حسَن الرّحيبي - زمَن المنشَفَة والمحبرَة والمقلَمة le buvard /l’encrier /le plumier

توزّع الزّاهية المداد القادم من نيابة الدّار البيضاء قبل ظهور نيابة الجديدة عام 1966 بظهور العمالة أو إقليم الجديدة . كما تتسلّم الكومير وقد ظهرت عليه علامة التّعفّن والغمل المعروفة بالاخضرار يأتي بها كارّ ميگيل الإسبّاني الذي تحوّل لملكية مصطفى بلّحول .ورغم ذلك يتمنّى الجميع أن يسجّل بمطعم لاكانتين la cantine بل أوصت نعيمة اسماعيل وهو ذاهب للمدرسة في أول يوم للدّخول خلال صباح خريفي حزين وقد تساقطت أوراق الكروم وحبّات الصبّار الشوكي وهجرت الطّيور أوكارها نحو الشّمال : آسماعين جيب ليَ معاك الكومير ؟
أُههههّ الكوووووومير احنا دخلنا بعدا ؟
يكتب المعلّم عبد السّلام السّلّومي من واد زمّ والذي رغم كبَر سنّه يتعامل معنا كطفل يحكي لنا كل شيء ويكتب بخطّ جميل . يحكي لنا عن طائر حرّ أو صقر اصطاده أحد القنّاصين ووضعه بقفص صغير بقلب منزله القروي البعيد . ظلّ الطّائر حزيناً يرفض كلّما يقدّم له من أكل وشراب ، وفي اللّيل لما يأوي الجميع لفراشه ينخرط الطّائر بترديد شذو حزين يبكي كل من في المنزل :
بلادي ولو جارت عليّ عزيزةٌ
وقوْمي ولو ضنّوا عليّ كرامُ !
حزن كلّ من بالمنزل لحزن الطّائر سيّء الحظّ واشتياقه ولوعته الحارقة لبلده الجميل . وأخذ الأطفال يمتنعون بدورهم عن الأكل تضامناً مع الصّقر المُضرب عن الطّعام ، ليقرّر القنّاص إطلاق سراحه ومتابعته على خطىٰ فرَسه ليرى جمال وسحر البلاد التي أثارت شوق الصّقر الحكيم ..بعد مَسار طويل : تحليق وطيران وركض فرَس القنّاص …استقرّ الطّائر فوق صخرة على شاطيء بحر بعيد ، ما كاد يطوي جناحيْه حتى داهمته موْجة أفزعته ليحلّق كي تمرّ ويعود للجلوس ، ثم تتلاحق الأمواج يتلوها الطيران والعودة لرأس الصخرة باستمرار …لكن الصّقر لا يتعب من جرّء ذلك ، بل تبدو عليه علامات الإحساس بالحرّية والانشراح ..
راقب الرّجل المشهد الغريب لبعض الوقت ثمّ قفل راجعاً لمسكنه قاطعاً الوهاد والتّلال الوعرة ، دون أن يتوقّف لحظةً واحدة عن التفكير والتّأمّل في غرابة المشهد ، وعرفان الطّائر بجمال بلده وسحره الرّائع .. تأكدت منذ ذلك الوقت أي أواخر سنة 1962 أن رمزية القصة الجميلة يلمصها الموقف الديني الرائع : حب الأوطان من الإيمان..
التفت المعلم النشيط والمربي الحكيم الذي كان يعشق سنابل …الخضراء الساحرة كما يحب أوراق النعناع اليانعة التي يستعملها مع الشاي الصيني كدأب وطنيي ذلك الزمان الذين استهلكوا المنتوجات الوطنية وقاطعوا منتوجات فرنسا خاصة گارو كازا وفافوريت.. إذ هيأ لهم المرحوم عبد الرحيم بوعبيد كل وسائل الراحة بمغربة مكاتب الإمتاج والتصدير.. التفت ليخط أسئلة الامتحان الخاص بالدورة الأولى لتلك السنة الممطرة.. أخذت الريشات تتهاوى دامل المحابر الطافحة بالمدٍاد الأزرق الناصع.. كما أخذت تتساقط قطرات متلاحقة منها على كل ما خطته يميني عملاً بالمثال السّائر آنذاك والمتداوٍل بكثرة في وسطنا القروي البئيس : اللي حرثوا الجّمل دكّوا ! لم تنفع المنشفة المسكينة بشيء لأن الرّقع تجاوز الرّق والمخيط ..كما بلغ السّيل الزّبىٰ ، ودخلت في حالة ارتباك غير معهودة لأني استطعت ذات يوم أن ألخص للتلاميذ والمعلم مغزى قطعة : الله يرانا بلغة عربية فصيحة ونادرة تعجب منها الجميع.. ومع ذلك لم يتوان المعلم المحبوب الذي لما ذكرنا اسمه أمام المرحومة عايشة مرت بوعلام : سي السّلّومي ، ردّدت باستهزاء : سّي سَلّو منّي لينفجر الجميع ضاحكاً..
ضربني المعلم الحكيم بقوة حتى انفلق رأسي ليظهر جرح على جبيني ، وأرسلني لحانوت بوشعيب بلّهلالي كي يمدني بالماء لغسل الجرح بل اندهشت لما أخذ يصبّ على كفي برزانة وحماس هو الرجل الهرم والوقور الذي كنا نكن له كل احترام لجودة بضائعه خاصّة سكر النمر ودفاتر الأسد والطّباشير الأبيض الممتاز..

حسَن الرّحيبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى