوحته في ألوان، يعيش بأكثر من روح مع الصغير و الكبير، مع الفقير و الغني، مع الظالم و العادل، مع السائس و المسوس، مع من يُساوي و مع من لا يُساوي فلسا، و قد يضع نفسه في مأزق ليعيش حتى مع من لا يستطيع أحدٌ أن يعاشره أو يهزه من مسافة بملقاط..!
الكاتب الذي كتب هذا الكتاب المرمي أرضا إلى جوار كل ما هو بالي للبيع، عنصرٌ خطير، يفهم ما لا يفهمه غيره جاهلا أو عالما، يضع كل من حواليه في جيب حواسه الصغير من دون أن يدركوا، و حين يخلو للكتابة بمعزل عن الأنظار يخرجهم من جيبه كطفل صغير ويبدأ في اللعب؛ هذا فوق وهذا تحت، هذا مع هذا و هذا ضد هذا، هذا يَشبع من جوع هذا و هذا يجوع من شبع هذا، هذا لص يستيقظ كي يسرق حلم هذا بعد أن ينام، و ما زال الكاتب في لعبه الذي ليس في حريقه ممتعا، حتى يصل للكلمة الأخيرة في كتاب من ثلاثمائة صفحة إذا كان حبل نفَسِه طويلا يصلح لنشر حتى الثياب، ولكن ماذا سيسميه؟؛ يقولون إن العنوان هو كل شيء، هو الباب هو العتبة التي تحت الباب تفضل ادخل بحذائك أو حافي القدمين المهم أن تقرأ، العنوان هو القفل هو الثقب الذي في القفل، هو المفتاح الذي في ثقب القفل، العنوان هو الكتاب، يريد عنوانا لا يخطر على إنس و لا جان، ليته يعلم أن كل هذه الحياة التي عاشها دفينا في كتاب و يبحث لها عن عنوان ستمضي إلى عنوان واحد هو دكان (بَالِي البِيع) المُحاذي لدرب الفقراء هل صحيح لولاهم لضاع العلم..؟
(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 11 ماي 2017)