فنون بصرية السي حاميد اليوسفي - فيلم العودة أو الحرب التي تسكن لا وعي الإنسان

كنت مدمنا ولا أزال على مشاهدة الأفلام السينمائية.. كنا نجد متعة ونحن أطفال في جمع القليل من النقود لشراء تذكرة الدخول إلى قاعة السينما. كان التلفاز مرتفع الثمن، ولا يدخل إلا بيوت الأثرياء.
استهوتنا الأفلام التاريخية المستمدة من الملاحم القديمة. كنا نموت تعلقا بالأبطال مفتولي العضلات، حتى أن البعض منا انخرط ضمن جمعيات تهتم برياضة حمل الأثقال، وكمال الأجسام التي تحولت إلى موضة في ذلك العصر..
ومع التقدم في السن، وتطور الوعي، ومراكمة ثقافة سينمائية لابأس بها عبر مشاهدة العديد من الأفلام النوعية الإيطالية والفرنسية والأمريكية والعربية، وبعد إغلاق العديد من دور السينما، أصبحت أسرق بعض الوقت لمشاهدة هذا النوع من الأفلام..
قبل يومين أو ثلاثة عثرت صدفة على صيد ثمين، تحفة سينمائية لم ينتبه إليها الكثير من رواد الفايسبوك..
لقد شاهدت من قبل فيلم طروادة أو (TROY) وهو فيلم امريكي من إخراج ولفجانج بيتيرسن ظهر سنة 2004.. وقد لعب فيه براد بيت في دور (اخيل) وايريك بانا دور (هكتور) وشون بين دور (بريام) وبيتر اوتول دور (اوديسيوس).. وقصة الفيلم مأخوذة من الاليادة، وقد حاز على 3 جوائز اوسكار..
وشاهدت قبله، وأنا في سن الشباب فيلم اوليسيس (Ulysses) من إخراج ماريو كاميريني وبطولة كيرك دوجلاس وسيلفانا مانجو وأنتوني كوين.. يحكي عن بطل ملحمة الأوديسة..
مع فيلم العودة يبدو الأمر مختلفا.. الفيلم جديد ، ظهر في الربع الأخير من سنة 2024، واعتمد مخرجه على تنوع المصادر أو المراجع.. فقد احتفظ بالأجزاء الأخيرة من الأوديسة مع العلم أن هذه الملحمة تتكون من 24 نشيدا.. واشتغل على قصيدتين الأولى للشاعر يانيس ريتسوس وقد ترجمها الشاعر العراقي سعدي يوسف بعنوان إيماءات. والقصيدة الثانية للشاعر قسطنطين كفافيس بيتر، ترجمها أيضا سعدي يوسف وهي بعنوان: إيثاكا. والشاعران معا من عمالقة الشعر اليوناني الحديث..
والمترجم سعدي يوسف شاعر متمرد عانى من برد سجون العراق، وقدفته مجانيق القمع منفيا خارج أرض الوطن حتى وافته المنية قبل ثلاث سنوات..
روعة الإخراج في الفيلم هي أن الكاميرا تنقل الصورة من الشعر إلى السينما في انسجام وتآلف يشدان المتلقي من بداية الفيلم إلى نهايته. وزاد من جاذبية الفيلم وجود ممثلين كبار مما جعل منه تحفة فنية رائعة..
الفيلم من إخراج أوبرتو باسوليني، وتمثيل رالف فاينس وجولييت بينوش.
يبدأ الفيلم بمشهد يصور المقطع الثاني من قصيدة ايماءات.. غيوم على الجبل.. صخور في الأسفل.. الطيور في الأعلى.. وجسد الملك (اوديسيوس) قدفه البحر عاريا على الشاطئ بعد غياب دام عشرين عاما.. عشر سنوات قضاها في حرب طروادة، وعشر أخرى قضاها بين أمواج البحار..
ظهور الفيلم تزامن مع حربين عبثيتين عرفهما العالم في السنوات الأخيرة ولازالت تداعياتهما تنعكس على الضمير الإنساني.. حرب أوكرانيا وحرب 07 أكتوبر 2023
لقد قاتل (اوديسيوس) وأصدقاؤه بوحشية، وأحرقوا البشر والحجر في طروادة. عشر سنوات من السفر عبر بحار العالم لم تستطع تطهيره من الجرائم الفظيعة التي عرفتها هذه الحرب.. فَقدَ ما كسبه من غنائم.. وفقدَ المحاربين من أبناء مملكته، وعاد متخفيا في ثياب شحاذ ليجد من تبقى من أصدقائه يسرقون ممتلكات شعبه، ويعربدون في قصره. يأسرون زوجته، ويتقدمون كل يوم لطلب يدها، ويهددون بقتل ابنها الأمير إذا لم تقم باختيار واحد منهم، بعد يقينهم بأن الملك مات، ولن يعود أبدا إلى أرض الوطن.. تلجأ إلى الحيلة.. تطلب الانتظار حتى تفرغ من نسج كفن جد الأمير.. تفكك في الليل ما تنسجه في النهار، وتنتظر في حالة من اليأس..
ومن المشاهد المؤثرة تلاطم الأمواج وانكسارها على الصخر.. وقوف بينيلوب في النافذة المطلة على البحر تنظر من أعلى.. تعرُّف كلب الصيد أرغوس على سيده وموته من شدة الفرح.. وشاعرية الحوارات التي دارت بين (اوديسيوس) وبين بينيلوب حول الحرب..
بعد يأس بينيلوب من عودة زوجها قدمت عرضا للخطاب.. جاءت بقوس (اوديسيوس) واشترطت على من سيفوز بها كزوجة ربط الوتر بالقوس.. عندما فشل الجميع تقدم (اوديسيوس).. عرفته من الندبة التي تعلو ركبته قبل أن ينجح في الاختبار..
لتطهير القصر، وحماية بينيلوب من خسة أصدقائه القدامى أقام مذبحة في الباحة.. أراد أن يتخلص وجدانه من الحرب، لكن الحرب ظلت تسكنه، وتفرض نفسها عليه..
الحرب هي الحرب.. لا تعبر إلا عن وحشية الإنسان.. تسكن لا وعي الإنسان.. يهرب منها، فتأتي إليه..


الهامش:
جزء من قصيدة إيماءات ليانيس ريتسوس ترجمة سعدي يوسف التي تتماهى صورها مع أحداث الفيلم:
يانيس ريتسوس – إيماءات –
ترجمة: سعدي يوسف

* شَيء لمْ يُنجز
غيوم على الجبل.‏
من الملوم؟ ما الملوم؟
صامتاً، متعباً، ينظر أمامه
يستدير، ينحني
الصخور في الأسفل،
والطيور في الأعلى
جرّة في النافذة
ونباتاتٌ شوكيةٌ في الوادي.‏
يداه في الجيب.
‏ذرائع، ذرائع. القصيدة تتأخر. فارغ.‏
الكلمة يدل عليها ما تخفي
* * * *
*يَأس بِينلوب
لم يكن السبب أنها لم تعرفه
في ضوء النهار الكابي،
وهو متنكرٌ بأسمالِ الشحاذِ.
‏لا…‏
كانت ثمة علائمٌ جليّهٌ:‏
الندبةُ على صابونة الركبة‏
الجسدُ المفتولُ‏
النظرةُ الماكرةُ‏
كانت خائفةً
تميل، لائذةً بالجدار.
‏لقد حاولتْ أن تجد لها عذراً ما
أن تجدَ تأخيراً تتفادى به الإجابةَ‏
كي لا تفضحَ أفكارها.‏
أمن أجله أضاعت عشرين عاما
منتظرةً
حالمةً؟
أمن أجل هذا الغريبِ الرثّ
الملطخِ دماً
‏المبيضّ اللحية؟‏
سقطتْ. فاقدةً الكلامَ على كرسي.‏
حدقتْ في العشاق المذبوحين على أرضية القاعة‏
كما لو كانت تحدّق في رغباتها الميتةِ.‏
وقالت: أهلاً…‏
كانت تحسّ بصوتها قادماً من البعيد
وكأنه صوتُ سواها.‏
النَّولُ في الزاوية‏
يُسقط ظلالاً على السقف، كالقفص.‏
والطيورُ التي نسجها بخيوطٍ حمرٍ برّاقةٍ
بين أوراقٍ خضرٍ،
استحالت، بغتةً، رماديةًو سوداءَ‏
تطيُر منخفضةً على السماءِ المسطحةِ لمحنتها النهائية.‏
* * * *
*إِهمَال
يقول: هكذا تألفُ كلَّ شيء.‏
حتى الشيُء الذي أدهشنا، يوماً‏
هو الآنَ مبتذلٌ بائخٌ.‏
ليست الأشياء، وحدها، التي تبهتُ‏
وإنما عيوننا تبهت أيضا-‏
إنها الآن تُشيحُ عن الزجاج الملون
‏عن الأضواءِ الاصطناعية الحادة-
‏إنها الآن تفضّلُ الممرّاتِ المعتّمَة
أو الأنفاقَ التي لا تتمايز-‏
إن تماثُلَها هو كالزمن.‏
وأنت لن تفاجأ إذا هطلَ المطرُ فجراً،
أو دقّت ساعة المدينةِ الثانيةَ عشرةَ ظهراً،
أو أن الساعاتِ التي تنتصبُ خارجةً، لا مباليةً،
وحيدةً، كشيفة في العراءِ- لا تبتلّ.
‏امرأةٌ مجهولةٌ تتجوّلُ حول المنزل،
شعثاءَ الشعرِ‏
ترتدي جواربَ نايلون مهملةً‏
تنحدر على سَاقيها.‏


* * * *
مراكش 24 فبراير 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى