معروف مطرب - بين الوفاء لرموز الفكر والنضال ... والاعتراف برجال التربية والعطاء

قبل أسبوع من الآن، تشرفت بتلقي دعوة كريمة لحضور ندوة ثقافية وفكرية متميزة احتضنتها الخزانة الوطنية للمملكة المغربية بالعاصمة الرباط مساء يوم السبت 13 يونيو 2026، خصصت لإحياء ذكرى أحد أبرز أعلام الفكر والصحافة والسياسة بالمغرب، المرحوم "محمد باهي حرمة"، ذلك الرجل الذي جمع بين الكلمة الحرة والموقف المسؤول، وبين الإبداع الفكري والالتزام الوطني، فاستحق أن يحتل مكانة مرموقة في سجل الشخصيات التي أسهمت في صناعة جزء مهم من الوعي الثقافي والسياسي المغربي المعاصر.
وقد أشرفت على تنظيم هذه التظاهرة الفكرية نخبة من السادة الأساتذة الجامعيين المرموقين، رجالا ونساء، ممن راكموا تجارب علمية وأكاديمية مشهودا لها بالتميز والعطاء، بمعية ثلة من خيرة الطلبة الباحثين الذين أبانوا عن كفاءات واعدة في مجالات البحث العلمي والدراسات الثقافية والإنسانية. وقد نجح هؤلاء جميعا في تحويل هذه المناسبة إلى فضاء معرفي راقٍ، استحضر مسار الفقيد وإسهاماته الفكرية والصحافية والسياسية، وفتح آفاقا جديدة للتفكير في قضايا الثقافة والهوية والذاكرة الوطنية.
ولم يكن حضور هذه الندوة مقتصرا على النخب الأكاديمية فحسب، بل ازدانت كذلك بمشاركة شخصيات دبلوماسية وإعلامية وفكرية وازنة، يتقدمها السيد المحترم سفير الجمهورية اليمنية الشقيقة، الذي عكس حضوره المكانة الرفيعة التي تحظى بها مثل هذه المبادرات الثقافية في ترسيخ جسور الحوار والتواصل بين الشعوب العربية.

1781438212542.png


كما شهدت الندوة حضور عدد من أعلام الإعلام والصحافة والفكر، وفي مقدمتهم الصحفي والإعلامي العربي الكبير طلحة جبريل، الذي ظل اسمه مقترنا لعقود طويلة بالمهنية الرفيعة والتحليل الرصين والقلم المسؤول، إلى جانب ثلة من الكتاب والمثقفين والإعلاميين الذين أثروا فقرات اللقاء بشهاداتهم ومداخلاتهم القيمة حول المسار الفكري والنضالي للراحل محمد باهي حرمة.
لقد كان المشهد داخل رحاب الخزانة الوطنية أشبه بملتقى للنخب الفكرية والثقافية والدبلوماسية والإعلامية المغربية والعربية، حيث اجتمعت شخصيات من مشارب متعددة حول هدف واحد، هو الوفاء لرجل من رجالات الفكر والقلم، واستحضار ما قدمه من خدمات جليلة للثقافة والإعلام والعمل الوطني.
وقد كان الفقيد محمد باهي حرمة، المغربي ذي الأصول الموريتانية، نموذجا للمثقف المناضل الذي جعل من الفكر رسالة ومن الصحافة مسؤولية ومن الوطنية التزاما يوميا. فمنذ استقراره بالمغرب سنة 1955، انخرط في مسار طويل من العطاء الفكري والسياسي والصحافي، راكم خلاله تجربة غنية تركت بصماتها الواضحة في المشهد الثقافي والإعلامي المغربي والعربي، وظل وفيا لقيم الحرية والكرامة والدفاع عن القضايا العادلة حتى آخر أيام حياته.
وقد لبيت هذه الدعوة بكل اعتزاز، منتقلا من مدينة القنيطرة إلى العاصمة الرباط عبر القطار، مصطحبا معي ابنتي الكاتبة هبة الله مطرب، إيمانا مني بأن الأجيال الصاعدة في أمس الحاجة إلى الاحتكاك بمثل هذه الفضاءات الفكرية والثقافية الراقية، وإلى التعرف على رموز الفكر والإبداع الذين صنعوا جزءا من تاريخ وطنهم، حتى تنمو في نفوسهم قيم المعرفة والبحث والاجتهاد والانفتاح.
غير أن ما منح هذه المناسبة بعدا إنسانيا خاصا بالنسبة إلي، هو لقائي العفوي بأحد رجالات التربية والتكوين الذين تركوا بصمات مضيئة في هذا القطاع الحيوي، ويتعلق الأمر بالسيد المحترم أحمد كيكيش، النائب الإقليمي السابق للمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالقنيطرة، الذي سبق أن جمعتني به محطات وطنية وتربوية واجتماعية متعددة.
وإنه لمن تمام الإنصاف والوفاء أن نستحضر بكل تقدير وامتنان ما قدمه هذا الرجل من خدمات جليلة للمنظومة التربوية، وما بذله من جهود متواصلة وتضحيات صادقة في سبيل خدمة المدرسة العمومية والارتقاء بالشأن التعليمي. فقد عرف عنه إخلاصه لرسالته التربوية، وغيرته الصادقة على مصلحة المتعلمين، وسعيه الدائم إلى توفير الظروف الملائمة للتعلم والتربية السليمة.
ولقد أتيحت لي فرصة الوقوف على جانب من هذه الجهود عن قرب، من خلال عدد من المبادرات المشتركة التي جمعت بين مختلف الفاعلين التربويين والأمنيين بمدينة القنيطرة، تحت إشراف السيد أحمد كيكيش، وبالتنسيق مع عدد من المسؤولين الأمنيين، حيث شكل ذلك التعاون نموذجا ناجحا للتكامل المؤسساتي في خدمة الناشئة وتعزيز الأمن المدرسي وترسيخ قيم المواطنة.
لقد كانت هذه الندوة أكثر من مجرد لقاء ثقافي عابر؛ فقد شكلت لحظة إنسانية وفكرية عميقة لاستحضار معاني الوفاء والعرفان والاعتراف بالجميل. فمن جهة، كانت مناسبة لتكريم أحد أعلام الفكر والصحافة والنضال الوطني، ومن جهة أخرى أتاحت فرصة للقاء رجال أفنوا أعمارهم في خدمة التربية والتكوين وبناء الإنسان.
وكما قال الأديب الفرنسي فيكتور هوغو: «تكمن عظمة الأمم في قدرتها على تكريم عظمائها»، وقال المفكر الإنجليزي فرانسيس بيكون: «المعرفة قوة»، وهي القوة التي آمن بها محمد باهي حرمة وجعلها منارة لمسيرته الفكرية. كما أن ما قدمه رجال التربية المخلصون أمثال أحمد كيكيش يجسد بصدق مقولة الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا: «التعليم هو أقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير العالم».
لقد غادرت الخزانة الوطنية وأنا أحمل انطباعا عميقا بأن الأمم الحية لا تبنى فقط بالمشاريع والمنجزات المادية، بل تبنى أيضا بحفظ ذاكرتها الجماعية، وتكريم رجالاتها ونسائها الذين خدموا أوطانهم بإخلاص، سواء كانوا مفكرين أو صحفيين أو دبلوماسيين أو أساتذة جامعيين أو رجال تربية وتعليم. فهؤلاء جميعا يشكلون الرأسمال الرمزي للأمة، والوفاء لهم ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو وفاء للمستقبل نفسه.
وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه المبادرات الثقافية الراقية التي تجمع بين الفكر والعلم والتاريخ، وبين الوفاء لرموز النضال والإبداع، والاعتراف برجال التربية والعطاء، حتى تظل قيم المعرفة والوفاء والعرفان حية في وجدان الأجيال الصاعدة، وتبقى ذاكرة الوطن عامرة بأسماء الذين خدموه بصدق وإخلاص ونكران ذات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى