المقاهي أ. د. عادل الأسطة - المقاهي... ملف (1--15)

1- لكل زمان مقاهيه وتلك الأيام دول

أمس ظهرا جلست في مقهى الرشيد في نابلس .
يقع المقهى في شارع غرناطة المعروف جيدا ، ففيه كانت تقع سينما غرناطة التي لا يمكن أن ينساها جيلي وجيل أبي وما بينهما ؛ سينما غرناطة التي كنا نزورها ونسأل عن أفلامها المعروضة والقادمة ، دون أن تخطر على بالنا ، على الإطلاق ، مدينة غرناطة الأندلسية .
لقد كانت السينما أندلسنا غير المفقودة ، أو أن الأندلس في تلك السنوات لم تكن ذات أهمية كبيرة ، فقد كنا نتطلع إلى مشاهدة الأفلام المعروضة أكثر مما كنا نتطلع إلى تحرير فلسطين ، ولم يخطر كثيرا ببالنا استعادة الأندلس .
هل كنا نكرر سطر محمود درويش :
- من يشتري تاريخ أجدادي بيوم حرية ؟ ( بفيلم سينما ) .
ومع مرور الأيام وتضاؤل الأمل بالعودة إلى حيفا ويافا ازداد تعلقنا بهما وبالأندلس معا .
لماذا كتب محمود درويش " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي " في العام ١٩٩١ ولم يكتب عن الأندلس في ٦٠ القرن العشرين مثلا ؟
يبدو أنني شططت بعيدا !
كان مقهى الرشيد في ٦٠ القرن ٢٠ مقهى مزدهرا جدا ، لموقعه ولكونه كان مقهى حديثا ، وكنت أتردد عليه في الليالي مع أبي ، فأراه مكتظا بالرواد ، إذ بالكاد تجد فيه طاولة واحدة غير مشغولة . في هذه الأيام ، حين تتردد عليه ، بالكاد ترى عشرة أشخاص . أمس ظهرا مثلا لم يزد عدد الرواد على عدد أصابع اليدين ، وجلهم من المتقاعدين أو العاطلين عن العمل من كبار السن . هل تحسرت على الماضي الذهبي للمقهى ولهارون الرشيد الخليفة العباسي ؟
في مقهى الرشيد تعرفت إلى صاحب الباص الذي كان أبي يسوقه ، وهو أبو مرزوق ، وأبو مرزوق من اللد أو من رنتيس ، فما أذكره أنه كان يقال له أبو مرزوق الرنتيسي ، وكان سمى شركة باصاته باسم " شركة العودة " على أمل العودة إلى اللد .
لم يقطن أبو مرزوق في مخيمات اللاجئين ، شأنه شأن العائلات اللاجئة الثرية من سكان يافا وحيفا . لقد استأجر هؤلاء لهم بيوتا في المدينة أو في البلدة القديمة التي كان لها عز ومجد ، وآثروا أن يعيشوا كما كانوا يعيشون في مدنهم ؛ مرفهين مدللين منعمين منفصلين عن عامة الشعب .
في ٦٠ القرن ٢٠ عرف سكان الأردن بضفتيه ثلاثة أنواع من الدخان ؛ الريم والكمال واللولو . بيع الأول بسبعة قروش والثالث بأربعة وأظن أن الكمال بيع بستة قروش . وكان تدخين سجائر الريم يعد امتيازا ، فالقروش الثلاثة في الفارق في السعر كانت مبلغا محترما ، ولما كان أبو مرزوق غنيا وصاحب شركة باصات ، فقد كان يدخن الريم ويعد تدخينه امتيازا ودليلا على طبقته ، وكان يفخر بأنه صاحب ذائقة .
مرة أعطاه صديق له سيجارة لولو زاعما أنها سيجارة ريم ، ولما أخذ أبو مرزوق يدخن بدأ يكح ، ثم التفت إلى السيجارة ولاحظ أنها " لولو " لا " ريم " وأخذ يضحك ويخاطب موجبه :
- كحكحتني يا شيخ . تنطيني / تعطيني " لولو " وتقول لي " ريم " .
وياما سخرت نسوة المدينة الخبيثات من النسوة حديثات النعمة وهن يقدمن لهن التمباك العادي على أنه تمباك عجمي دون أن تميز المؤرجلات الطعم .
- كحكحتني يا شيخ . تنطيني " لولو " وتقول لي " ريم " .
نوينا التزهزه .
شاخ المقهى وشاخ الطفل أيضا وما زال يتذكر قصة أبو مرزوق وباص العودة و ...
صباح الخير
خربشات
٢٦ آب ٢٠٢١


***

2- مقهى رصيف

في الحادية عشرة صباحا دار السائق بحافلته حول رأس الرجاء الصالح . دار ولف ، وسار يسارا ، وسار يمينا ، بحثا عن ركاب . وكان بإمكاني أن اعترض ولكني آثرت الصمت ، فلعل الله يرزقه .
في المساء أرسل إلي صديق من غزة شريطا يتحدث فيه خربج جامعي عن قسوة الحياة هناك ، فالوظائف قليلة وفرص العمل شحيحة . خاطب الشاب السيد اسماعيل هنية والسيد يحيى السنوار وغيرهما من قيادات حماس أن يفكروا بأبناء الشعب كما يفكرون بأبنائهم الذين تتاح لهم فرص العمل وتهيأ لهم الوظائف ، خلافا لغيرهم من الغلابا .
الشاب ، كما قال ، يجر عربة نقل أغراض ولا يحصل في اليوم على أكثر من عشرة شواكل ، وكلما طرق بابا من أبواب حماس قالوا له إن والده موظف من موظفي سلطة رام الله . هل كان الشاب شجاعا أم متهورا ؟
لقد صرح الشاب أنه غير خائف وأنه يعرف مسبقا أنه قد يسجن .
الصديق مرسل الشريط كتب إلي :
- تمسكوا بالسلطة فأنتم تنعمون بخيرات الجنة . تعالوا انظروا جحيم حماس . حماس تهاجم سلطة رام الله ، وإذاعة فلسطين من رام الله تهاجم حماس وتأتي على تضييقاتها على المواطنين ، وأنا كلما شاهدت شريط فيديو عن أوضاع غزة المأساوية ، أو كلما قرأت كتابات عن جحيم الحياة هناك ، عقبت :
- كان الله في عون أهل غزة .
وأنا جالس على مقهى رصيف عرفني أبو زيد على أم العبد . شاركت أم العبد في انتفاضة الأقصى وكادت تعتقل . لأم العبد ابن سجين قضى ، حتى الآن ، أربعة عشر عاما وبقي من محكوميته ثلاثة عشر عاما أخر .
كانت أم العبد تتحدث عن ابنها ومعاناتها دون أي شعور بندم ما ، فليس ثمة مهرب من المقدر " المقدر ما منه مهرب " .
منذ متى لم تزر أم العبد ابنها ؟
وأنا كنت أجلس على مقهى رصيف ، وليس ثمة سوى أربعة مقاعد ، فالمكان لم يكن أصلا مقهى . إنه محل بيع قهوة وبهارات ولقلة ما باليد ولقلة البيع حول ابنا صاحب المحل المكان إلى ما يشبه المقهى .
في نابلس ليس ثمة مقاهي رصيف إطلاقا ، ومرة كتب صديق يتنقل بين فرنسا ونابلس عن افتقار المدينة الفلسطينية إلى مقاهي الأرصفة ، وهذا صحيح .
هل مر أمس بلا شهداء أم أنه مثل باقي الأيام الفلسطينية ؟
وأنا أجيب على اقتراح الصديق الغزاوي الذي يطلب فيه منا أن نتنعم بما نحن فيه في ظل السلطة ، اقترحت عليه ، ما دام يدافع عن السلطة ، أن تخفف هذه - أي السلطة - من قمع المتظاهرين واعتقالهم وشتمهم ، فابناؤها هم مناضلون او أبناء مناضلين أو أنهم سجنوا وعذبوا وحجموا ... إلخ .
لا أحد قانع بما هو فيه ، والكل يشكو .
حسنا فعلت الشرطة الفلسطينية في رام الله إذ لم تعتقل المحتجين وتركتهم يعبرون عن مواقفهم ، وآمل ألا تتراجع عن سلوكها هذا .
سكان غزة غير راضين عما هم فيه ، ومثلهم سكان الضفة ، وحالة تعبانة يا ليلى .
صباح الخير
خربشات
٢٧ آب ٢٠٢١ .

***


3 - مقهى رصيف في نابلس: هل توجد في نابلس مقاهي أرصفة؟

مرة تمنى أحد اصدقائنا ، ممن يسافرون باستمرار إلى فرنسا وبلجيكا ، تمنى ، وهو جالس ، في بلجيكا ، على مقهى رصيف ، أن يصبح ذات يوم في نابلس مقاهي رصيف .
أنا من رواد المقاهي في المدينة ، أو هكذا صرت بعد تقاعدي من الجامعة ، وصرت أتمنى لو أن هناك بالفعل مقاهي أرصفة .
في نابلس ليس ثمة مقهى رصيف واحد بمعنى الكلمة . هناك مقاه يمكن أن تجلس فيها كما لو أنك جالس في مقهى رصيف . مفهى الميناوي ومقهى السيد ومقهى الهموز ، وثمة مقهيان آخران قرب مبنى المقاطعة يرتادهما الرواد مساء ، فيجلسون على الرصيف يؤرجلون . ولكن هذه المقاهي كلها لا تعد مقاهي أرصفة وإن جلس روادها على الأرصفة .
ساحة باب الساحة ، لو تحولت إلى مقهى ، يمكن أن تكون مقهى رصيف لا بأس به ، ولكن بلدية المدينة تريدها مكانا عاما يجلس فيه المواطنون ، دون أن يجبروا على الخضوع لمستثمر يفرض عليهم شرب الشاي والقهوة أو أي مشروب .
مؤخرا رممت البلدية ساحة في شارع النصر قرب " المصلبة " لتكون شبيها بساحة باب الساحة ، ولكن مساحتها أصغر وليس قربها مكان لافت كالساعة في باب الساحة ولا محل مشهور كحلويات الأقصى التي يؤمها الزوار لشهرتها .
أحد المواطنين ، وهو أبو خميس السريسي لم يرق له المكان أجرد أقفر . لقد أحضر طاولتين ، صارتا أربعا ، وعددا من الكراسي ، ما شجع الناس على الجلوس واحتساء الشاي وشرب القهوة أو المشروبات الغازية .
قبل أيام جلست في الساحة ولم يسألني أبو خميس إن كنت أود شرب الشاي أو القهوة ، فاستغربت . عندما سألته لماذا لا يسأل الزبائن عن طلباتهم أجابني بأن المكان للبلدية وليس له ، فلا يحق له أن يفرض المشروبات على الزوار .
أمس مزح معي أبو خميس :
- لقد جاءني مهندس البلدية غسان يحذرني من بيع المشروبات في المكان بيعا إلزاميا ، وقال لي إنني أنا من أبلغهم بالأمر .
- ولكن هذا لم يحدث يا " أبو خميس " . الليلة سأكتب رأيي .
أبو خميس ينظف الساحة والطاولات وأحضر سلالا للقمامة . إنه يهتم بالمكان ليظل نظيفا يروق للجالسين .
قبل أن أجلس في مقهى الرصيف جلست في باب الساحة على المقاعد التي وضعتها بلدية نابلس ، ولكن ما إن بصق رجل على الأرض حتى وجدتني أغادر خوفا من عدوى الكورونا ، ولم يتبدد خوفي وأنا أذرع شارع النصر ، فقد مر بالقرب مني شاب تنفس بعمق دون أن يراعي أنه ، بتنفسه إن كان مكورنا ، قد ينقل العدوى للمارين .
أبو خميس الذي كتبت عنه ليس " أبو خميس " في كتابات Zakaria Mohammed ، فأنا مثل المرحوم نصري حجاج " أعتقد أنني أحب الحكومة " ، أما زكريا فيبدو واضحا أنه لا يحب الحكومة .
صباح الخير
خربشات
٢٦ أيلول ٢٠٢١ .

***

4 - هل تتحول البلدة القديمة في نابلس إلى مدينة سياحية؟

أمس ظهرا زار وفد من أدباء حيفا والجليل مدينة نابلس ، وضم الوفد الكاتب سعيد نفاع والمحامي حسن عبادي وثلاثة وعشرين أديبا وأديبة ألقى العديد منهم نماذج من قصائدهم الشعرية ، وبعدها تجولوا في البلدة القديمة وتناولوا طعام الغداء في أحد مطاعمها القريب من صبانة الرنتيسي / عاشور التي رممها السيد سليم التيتي / " سليم أفندي " ، فصارت حماما تركيا ومقهى .
قبل أن أحضر اللقاء الذي عقد في متحف نابلس / الذاكرة ، ومقره مصبنة كنعان القديمة ، وأصغي إلى الشعر عرجت ، بصحبة خالد الخندقجي وياسمين النجار بطلة رواية الروائي إبراهيم نصرالله " أرواح كليمنجارو " - أمل أن أكون كتبت اسمها صحيحا - ، عرجنا على مقهى جديد بالقرب من باب الساحة اسمه " إيفا كفي " وأمعنا النظر فيه ، ولم يمر على افتتاحه أيام . صار الآن في المنطقة نفسها مقهيان جديدان ؛ إيفا كفي ومقهى الباشا ، وجدد في المكان نفسه مطعم أبو عماد حلاوة .
الآن صار في البلدة القديمة ما لا يقل عن عشرة مقاه ومطاعم تبدو في حلية بهية تروق للجالسين ، عدا الحمامات التركية . وثمة أربع مقاه أخرى أتمنى أن تجدد وترمم هي مقهى الرشيد ومقهى السيد ومقهى البرلمان ومقهى الشيخ قاسم ، وباللهجة النابلسية " الشيخ آسم " ، وكلها لها ماض عريق ، وأعتقد أنه لولا انتشار وباء الكورونا لتم ترميم الكثير من البنايات والبيوت .
وأنا أغادر مصبنة كنعان / متحف التراث عرجت على قصر آل طوقان القديم وجلت فيه وقلت لمن كان بصحبتي :
- يجب أن تتحول البلدة القديمة إلى مكان سياحي ، فأجمل ما في نابلس هو البلدة القديمة . إنها روح نابلس .
أكثر صبانات المدينة انتهى العمل فيها وصارت مغلقة أو هدمت في قصف ٢٠٠٢ أيام الاجتياح أو صارت مراكز أو متاحف ، وفي اللقاء ركز الأدباء على وحدة الثقافة الفلسطينية ، فتذكرت الكاتب المرحوم سلمان ناطور ابن دالية الكرمل الذي طالما أصر على أن الثقافة الفلسطينية هي حصننا الأخير للمحافظة على وحدة شعبنا .
لماذا غاب عن ذهن الشعراء والمتحدثين ومنظمي اللقاء الاحتفاء بذكرى الشاعر عبد اللطيف عقل ، علما بأنه لم يغب عن ذهنهم الإشارة إلى ذكرى الشاعر سميح القاسم ؟
يبدو أنني أنا الملوم !
كانت الحياة أمس عادية تماما ، وقلة قليلة من الحضور وضعوا الكمامة التي ما زلت أصر على ارتدائها ناشدا السلامة ، فدرهم وقاية خير من قنطار علاج .
الفلسطينيون في فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ وفي فلسطين المحتلة في ١٩٦٧ أقرب إلى بعضهم منهم إلى الإسرائيليين ، ومصطلح " عرب إسرائيل " في طريقه إلى الزوال ، وفي أيام السبت تنتعش المدينة وينتعش اقتصادها وتزدهر الحركة الاقتصادية و ... و ... وعاشت فلسطين فلسطينية من نهرها إلى بحرها ، وعاشت بلاد الشام كلها بلاد شام أيضا ، وكما قال محمود درويش :
" - يجمعنا ما يفرقنا "
وتجمعنا اللغة والأدب أيضا .
صباح الخير
خربشات
٢٩ آب ٢٠٢١

***

5 - "باب الساحة"

اليوم مررت بباب الساحة ونظرت إلى المقاعد / ( البنوك ) التي وضعتها بلدية نابلس مقابل درج جامع النصر وقرب الساعة التي شيدت في زمن السلطان العثماني عبد الحميد .
المقاعد جميلة ولافتة والشمس مشرقة وثمة أستاذان يلتقطان الصور .
قلت لهما :
- المكان جميل ومعد ليكون مقهى رصيف .
لم يتشجعا لاقتراحي ووجهة نظرهما أن رصف الساحة الذي استغرق أكثر من عام لم يكن القصد منه تحويل الساحة إلى مكان استغلال .
لم نتجادل طويلا ، وواصلت سيري .
قبل أيام كان حكيم صباح SabbahHakim في دولة أوروبية يجلس فيما يمكن أن يوصف بأنه مقهى رصيف ، وقد عبر ، مع صورته وصورة المكان ، عن حسرته متسائلا :
- متى نرى أماكن مثل هذه في نابلس ؟
واقرؤوا تعليقات قراء ما كتبه حكيم صباح .
كان الجو في نابلس اليوم مشمسا وثمة حنين إلى مقهى رصيف في بون أو بامبرغ أو برلين أو توبنغن أو في ميونيخ .
يبدو أنني سأفقد ذاكرتي ، وإلا ما هذا الحنين لثلاثين عاما خلت؟
مساء الخير
خربشات
25 شباط 2019

***

6 - في مقهى البرلمان - طالبي يوجبني

اليوم في الثانية ظهرا جلست في مقهى البرلمان .
الأجواء شتوية بامتياز ، وأنا غادرت الجامعة والشقة أتمشى على الرغم من البرد القارس . أسعار السكر منذ ثلاثة أيام مرتفعة جدا في جسدي ولا بد من تخفيضها.
قلت :
" أمشي و أقلل الطعام " ولكن عبثا .
في المقهى احترت أين أجلس فالرواد قليلو العدد والأراجيل تدفيء المكان ، نيابة عن الصوبة .
أعرف الرواد ولا أحفظ الأسماء . لا أعرف إن كانت هذه ميزة أم مثلبة !
أحد رواد المقهى وجبني وقال لي إن فضلي عليه كبير ، وأخبرني أنني درسته في المدرسة الثانوية في العام 1977.
والحديث ذو شجون .
استرجعنا سيرة الأساتذة الذين كانوا يدرسون في ذلك العام وترحمنا على من مات منهم وتمنينا الصحة والعافية لمن بقي على قيد الحياة وحزنا لمن يقعد جليس البيت أو من يعاني من الزهايمر .
تتبعنا سير حياتهم ومصادر شهاداتهم وعلمهم وأدبهم وعلاقتهم بالطلاب ومدح الجالسون معلمي الماضي وهيبتهم وأشادوا بطلاب " زمان " ، وأتى أبو صالح على قصة أخيه " أبو يزن " الذي ترك مهنة التعليم فلا صبر له على مقارعة الطلاب .
" يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا ".
وغادر أبو صالح وواصل الحضور كلامهم . ترحمنا على رئيس البلدية السابق غسان الشكعة وتذكرنا حزمه وحبه نابلس .
ثم ... ثم ..
وبدأنا نتكلم عن أسعار الأراضي .
ما من واحد إلا ويعرف قصصا عن ثراء تجار الأراضي وارتفاعها الجنوني من 50 القرن العشرين إلى يومنا هذا .
بعملية حسابية :
اشترينا في 1977 قطعة أرض ب 2000 دينار من صاحبها الذي اشتراها من البلدية ب 100 دينار .
في 1991 صار سعر القطعة المجاورة 25 ألف دينار وفي 2007 صار 33 ألف دينار واليوم يبلغ سعرها 82 إلى 85 ألف دينار .
وما زال كثيرون منا يتحدثون عن القيمة الشرائية للدينار في 60 القرن العشرين ، ويتحسرون على ذلك الزمن ، أما اليوم ... !
يا حسرة على ال 100 شيكل فإن قيمتها الشرائية لا تساوي شيئا .
شو بدنا بطول السيرة .
قبل سبع ثمان تسع سنوات اشترى ثري فلسطيني أرض المخابرات الأردنية في الشميساني / العبدلي ، ورغب ثري لبناني فيها بعد فترة قصيرة .
دفع الثري للثري ثمن الأرض وإكرامية قيمتها 15 مليون دينار ، والكلام على ذمة مقرب من ثري فلسطيني ثالث .
أخي يقول لي :
- في النهاية قطنة .
والكلام يطول ورحم الله صدام حسين ، فقد كان له سبعة عشر قصرا و ..
بلا طول كلام .

أ. د. عادل الاسطة
مساء الخير
خربشات
9 كانون الثاني 2019


***

- الألمان في مقهى البرلمان :

اليوم في مقهى البرلمان جلس وفد سياحي ألماني قادم من شتوتجارت كما سمعت بعض أعضاء الوفد يتحدثون .
تحدث الدليل السياحي المقدسي مع الوفد وشرح لهم القليل عن علاقته باللغة الألمانية .إنه يفهم ولكنه لا يتقن الكلام .قال إن زوجته ألمانية وأن لهما أربع بنات وهم يقيمون في القدس ويتكلمون العربية والإنجليزية والألمانية، وقال إنه مواطن عربي في القدس يملك وثيقة سفر فقط، فإسرائيل لا تمنح الجنسية الإسرائيلية للمواطنين العرب في القدس .
كان الدليل يتكلم بالإنجليزية ويؤرجل ، وشرب الألمان القهوة وكنا نتبادل النظرات .لا هم تكلموا معي ولا أنا تكلمت معهم ، فقد اكتفيت بالإصغاء ، وكالزمار كنت حائصا أريد أن اختبر بقايا لغتي .
ماذا ألم بكاترين في شتوتجارت؟
منذ عقد من الزمان لم أسمع ألمانا يتحدثون الألمانية
"والأرض تورث كاللغة " ولم أرث إلا العربية وبقية اللغات اكتسبتها اكتسابا .
مساء الخير
خربشات
٢تشرين الثاني ٢٠١٩

***

7 - مقهى البرلمان وشارع النصر و"الفقدان"

توفي أول أمس المربي والشاعر لطفي الزغلول " أبو العبود " فتوالت خسارات مقهى البرلمان .
لم يكن أبو العبود من رواد المقهى الشعبي الذي يجلس فيه كبار السن يؤرجلون ويتابعون أخبار نابلس والضفة الغربية وقطاع غزة وجنوب لبنان أيضا ويتكلمون غالبا باللهجة النابلسية ويستخدمون الأمثال الشعبية النابلسية القح التي كنت أسمعها من أفواههم فأوردها في خربشاتي .
كنت أجلس قبل عقد ونصف في المقهى وعندما يمر أبو العبود أدعوه للجلوس ، حتى صرنا من رواد المقهى المعروفين وصار قسم من الحضور يجرنا إلى الحديث جرا ، ومع الأيام صرنا من العائلة ، ولكن مرض أبو العبود في الأعوام الخمسة الأخيرة حال بينه وبين مواصلة التردد على المقهى .
أمس توفي الشاعر الذي لم أره منذ ثلاث سنوات تقريبا بسبب تردي أوضاعه الصحية ، وحين سألني أبو الروح إن كنت سمعت بخبر موته - أي موت الشاعر ، أجبته بأنني نعيته في وسائل التواصل الاجتماعي .
منذ العام ١٩٧٣ وأبو الروح يدير المقهى وحيدا ، ومنذ أسبوع أجلس على رصيف المقهى الخالي من الرواد ، وحين يحضر أبو الروح لي مشروبي يجلس لنتجاذب أطراف الحديث .
قبل ثلاثة أيام تحدثنا عن الصبانات في المدينة ، صبانة صبانة ، وعن تحول قسم منها إلى متحف أو إلى حمام تركي وما شابه ، ومنه عرفت أنه لم يبق في المدينة سوى صبانتين ، ومع إغلاق بقية الصبانات ما عدنا نسمع بأسماء الصابون السابقة .
أمس دار الحديث عن رواد المقهى الذين توفوا ، فعددنا أسماء من ماتوا في العامين الأخيرين :
- أبو ناجح الدحدوح
- أبو زياد الشبيري
- أبو بشارة دوماني (؟)
- الحاج صالح الداري
وذكرنا علما من إعلام الشارع وهو أبو شريف منى صاحب المخبز المتخصص ببيع الخبز البلدي الأسمر و ...
وأول أمس توفي الشاعر أبو العبود ، وأحيانا كثيرة في هذه الأيام يخلو المقهى من رواده و ...
وأنا في العام ١٩٦٩ درست في مدرسة الملك طلال التي درس فيها أبو العبود مادة التاريخ ، وفي العام ١٩٨٢ تزاملنا معا في جامعة النجاح الوطنية حيث علم اللغة العبرية وصرت أنشر له قصائد شعرية في جريدة " الشعب " المقدسية التي حررت صفحات الثقافة فيها ، و ...
وفلسطين ما زالت مدووشة بأخبار السجناء الستة الهاربين من سجن جلبوع الإسرائيلي بحثا عن حريتهم ، وبأخبار الكورونا وعدد الإصابات والتطعيم وشهر أيلول وورقه الأصفر ، فماذا يخبيء لنا أيلول هذا العام ؟
صباح الخير
خربشات
٩ / ٩ / ٢٠٢١ .

***

8- في مقهى البرلمان

في 5 كانون الثاني 2016 جلست في مقهى البرلمان ، وهو مقهى في البلدة القديمة في نابلس .
كان الحديث ذا شجون وقد أثار الرواد أسئلة كثيرة منهما
- ماذا يجري في سورية؟
- من المسؤول عما جرى؟
-أهي السعودية وقطر ؟
كبار السن دافعوا عن حزب الله وعن نصرالله . تحدثوا عن سورية واكتفائها الذاتي وعن الفوضى الخلاقة ل( غوندوليزا رايس ) ودافعوا عن آيران وهاجموا الوهابية .
هل كان هناك حديث عن اﻷصول اليهودية لبعض الحكام العرب ؟
ولم ينس الحضور الحديث عن روسيا ودورها وعن صدام حسين الذي ترحموا عليه .
الناس لا تثق بالسعودية وبقطر ، والناس حزينون لخراب سورية ، وهم يقولون إنهم يدركون جيدا ما يجري .
أحد الحضور مدح الوعي السياسي لدى الفلسطينيين .
طبعا كنت أشارك في الحديث . فهل كنت أوافقهم على كلامهم ؟ هل عارضتهم ؟
الحديث كان طريفا حقا ، بخاصة وهم يدخنون النارجيلة .
أنت تحب هؤلاء الناس وتحب الجلوس معهم وغالبا ما تطرح عليهم السلام وغالبا ما تمرحبهم .
أهم من كل ما سبق كان الحديث عن نابلس قديمأ ونابلس الآن .
كنت أنا من فتح الحديث ﻷقول " لا شيء يبقى على حاله " ، وﻷوضح أن عنصرية الإسرائيليين يجب أن تنتهي .
دولة يهودية .
شو يعني دولة يهودية ؟
حين قال أحد الحضور إن الحرب بيننا وبينهم ستظل إلى يوم القيامة أتيت على فكرتهم وفكرتنا و على معركة ( هار مجدو ) التي يتوقع المحافظون الجدد حدوثها ، و أتيت على المهدي المنتظر .
قلت لهم إن ألمانيا كانت عنصرية وكانت دولة تؤمن بنظرية الدم . الآن كل خمسة مواليد ألمان بينهم اثنان من أصول ألمانية وغير ألمانية ، وأن على اليهود أن يتخلوا عن نظرية الدم اليهودي .
كيف كانت نابلس قبل 70 عاما وكيف هي الآن ؟
هل كان أهل نابلس يزوجون بناتهم لريفيين أو لاجئين ؟
الآن انظروا في تكوين المدينة وانظروا في عماراتها ومن تضم وفي محلاتها التجارية .
الحضور قالوا قصصا طريفة جدا عن الفارق بين نابلس قبل 70 عاما ونابلس الآن . قالوا إن أهل غربا - يقصدون سكان غرب المدينة - لم يكونوا يزوجون بناتهم ﻷهل شرقا .
أطرف قصة كانت عن شخص من عائلة البعنة . كان الرجل زوج ابنته لكويتي ، فأصبحت سيرته على لسان أهل البلد كلهم ، حتى اضطر إلى الرحيل عن نابلس ومغادرتها إلى عمان . لقد اعتبر أهل نابلس أن ما فعله عار .
سألتهم :
- واليوم ؟
- اليوم فتيات المدينة يتزوجن من ريفيين ، وشبابها يتزوجون من ريفيات .
وأفاضوا في الكلام .
لا أريد أن أهجو أهل نابلس حين أقول إن بعض اللاجئين كانوا ينعتونهم بأنهم من أصول يهودية وأنهم يهود . لا . أهل نابلس ممتازون والمرء يستطيع أن يتفاهم معهم ويصغي إليهم . هناك حديث عن أصول بعض العائلات . لكن من يؤمن الآن بنظرية الدم .
في نابلس الآن اختلط الحابل بالنابل وأتحدى أن توجد عمارة سكنية لا تضم سكانا من الريف والمخيم إلى جانب أهل نابلس . أتحدى إن كانت هناك روضة أطفال عنصرية لا تقبل طفلا ريفيا أو لاجئا أو ... ، ولكن هذا يحدث في ( رمات غان ) في تل أبيب .
المهم هو كيف كانت نابلس قبل 70 عاما وكيف غدت ؟
هذا يطمئن بأن اسرائيل رغم توجهها نحو اليمين لن تبقى على ما هي عليه . ألمانيا و نابلس وأمريكا من قبل و ..و ..
إذا ظل اليهود في اسرائيل ينادون بدولة يهودية فمعنى ذلك أن هناك خللا ما في قيادات الدولة وأنهم ينبغي أن يخضعوا لعلاج نفسي .
على فكرة :
أنا أمي نابلسية ولي تسع خالات تزوج أكثرهن من عائلات نابلس المعروفة ، وهناك عائلة أسطة نابلسية قح وغالبا ما اسأل إن كنت من سلالتها .

**

9- مقهى البرلمان..

الحبيب زلط زلط والعدو واقف على الغلط :
اليوم جلست في مقهى البرلمان في البلدة القديمة .
أكثر الرواد أعرفهم ، وغالبا ما أصغي إلى كلامهم وخلافاتهم ومزاحهم وصدهم وردهم و ...و ... .
اليوم شاهدت زائرا أظن أنني أشاهده لأول مرة . كان يتحدث مع آخر حين دخلت .
سيتلفظ بمثل أسمعه ﻷول مرة في حياتي وهو :
" الحبيب زلط زلط والعدو واقف عالغلط ".
طلبت منه أن يكرره ودونته .
بدأ رواد آخرون يتوافدون ، وبدأنا نتحدث عن الأمثال الشعبية ، وذكر الزائر على مسامعي أمثالا كثيرة وأخذ يشرحها كما أنه استشهد بأبيات شعرية تدرج ضمن موضوع الحكمة .
أنا تذكرت قول الشاعر :
"وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساوئا " .
من الناس نتعلم أيضا . وقد قال أيضا المثل الآتي :
" الزكوات ولا الباكوات ".

***

10 - مقهى البرلمان وأبو بشارة

اليوم جلست في مقهى البرلمان .
كان الزوار ثلاثة ؛ أبو بشارة وآخران ، وكان أبو الروح ، صاحب المقهى ، موجودا .
شربت شايا بلا نعناع ، فأبو الروح لا يشتري النعناع على مايبدو .
عم تحدثنا؟
طبعا عن القرار الذي تنوي الكنيست تشريعه وتعطي فيه المسيحيين في الداخل امتيازات .
عدنا إلى زمن الامتيازات أيام العثمانيين ، واسرائيل دولة عصرية ما شاء الله !!؟ دولة ما بعد الحداثة !!؟
حدثني أبو بشارة القصة الآتية :
" في زمن الاحتلال أوقفنا الجنود اليهود قرب البنك العثماني . جاء جندي وسأل عن ديانة كل واحد . سأل سامريا فأجابه بأنه سامري . طلب منه الجندي أن يغادر ، ولما سألني أجبته بأنني فلسطيني عربي مسيحي . ولما لم يرق هذا له فقد أوقفني وظل يضربني ويضرب رأسي بالجدار طالبا مني أن أقول إنني مسيحي فقط ﻷغادر ، وأنا كنت أرفض" .
الحديث طال وتشعب كثيرا . أتينا على آل سعود وناصر السعيد وعلى كتاب أنيس صايغ "الهاشميون" وكنت سمعت عن الكتاب من عقود من معلمي أبي حسان - محمد حساين .
هل توقفنا عند هذا ؟
أذكر أن "أبو بشارة " سألني عن التلمود وما ورد فيه ، فتذكرت كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" .
بلا طول سيرة يمكن أن يجعل المرء المقهى ، مثل السجن ، قاعة محاضرات يتعلم فيه ويعلم ويناقش .
شو بدكم في الكلام الفاضي ؟
إن كان هناك أرجيلة فأرجلوا .
خربشات العصر...إذا لقط النت
عادل الاسطة

***

11 - مقهى البرلمان..

جلست اليوم في مقهى البرلمان في البلدة القديمة . جرني بعض رواده إلى الكلام .
قال لي أحد الرواد إنه يعرف أبي وأعمامي وجدي من يافا .
الرجل طاعن في السن وهو عامل يكدح ليكسب رزقه .
سيعلمني أنه ملم بأشياء كثيرة ؛ بالعلوم والفلك والحساب ، وسيذهب إلى أن العرب أصل كل شيء وسيمتحنني أيضا .
قلت له إن العرب ليسوا أصل كل شيء ، وأصر هو على رأيه معتمدا على آيات قرآنية .
سألته :
' ولكن أين نحن الآن؟ وسييتدخل بعض الحضور في النقاش ، وسنأتي على بناء إسرائيل متسائلين من بناها .
كأن بعض الحضور قرأ مقالي الذي أتيت فيه على رأي اميل حبيبي في " المتشائل " يدحض الأفكار الصهيونية التي تزعم أن اليهود هم من جعلوا أرض فلسطين خضراء وأن العرب يهدمون ما يبنيه الآخرون .
نحن عبدنا الطرق قال اميل ،وقال إننا أقمنا البنايات وزرعنا الحقول . اليهود يملكون المال والعقول ونحن نملك الأيدي العاملة و..و..و.. .
وأنا عائد في الحافلة أخبرني ابن أخي أنه وغيره حصلوا اليوم على تصاريح زيارة فلسطين .
ابن أخي يقول لي إن اليهود جعلوا فلسطين جنة و..و...
اليوم قلت له :
- يجب أن ننظم لكم زيارة لمخيمات اللاجئين في لبنان حتى تروا أن هذا العمار والخضار له وجه آخر أيضا .
كل عيد ونحن بخير
حنظلة

***

12 - مقهى الهموز..

أمس وأنا جالس في مقهى الهموز ، لفت نظري طالبان يدرسان .
أكثر رواد المقهى يلعبون أوراق الشدة ، وأقلهم يتحدثون معا ، وثمة نفر قليل يصلي .
المقهى يصلح أيضا مكانا للقراءة والكتابة على الرغم من الضجيج ، ويمكن ان تكتب فيه مقالك الأسبوعي
في الصيف يكون هناك فتيات عربيات او اوروبيات ، أما في الشتاء فيختفون على ما يبدو .
الظاهرة في مقاهي عمان أكثر بروزا . مقهى جفرا مثلا ، أو مقهى الكاريكاتور في جبل الحسين ، إن لم تخني الذاكرة ، وأما المقاهي في عمان الغربية فحدث ولا حرج .
غالبا ما ألتقي بروز وفائزة هناك ، وغالبا ما نجلس في ( فيينا كفيه ) محاطين بالرجال والنساء . إنه مقهى الفندق عموما ، وفيه عرب وأجانب .
لا بد من أن اهييء نفسي ، من الآن فصاعدا ، على عادة التردد على المقاهي والكتابة في أجوائها .
الأجواء تبدو جميلة على الرغم من بعض برودة .
المدينة في الليل مريحة ، فثمة هدوء ولا أزمة سير في الشوارع ، والبائعون يريدون ان يبيعوا بضاعتهم ، ولهذا تنخفض الأسعار مع ساعات المساءء ، وتصغي الى العبارة :
" بيعة مروح "
وسبع ضمم سبانخ بعشرة شواكل .
يا بلاش .
مااذا عن أسعارالمعنسين والمعنسات والمطلقين والمطلقات والأرامل ذكورا واناثا .
مرة قال لي أخي إن مهر الأرملة في عمان محدد بألفي دينار .
طريف .
الأمر طريف .
مساء الخير
خربشات
4 / 12 / 2018.

***

13- البيوت حين يموت سكانها

وأنا أتمشى، مساء الجمعة، توقفت أمام منزل قديم مهجور. إنه منزل المحامي لطفي الزعبي. في الفترة الماضية عرفت أن ورثة المحامي قرروا منح البيت إلى جامعة النجاح الوطنية ليكون جزءاً من التراث الوطني أو لشيء مشابه لهذا.
توقفت أمام البيت أتأمله. ربما يعود بناؤه إلى سبعين أو ثمانين عاماً. ربما أكثر بقليل.
البيت غير بعيد من البلدة القديمة في نابلس. إنه يبعد عنها بضع مئات من الأمتار أو أقل قليلاً. يقع غربها وبالقرب منه يقع مقهى الهموز أحد أشهر مقاهي نابلس منذ 50 ق 20.
تبدو حجارة البيت مائلة إلى الصفرة. الشبابيك على طراز مباني تلك الأيام. إنها مستطيلة وأشبه بالأبواب. كما لو أنها أبواب حقاً. للمنزل حديقة مزروعة بأشجار الليمون والبرتقال وله مدخل بدرج لا تزيد عدد درجاته على 5 درجات.
ماذا فعلت بك الأيام يا دار؟
كما لو أنني أقف على الأطلال. مثل شعراء العصر الجاهلي. لم أسخر من المنزل كما كان أبو نواس يسخر من الواقفين على الأطلال. لم أسخر من نفسي لأنني وقفت أتأمل المنزل وفي المقهى ليس ثمة خمر احتسيها فأتغزل فيها.
منزل المحامي مغلق، ويبدو أن الجامعة، منذ أهدي لها، لم تفعل فيه شيئاً. الدرجات التي تبدو غير منظفة أو مكنسة منذ أشهر تقول هذا. أوراق الأشجار المتساقطة والطين الذي يعلو الدرجات و..و..
كل شيء يذكر بأسطر محمود درويش: "فالبيوت تموت إذا غاب سكانها".
لم يطمع أصحاب المنزل ببيعه للمستثمرين، خلافاً لأصحاب أراض زراعية قريبة منه كانت تزود المدينة ببصلها الأخضر وفجلها وبقدونسها ونعنعها وجرجيرها وربما بسبانخها وملوخيتها. ما زالت بعض الأراضي تزرع وإنْ بيع القسم الأكبر منها وأقيمت عليه مبان أسعار الشقق فيها مرتفعة.
لم تغدُ نابلس مثل رام الله حتى اللحظة ولكن منزل المحامي يذكر بمنازل عديدة في رام الله عرضت للبيع وأقيمت على أنقاضها بنايات ضخمة وما زالت بيوت سكنية تنتظر مقاولين وأثرياء يشترونها بالملايين ليقيموا بناياتهم الجديدة وليزدادوا ثراء على ثراء.
كان المحامي لطفي الزعبي من أشهر محامي نابلس، وكنا نعرفه من خلال ملابسه الأنيقة وأناقة منزله لا تختلف عن أناقة بيته، وكنا نعرفه أكثر من خلال امتلاكه حافلتين (باصين) كانا ينقلان الركاب من نابلس إلى مخيم عسكر وبالعكس.
أنا شخصياً عرفته في مكتبه الذي زرته مراراً.
بين 1970 و1971 كنت في الإجازات الصيفية للمدارس أعمل (كونترول) وقد عملت على أحد (باصي) الزعبي، وكان علي كل مساء أن أذهب إلى المكتب.. أحاسب الموظف "أبو بهجت" الذي وثق المحامي به وثوقاً تاماً، وكان "أبو بهجت "شخصاً مرحاً وكان من مخيمنا.
متى بني المنزل؟ لا أعرف بالضبط وإن كنت أخمن أنه بني في 20 ق20. الحجارة تقول هذا. ولم تكن المباني في ذلك الوقت لتبتعد كثيراً عن البلدة القديمة. إنها كانت ملاصقة لها.
شرق المدينة كان هناك مبنيان أقيما زمن الانتداب البريطاني وزمن العثمانيين. العمارة والقشلة وقد هدما بالكامل بعد أن دكت الطائرات الحربية الإسرائيلية أحدهما في 2001 في انتفاضة الأقصى. والمبنيان في الذاكرة سجن وغرف تحقيق وضباط احتلال.
متى توفي المحامي؟ لا أذكر.
المنزل يقع مقابل مكتبة بلدية نابلس التي عرفت باسم المنشية، وغنى فيها عبد الوهاب وأم كلثوم في 40 ق20 أو قبل ذلك بقليل. ربما كان أهالي المنزل من رواد تلك الحفلات.
"البيوت تموت إذا غاب سكانها" والمنزل المهجور يبدو ميتاً على الرغم من أن الأشجار ما زالت واقفة ومونعة ومورقة، وهو ما زال أفضل حالاً من كثير من بيوت نابلس القديمة- أعني البلدة القديمة أحد أجمل المواقع في نابلس ولكن الناس يهجرونها بحثاً عن الجديد.
أحيانا نبدو مثل الشعراء القدامي. نقف على أطلال البيوت ونتأملها. هل نسخر من أنفسنا كما سخر أبو نواس من الواقفين على الأطلال أم أننا نسخر من أبي نواس الذي لم يمتلك وعياً بالتراث وآثر عليه الخمر والساقية والخبز لا اللبن الحليب.
رأى (يونج) أن الأعمال الأدبية إن هي إلا أساطير عريقة تتردد في حياة البشر.
من يدري! ربما كان وقوفي على أطلال المنزل وتأمله ضرباً من هذا، فما صلتي أنا بالبيت؟ هل يشفع لي أنني عملت يوماً ما (كونترولاً) على حافلة من حافلتي صاحب المنزل؟
المقهى هذا المساء بلا صوت أم كلثوم ولا أغنية.
هل أطلب من صاحب المقهى أن يسمعنا أغنية الأطلال؟
لا خل لتنكره ولا صديق. أنت في المقهى وحيد والآخرون يتحدثون ويلعبون النرد والورق وحين أذن المؤذن لصلاة المغرب ترك الذين يصلون الأشياء على حالها وقاموا يصلون في المقهى نفسه. لقد تحول لحظات إلى مسجد.

أ. د. عادل الأسطة
2017-11-05


***

14- في مقهى الميناوي

في مقهى الميناوي تجاذبت ، أنا وأبو زيد وأبو سلطان صاحب المقهى ، الحديث .
أبو سلطان رجل ودود هاديء في السبعين من عمره وأبو زيد في الخامسة والستين وأنا في بداية الثامنة والستين .
ثلاثتنا أتينا على مطعم التاج وصاحبه جدوع الذي كتبت عنه قصة " بائع الفلافل " في العام ١٩٧٩ ، ثم عرجنا على حرب حزيران الأولى ؛ حرب ١٩٦٧ ، فهناك حرب حزيران الثانية ، وهي حرب بيروت ١٩٨٢ .
استشهدت ( ابريزة ) والدة أبو سلطان في أثناء دخول القوات الإسرائيلية مدينة نابلس . كانت على الشرفة ، فقنصها قناص ، وبعد ٢٦ عاما قنص قناص إسرائيلي آخر حفيدتها ( ابريزة ) وهي على الشرفة أيضا ، وكانت الحفيدة في التاسعة عشرة من عمرها ، ومن العائلة نفسها استشهد شابان أيضا .
أبو سلطان قص على مسامعي قصة طريفة عن لافتة رفعها مواطن نابلسي صاحب محل أحذية رحب فيها بالحاكم " أحذية ... ترحب ب ... " وكنت سمعت الطرفة وأنا في عاصمة عربية " أحذية الشعب ترحب ب ... " . هل كان الكندرجيان بسيطين جدا وقصدا تبيان حبهما لسيادة الحاكم أم أنهما كانا ماكرين خبيثين ؟
صارت الحكاية تروى للسخرية من الحاكم وصارت تروى على معناها الخبيث الماكر الساخر .
وماذا عن جدوع ؟
في حرب ١٩٦٧ كان جدوع يحمل بندقية إنجليزية قديمة تطلق رصاصة واحدة ثم تعبأ لتطلق الثانية . ماذا ستفعل هذه البندقية بالدبابات الإسرائيلية التي احتلت نابلس ؟
كان جدوع مؤمنا أن الرصاصة التي قد لا تخترق الباب ستدمر الدبابة ، ولقد جلس على درج بناية ينتظرها .
هل اختلفنا ثلاثتنا على تحديد اليوم الذي دخلت فيه القوات الإسرائيلية جبل النار ؟
إنها الذاكرة ، فثلاثتنا تجاوز الخامسة والستين و ...
قلت لأبو سلطان إنني سأكتب حكاية ( ابريزة ) الأم و ( ابريزة ) الحفيدة ، وشربنا الشاي والماء وواصلنا الحكي . واصلنا حكايتنا التي لا نمل من روايتها وكنابتها وتكرارها . حكاية حزيران الذي لا ينتهي .

***

=========
1- لكل زمان مقاهيه وتلك الأيام دول
2- مقهى رصيف
3- مقهى رصيف في نابلس: هل توجد في نابلس مقاهي أرصفة؟
4- هل تتحول البلدة القديمة في نابلس إلى مدينة سياحية؟
5- "باب الساحة"
6- في مقهى البرلمان - طالبي يوجبني
7- الألمان في مقهى البرلمان
8- الألمان في مقهى البرلمان 2
9- في مقهى البرلمان
10- مقهى البرلمان..
11 - مقهى البرلمان وأبو بشارة
12 - مقهى البرلمان..
13 - مقهى الهموز..
14- البيوت حين يموت سكانها
15- في مقهى الميناوي







*

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى