محمد بشكار - القُفَّة تضيق والأفواه تتسع..!

مضت خمس سنوات من الحكم الكيراني كأنها خمسون سنة شاخ من هولها الوِلْدان يا عيني، أما من كان شابا فهو لم يدرك في هذه الخمسين عاما مرحلة الشيب بل انتقل توا إلى القبر بكل أحلامه التي لم يستيقظ على تحقيقها ولو بشغل كريم، مات يا حسرة همَّا و كمدا قبل الأوان، و جاءت خمسون سنة أخرى سنقضيها في الحكم العثماني بإمبراطوريته التي ستحاول ما أمكن أن تمتد في فتوحاتها المظفرة إلى أبعد فلس في جيب المواطنين الذين فقدوا كل قدرة على الشراء و أفلسوا حتى باعوا كل ما يملكون ليشتروا لأنفسهم بعض الكرامة التي لا تجعلهم يمدون مع الحصير يدا..!

و لمن لا يجيد حساب خطواته لأنه كلما سبق لا يجني إلا النبق دون أن يملك حسابا في البنك، فإن خمسين سنة مع بنكيران على خمسين سنة مع العثماني التي بدأنا أول يوم في ملحمتها المأساوية بالخطبة العصماء لافتتاح البرلمان، تجعل الرأس يطأطئ ثقيلا بعشر سنوات كأنها قرن الأيائل، و من عاش متنِّعما في شقائها فهو من المعمرين الذي سيخرج من الدنيا بذنب مغفور بسبب الأهوال التي عاشها في الحُكمين، و يستحق أن يُزار بالشموع لالتماس الدعوات إنه سميع البكاء..!
هل نسعد بالحكم العثماني دينا و دنيا أم أن السعادة ستعود بالنفع على من يحمل اسمها فقط بينما سيعُمُّ الكَرب المواطنين في المرحلة الحكومية الجديدة، ليقضوا الخمس سنوات القادمة مثل نظيرتها المتقادمة في عهد بنكيران، حيث كل المُخطَّطات الاقتصادية لم تكن تُخطط إلا لحلْبِ جيوب المواطنين بذريعة العجز في الميزانية و المديونية و الأزمة العالمية و هاتيك تبريرا، و الحقيقة أن العجز يكمن في عقول من يُدبِّر شؤوننا بكل ما أوتوا من جشع في التبذير، فما عاد أي مُخطط اقتصادي يضع في أفُقه تحسين وضعية الفرد في سُلم المجتمع، فصار دخْله المعيشي يخرج قبل أن يدخل في الحساب، بسبب قروض الشقة و الأعياد و السيارة و هلم نزيفا في ما يتعلق من رقبته حتى تجحظُ عيناه و تختنق أنفاسه بالاحتياجات الضرورية الباهظة في نفقاتها بدءا بالقفة التي ما فتئت تضيق بما لا يتواكب غذائيا مع الأفواه الواسعة، مرورا بعدَّاد الكهرباء و الماء الذي يسجل في آخر الشهر أهدافا اعتباطية لا تتناسب أرقامها مع كمية الاستهلاك، و انتهاء بالتعليم الذي ما عاد مجانيا سواء بالدعم التكميلي أو بمدارسه الخصوصية المُرخَّصة لكل ذي مال ليس بينه و بين العِلم إلا التجارة و الشيطان؛ فكيف إذاً و وضعية الفرد على ما هي عليه من حضيضٍ في المستوى المعيشي، سنسعدُ بالحكم العثماني دينا و دنيا في الخمس سنوات أقصد الخمسين سنة القادمة التي ستنتقل بمن في الصِّغر لأرذل العُمُر..!
يجب أن يضع المُخطط الاقتصادي للحكم العثماني وضعية الفرد المغربي نُصب أعينه في أفق قريب، أن يكون معه و ليس عليه، فالفرد في صحته عليل، في جيبه فقير، في تعليمه جاهل، في أمنه مهدد بأشد أنواع الإرهاب تنكيلا، في شغله عاطل، من مستقبله يائس، و يشعر أن لا أحد يُولي حياته و حقوقه المهضومة اهتماما، و أن الشوارع و القناطر و واجهات مدننا أصبحت في السنوات الأخيرة أوفر حظا من المواطن، تجد من يهتم بشؤون بنيانها و العودة لهدمها جَرْياً على عادة السُّيولة في استنزاف خزينة الدولة، لا أحد يهتم بالفرد هو الذي من لحم و دم و روح و سَمَّوْهُ خطاً موردا بشريا دون أن ينوبه من الإيرادات التي تذهب لجيوب مخصوصة فلسٌ يزيد بأجره الأعرج و لو بعكاز لآخر الشهر..!
أن نقصي الفرد من كل تفكير يمكن أن يُدمجه في النسيج الإقتصادي ليشعر بجدواه في الحياة ، لعمري ذلك ما سيؤدي في العاجل القريب إلى غضب عارم يُهدِّد أمننا الاجتماعي..!
ماذا تحقق للفرد دون أن نضرب الطاولة أو حتى نقلبها بورقة تربح بالـ"ميسا"جميع الأوراق السياسية التي لا يهمها من هموم الفرد إلا تلميع البلد في واجهته بينما ينخرنا البؤس في المغرب السحيق، وما جدوى أن نربح سياسيا و نخسر الفرد الذي يعتبر اللحمة التي تكسو عظام المجتمع الأحوج لمن يحييها من رميم..!
هل قلتُ يجبُ؟
عذرا فقد طال الأمد على هذه الكلمة حتى صارت لَبَناً فاسدا لا تتمخض عن حموضته إلا تلك الزبدة التي يدهن بها المُتنفِّعون من فقرنا سيور الحذاء كي تَسير..!
فَسدتْ كلمة (يَجِبُ) في بلدنا وصارت لا تُستعمل إلا في كل ما من شأنه أو ليس من شأنه (...) شأنُ من إذاً و الواجب انقلب مسخا لمصلحة شخصية تنهبُ بما يجبُ من تحايل على القانون كل ما لا يجبُ..؟


(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 27 أبريل 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى