محمد بشكار - رسالة إلى نفسي أرميها في صندوق العبيد..!

لن أغني بصوت عبد الحليم حافظ و لو كنت عندليبا، إني أغرق، أغرق، اغرق ق ق ق، لأن رسالتي هاته ليست تحت الماء، و لكنها رسالة تحت الحبر و لو لم يمْسَسْهَا من غصن الزيتون قلمٌ لتصير نورا على نور.
أكتب هذه الرسالة لنفسي و أنا متأكد أنها لن تصلني، ليس لعطب في جهاز البريد، و لكن لخلل يكمن فيَّ أنا العبد المذنب، لأن الحياة سلف و بعثت لي رسائل لم اُكَبِّد عيني عناء قراءتها و التفكير في مضمونها و إلا لما كان هذا حالنا جميعا، لا نسمع و الواقع يخاطبنا بإشارات ذكية إلا للغباء الذي في أنفسنا الأمارة بسوء، نركب كل تفكير عنيد نوجزه في عبارات بئس ما تمليه من سلوكيات تضرم الشقاق و تبث الإحباط في النفوس، من قبيل (عليَّ و على أعدائي) أو ( نفسي و بعدي الطوفان) و هلم جرجرة بالمكنسة إلى قعر البحر. لذلك أصدرت قرارا من أعلى هيئة في طناطن رأسي التي لا تعجبني دائما فلا أرى ما سواها، قررت أن أفتح الرسالة التي كتبتها لنفسي و أقرأها على مسامع الجميع عسى تعم الفائدة كل من يحيط بالمائدة و لا يرى أبعد من بطنه:
أخي بشكار أعلم أنك لا تملك من الأرصدة إلا المعرفة التي أودعتها في بنوك كتبك بعناوين مختلفة، ليتك تصرفها أموالا لتنقذ الخبز من الجوع في بلدك الذي يزداد فيه الفقير فقرا و كفرا كلما ازداد الغني ثراء و فحشا، فالثروة لم تعد ثروة العقل الذي لا يجدي صاحبه إلا جنونا بل ثروة العقارات و الأموال المهربة إلى بنوك خارج البلد. أخي بشكار أما كان أجدر أن تنتفع مع المنتفعين الوصوليين الانتهازيين، بدل أن تُرَكِّبَ في نفسك ألف عُقْدة و أنت تُركِّب جملة لن تفيد أحدا. بالمناسبة أو بدونها أمازلت تكتب الشعر، أسفي على كلام يخرج من القلب و ليس فلوسا من الجيب، أسفي على عمرك الذي ضاع في نسج خيالات لا تروي بسرابها من ظمإ، قل أما زلت تتأبط كتبا و تسدل جفنيك في أوراقها كما لو تُسدل الستار عن العالم كي لا ترى آدميا، بينما غيرك ممن يشحذون العيون بحذق القناص، لا يُغمض لهم جفنٌ ليل نهار كي يتصيدوا كل فلس يروه طريح الأرض و ما هو بفلس و لكن شبِّه لهم لما رأوا بُصاق اليمام.
عُد لرشدك صديقي الشاعر إلى الشارع المستقيم حيث الجميع يتدافعون كالقطعان بالمناكب من أجل تحقيق السبق الإجرامي و ليس الإعلامي في تلقف اللقمة ساخنة قبل أن يسقط فتات من نعمتها أو نقمتها في بطن المُعوز الجائع، يتقافزون كالعناكب على أكثر من حبل لسرقة آخر فرصة في حياة طالب بشواهد عليا، كان سيحقق بها حلمه و حلم ذويه الذين سيعولهم في الشغل، كي يعيدوا بيع المنصب لمن يدفع أكثر، أعلم أنك يا صديقي رجل مبادئ، و أن جوابك في قلمك و لو لم يكن ناباً، ستقول لي إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، و لن تذخر سطرا إلا زرعته ألغاما، و لكن فكر في نفسك قليلا يا نفسي و لا تتركها عرضة لجحيم الآخرين..!
حين أبعث رسالة لنفسي أوثر اليوم أن أبعثها بالطقوس القديمة التي تتخذ من الظرف المُتَنْبَر جناحا و لو وصلت الرسالة متأخرة بعد أيام أو شهور إذا حالفها الحظ و لم تضربها في الطريق عينٌ، و لا أذكر أين قرأت أن رسالةً وصلت لصاحبها بعد سبعين عاما أو أقل أو أكثر فلم يقرأها إلا بعد أن ذهبت الشيخوخة ببصر عينيه و صار كَلِيلا، و أجمل ما في طقوس الرسالة ذات الظرف المًتنبر أننا نستعمل قبل أن نلقيها بصندوق البريد كل حواسنا الخمسة، فنلمس الورق و القلم و نحن نضغط عليه مع قلبنا لنكتب الكلمات بأحرف بارزة كما لو نعتصرها من الفؤاد، و للورق و إيقاع القلم على صفحته صوتٌ نسمعه شبيها بحفيف الشجر، و طبعا لا نكتب دون أن نبصر ما نكتب مراعين المسافة بين السطور خلقا لجمالية البياض، و لا نبعث الرسالة إلا بعد أن نتذوق الظرف بأنْ نُبلِّله لحْساً بلساننا كي نقفله، قد يتذاكى سائل ويبادرني، وماذا عن حاسة الشم، لن أقول إن للورق و الحبر رائحةً دفينة لا يخطئها أنفٌ، و لكننا لم نكن نبعث رسائلنا و كانت في أغلبها غرامية، إلا بعد أن نرشُّها بعطر ناعم يُليِّنُ قلب المحبوبة و لو كان حجرا..!
يا أنا بأي الديباجات أبدأ الرسالة إليك و قد أشرفتُ فعلا على نهايتها، هل بالحمد لله الذي تليه الصلاة على نبينا محمد عليه السلام، و ذلكم لعمري أبلغ استهلال، و اُرْدِفُها بالعبارة الكلاسيكية الأثيرة (سبحان من جعل الأقلام تنوب عن الأقدام..)، أفضل أن أوجز كل هذه الحِلي البلاغية في جرَّة قلم أرجو أن لا ينكسر خاطرها في الطريق إليَّ و تفيض حروفا، عموما لقد لقننونا أن في التكرار فائدة و لكنني لا أرى فيه إلا الضجر، و مع ذلك اسمحوا لي أن أضجركم بأنْ أعاود كتابة الرسالة من جديد لنفسي طبعا و هي لا تعني أحدا :
العزيز محمد بشكار
تحية و سلاما
أما بعد الذي ليس لهُ قَبْلٌ إلا في ما تضمره النفوس و يَعْلمه الله..
أين غبتَ عن نفسك، لم أعد أراك إلا بعد ثلاثة أيام إن لم يكن أسبوعا حين تحلق ذقنك في المرآة، و لا أدري سببا لهذا الغياب علما أن بعض الشعراء يُحبون أنفسهم حبا جما، و لا يكُفون عن ملاقاة أنفسهم في منبر بالتلفزيون و الإذاعة و اليوتوب و الفايسبوق و الصحف، أين غيابك عني أخي أو بالأحرى أين غبت عن نفسك و أنت في كامل الوعي. أبعث لك هذه الرسالة لأني خشيتُ أن يكون قد أصابك لا قدَّر الله مكروه مما يصيب عباد الله في زمننا الأغبر من حيث لا يتوقعون ، فليتك تُطَمئِن نفْسَكَ على نفسكَ ببرقية تبعثها عاجلا و ليس آجلا، تماما كما يبعث الدماغ رسائله الضوئية لباقي أعضاء الجسم كي تقوم بوظيفتها الطبيعية. أعلم أخي أنكَ بحُكم وظيفتكَ الإعلامية و حتى الإنسانية، مشغول بهموم البلد الذي يتربص به المُتربِّصون من كل جانب و هم في غالبية أبواقهم التي تقطر بتقاريرها سُمّا أعداء و حدته الترابية، و لكنني أعلم أنك يا نفسي لا تحفل بالسياسة بعد أن أفرغوها من جوهرها الوطني كما تُفرغ الشاة من أحشائها بعد الذبح، وصارت مجرد لعبة لا يُتقنها إلا من يستطيع تعبئة فراغ العقول بأي كلام قد يقوله حتى المجنون، ليصرف الناس عن ما يهمهم إلى ما لا يعنيهم كي يستفرد بالغنيمة لمصلحته الخاصة. أو ربما تنزوي الآن في ركن بمقهى، تقتفي في الكلمة أثر قصيدة لا تريد أن تنتهي، دعك من الشعر و همومه وافتح عينيك على الماء العكِر، لا تستهنْ أبداً بما يضمره الماءُ العكِر من كنوز ثمينة، لا يمكن للإنسان إذا لم يكن إنسانا أن يغنمها دون أن يتخذ صغار المواطنين و هم في غالبيتهم من ذوي الحقوق المهضومة، إلى طُعم لاصطياد الصفقات الكبرى، و لا تَضع يدك على قلب الشاعر كما لو تسترد الأنفاس، وتأخذك رأفةٌ بالناس و أنت تنظر للماء العكِر يتغير لونه ألوانا ليصبح واديا للدماء..!
أخي بشكار أنتظر الجواب من نفسي في الحين، على نفس عنوان صندوق العبيد الذي تحفظ رقمه عن ظهر حرب و يعود للقرون الوسطى..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" لعدد يومه الخميس 9 مارس 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى