علي سيف الرعيني _|العامل : هوالبطل الحقيقي رغم غيابه عن لغةالإمتنان !

قبل أن تستيقظ المدن تمامًا يكون هناك من سبق الجميع إلى الشوارع، إلى الورش، إلى الأرصفة، إلى المصانع، إلى مواقع البناء، إلى المزارع، وإلى كل زاوية تقوم عليها الحياة اليومية. هؤلاء هم العمال الوجوه التي نمرّ بها كثيرًا دون أن نتوقف طويلًا عند تعبها، والأيادي التي تبني وتُصلح وتحمل وتزرع وتُنظّف،وتركب ثم تمضي بصمت وكأن ما تفعله مجرد أمر عابر، رغم أنه في الحقيقة أساس استمرار الحياة نفسها
العمال ليسوا مجرد أرقام في سجلات الوظائف، ولا مجرد أسماء في كشوف المرتبات، بل هم العمود الخفي الذي تستند إليه المجتمعات. العامل الذي يفتح الطريق قبل الفجر، والذي يقف تحت الشمس الحارقة أوفي برد الشتاء القاسي، والذي يعود إلى بيته منهكًا لكنه يحمل في داخله رضا المحاولة والاستمرار، هو بطل حقيقي، حتى وإن لم يُصفق له أحد
المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الأبطال غالبًا ما يكونون الأقل حضورًا في مشهد التكريم، والأكثر غيابًا عن لغة الامتنان. نحتفل بالمناسبات، ونرفع الشعارات عن قيمة العمل، لكن الواقع كثيرًا ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الكلمات والحقيقة. فكم من عامل يعيش بلا أمان وظيفي؟ وكم من أسرة تعتمد على دخل بالكاد يكفي ضروريات الحياة؟ وكم من يدٍ أنهكها العمل ولم تجد حتى حق العلاج أو التقدير؟
في كثير من المجتمعات، يُنظر إلى بعض الأعمال بنظرة دونية، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بطبيعة المهنة لا بصدق الجهد. وهذه واحدة من أكثر صور الظلم الاجتماعي قسوة؛ حين يصبح التعب الشريف أقل شأنًا من المظاهر، وحين يُهمَّش من يحمل على كتفيه عبء الحياة اليومية للآخرين.
العامل لا يحتاج فقط إلى خطاب عاطفي في يوم عالمي يُذكر فيه اسمه، بل يحتاج إلى عدالة حقيقية: أجر منصف، بيئة عمل آمنة، احترام إنساني، ضمان اجتماعي، وشعور بأنه شريك في بناء الوطن لا مجرد أداة تُستهلك ثم تُنسى. التكريم الحقيقي لا يكون في اللافتات، بل في السياسات التي تحفظ الكرامة، وفي مجتمع يتعامل مع العمل كقيمة لا كطبقة.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل هو أن كثيرًا من العمال لا يطلبون المستحيل، بل فقط فرصة عادلة للحياة. يريدون أن يعودوا إلى بيوتهم بكرامة، أن يطمئنوا على مستقبل أبنائهم، وأن يشعروا بأن هذا العالم لا يراهم كأرقام هامشية، بل كبشر لهم حق الاحترام والاعتراف.
إن الحديث عن العمال ليس حديثًا عن فئة منفصلة عن المجتمع، بل عن قلب المجتمع نفسه. لأن المدن لا تُبنى بالخطب، بل بالسواعد. والأوطان لا تستمر بالشعارات، بل بالجهد اليومي الصامت الذي لا تلتقطه الكاميرات
العمال المنسيون هم بالفعل أبطال الحياة بلا تكريم، لكنهم رغم ذلك يواصلون، لأنهم يعرفون أن الحياة لا تنتظر، وأن الخبز لا يأتي من الأمنيات، وأن الكرامة أحيانًا تُصنع من الصبر أكثر مما تُمنح من الآخرين
وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق: كم مرة شكرنا أولئك الذين يجعلون أيامنا أكثر انتظامًا؟ وكم مرة رأينا في العامل إنسانًا كامل القيمة، لا مجرد جزء من المشهد؟ لأن المجتمعات التي تنسى عمالها تنسى في الحقيقة أساس بقائها نفسه !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى