حسَن الرّحِيبي - جَامع لفنَا من ثقافة العقل إلىٰ ثقافة البطن

هكذا كان الجوّ بقلب مَدينَة مرّاكش النّابض بالمعرفة والثقافة والفكر ، صُحف منتشرة بكل الزّوايا والأماكن ، يتناولها القرّاء من مدرّسين وتلاميذ قبل تناول فطورهم .. مئات العناوين من المجلات والكتب ، إلى جانب دكاكين خشبية داخل عَرصَة البيلك ، تبيع الكتب المستعملة الهامة في الأدب الفرنسي والعربي والروسي .. بل كتب من العالم كله ومجلدات تاريخية وكتب نادرة كونتُ منها مكتبة حقيقية قبل أن تعصف بها أيادي لا تريد للقراءة أن تنتشر ، وتقصيها بعيداً ، بل لا تفهم معنى لاقتناء كتاب أو صَحيفة والانكباب على قراءتها ، لأن ما يهم هذه العقول السّاذجة سوى مداخيل السياحة ، بينما نعجب نحن لغربيين لا يهمهم شيء غير القراءة ، يتناوَلون كتباً من محافظهم وينكبون على قراءتها بدون إيلاء أي اهتمام لثقافة الثعابين والقرود والحمام الزاجل ، لأنهم تعودوا على القراءة ، إذ توجد في قلب باريس مثل هذه المحلات على ضفاف نهر السّين تبيع كتباً قديمة من القرن التاسع عشر وغيره ، يأتي الناس لاقتنائها من كل الأوطان..

1740033071140.png

كان الأساتذة يقتنون المجلات والكتب ، بل كان صَديقي المرحوم عبد الجليل صَفاء مفتوناً بالصّحف الكويتية كالقبس والوطن والأنباء … بينما كنت أقتني مجلة jeune afrique الفرنسية والمحرّر وغيره ، نجتمع بقاعة الأساتذة ونناقش كل الأحداث الطارئة وأخبار الحكومة والزيادات والترقيات ، وحرب البوليزاريو التي تخصّصتُ فيها ، وحرب إيران والعراق ، والتيارات السياسية منها الأحزاب الدينية ، فتثور ثائرة بعضنا وترتفع الأصوَات لشدة الخلاَفات الإيديولوجية آنذاك ، حتى تأتي الإدارة لتنبيهنا لوقت العمل ، بل تمتد الصّرَاعات داخل الأقسام والفصُول ..ولا يمكن لخبر أن يمرّ من دون مناقشته وأخذ الرأي فيه..
اليوم غزت الساحة ثقافة الأكل من كل الأنواع والأصناف ، وعلت الساحة العريقة دخاخين الصّوصيص والحريرة ، مشكلة حاجزا أمام العيون ، وعوائق متاريس وكوابح للعقول ، فغابت المجلات والكتب غيبتها الكبرى ، لتظهر في نهاية العالم كي تملأ الأرض عدلاً بعد أن تكون قد مُلئت جَوْراً وظلماً ..بل أغلقت مكتبات أبوابها لتُملأ ملابس صينية وتركية ، وأواني بلاستيكية ، حين تبلدت العقول غير العقول ، وتجلجت الأفكار وعشلجت وشَاخت ..واضمحلت همم القراءة والمعرفة والاطلاع ..

حسَن الرّحِيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى