ليلى تباني - هل نسير إلى الهاوية؟... رحيل إدغار موران، آخر من دافعوا عن الحق الفلسطيني أمام صمت العالم

برحيل إدغار موران يغادر العالم واحدا من آخر المفكرين الذين حاولوا الإمساك بخيوط الواقع دون أن يسقطوا في فخ التبسيط ، وكأنما كان يرافق القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين بعينين مفتوحتين على الفوضى والنظام في آن واحد، يراقب الإنسان وهو يتقدم نحو إنجازاته الكبرى وفي الوقت نفسه يقترب بخطى قلقة من أسئلته الوجودية الأكثر خطورة.

لم يكن موران مجرد فيلسوف فرنسي أو عالم اجتماع تقليدي، بل كان حالة فكرية قائمة بذاتها، اسمها الأعمق هو “الفكر المركب”، أي تلك المحاولة الجذرية لفهم العالم بوصفه شبكة من العلاقات المتداخلة التي لا يمكن فصل عناصرها دون تشويه الحقيقة نفسها. ومن هنا ظل هاجسه المركزي هو مقاومة الاختزال، سواء في العلم أو السياسة أو فهم الإنسان أو قراءة التاريخ.

IMG-20260530-WA0003.jpg

في مشروعه الأكبر المعروف بـ"المنهج" بنى موران رؤية واسعة للمعرفة، لا تقوم على تقسيم العالم إلى جزر منفصلة، بل على ربط ما تمزقه التخصصات الحديثة. فالإنسان عنده ليس كائنا بيولوجيا فقط، ولا نفسيا فقط، ولا اجتماعيا فقط، بل هو كل ذلك في لحظة واحدة متناقضة ومعقدة، تحمل العقل والعاطفة، النظام والفوضى، الحرية والضرورة، دون أن تلغي أحدها الآخر.

ومن خلال هذا المنظور كان السؤال عن مصير العالم يتخذ عنده طابعا مقلقا لكنه ضروري، وهو ما يجعل عنوان “هل نسير إلى الهاوية؟” يبدو أقرب إلى روحه الفكرية من مجرد صياغة صحفية، لأنه سؤال كان يعيشه لا كتشاؤم بل كيقظة معرفية أمام عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة الإنسان على الفهم.

لقد رأى موران أن الحداثة، رغم إنجازاتها الهائلة، خلقت أزمة عميقة في طريقة التفكير، إذ جعلت الإنسان يعرف أكثر لكنه يفهم أقل، وجعلت المعرفة تتكاثر بينما تتراجع القدرة على ربط أجزائها. ومن هنا كان يحذر من أن العالم قد يتحول إلى فضاء ضخم من المعلومات دون حكمة، وإلى حضارة متقدمة تقنيا لكنها هشة إنسانيا.

وفي قلب هذا الاضطراب العالمي، لم يكن موران بعيدا عن القضايا الكبرى التي تمس الضمير الإنساني، ومنها القضية الفلسطينية التي تعامل معها بوصفها مأساة إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها في رواية واحدة. فقد دعا إلى الاعتراف المتبادل بالآلام والحقوق، ورفض منطق نزع الإنسانية عن أي طرف، معتبرا أن العدل لا يتحقق إلا حين يُرى الآخر كإنسان كامل لا كرمز سياسي أو عدو مجرد.

هذا الموقف لم يكن استثناء في فكره، بل امتدادا طبيعيا لفلسفته التي ترفض رؤية العالم من زاوية واحدة، وتصر على أن الحقيقة تتوزع بين روايات متعددة متداخلة، وأن أي محاولة لاحتكارها تقود إلى العنف الرمزي أو المادي.

ومع ذلك ظل موران ناقدا حادا للعولمة حين تتحول إلى نظام اقتصادي يهمش الإنسان ويذيب الثقافات في نموذج واحد، محذرا من أن فقدان التنوع الثقافي يشبه فقدان المناعة الفكرية للحضارة الإنسانية. وكان يرى أن البشرية دخلت زمنا لم يعد فيه مصير الشعوب منفصلا، بل صار مصيرا مشتركا تحكمه الأزمات البيئية والاقتصادية والصحية.

اليوم، حين يرحل إدغار موران، لا يغيب مجرد اسم في الفلسفة أو علم الاجتماع، بل يغيب ذلك الصوت الذي كان يذكّر العالم باستمرار بأن التعقيد ليس عيبا يجب التخلص منه، بل هو طبيعة الواقع التي يجب تعلم العيش داخلها. ومع رحيله يبقى السؤال مفتوحا أكثر من أي وقت مضى، هل نسير إلى الهاوية فعلا أم أننا فقط نمتلك أدوات رؤية ناقصة لعالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على الفهم.

ربما لم يكن موران يملك إجابة نهائية، لكنه ترك لنا ما هو أهم من الإجابات، ترك لنا طريقة في النظر تمنعنا من السقوط في اليقين السهل، وتدفعنا إلى التفكير في العالم كما هو، لا كما نرغب أن يكون. وفي هذا المعنى يصبح رحيله ليس نهاية سؤال، بل بداية صدى طويل له.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى