محمد بشكار - مع سي محمد بوستة كُن قلماً و اذبحني..!

من قال إن سي محمد بوستة قد غيَّبه الموت عن دنيانا و هو الحاضر دائما و أبدا في ذاكرة التاريخ الذي سطَّره رجالاتٌ أفذاذٌ بمواقف ثابتة ليس في جذورها رِعْديدٌ تهُزُّه ريحٌ أو يجرفه من طمع الدنيا وجشعها حفنة من مال أو تراب يسجله باسمه ليصبح وقفا في عقار أو رصيد جامد لا يفيد به نفسه و لا يفيد العباد..؟
التقيت بوستة رحمه الله مرة واحدة في بدايات تسعينيات القرن الماضي حين كان لا يزال أمينا عاما لحزب الإستقلال، و كنت لمّا أزل في ريعان القصيدة و نعومة أظافر القلم، نحيلا لا أملك من الجسد إلا الروح و عنفوان الطموح حين دلفتُ إلى صرحٍ اسمه جريدة "العلم"، لا شفيع لي كي أصير صحافيا إلا قلمي كي أحظى باعتراف و موافقة الأديبين المغربيين الكبيرين، عبد الجبار السحيمي رحمه الله، و عبد الكريم غلاب متعه الله بالصحة و أمد في عمره. يا لهذا العمر كيف يتسلل كالماء من بين أصابعنا دون أن نروي ظمأنا من الحياة؛ هل حقا انصرمت اثنتا و عشرون سنة على تاريخ انضمامي إلى فيلق المكافحين بجريدة العلم عام 1994، فمنهم من قضى نحبه و منهم من تقاعد و منهم من لا يزال إلى اليوم متمترسا في الخندق، و لعمري لا يضاهي شيء في النضال، قلما ينطق من ضمير حر و يتقيد بالمصلحة العامة للبلد، أو حتى بحلم لا يجد له تفسيرا عند ابن سيرين ؛ هل حقا انصرمت اثنتا وعشرون سنة في الصحافة التي لو جعلت كل ما كتبتهُ في حضرتها متصلا في سطر واحد لامتد على طول مساحة المغرب و عرضها أيضا من طنجة إلى الكويرة؛ حقا لقد كتبتُ أو هطلتُ غزيرا على هذه الأرض و ما زلت أنتظر مع من ينتظرون دون أن يصرفهم يأسٌ أو يفقدوا الأمل في غد لن يطلع بدون شمس، أن يجني أبناء البلد الثمار و تعم الثروات المحتكرة إما عجينا أو فسادا في البطون، كل الشعب الذي ما زال في نقاء سريرته تجد بين مواطنيه من يرقص فرحا بعشرة دراهم في الجيب جناه بعرق الجبين..!
كنت أكتب و أكتب و أكتب و لا أفعل شيئا غير الكتابة في البيت في المقهى بالجريدة بمقرها القديم بشارع علال بن عبد الله، و كنت دائما في صف المعارضة مع جند الخفاء بجانب رجال يهدُّون الجبال و ليسوا من زبدٍ يركبون الموجة بما ملكوا من أفواه واسعة ليس في قولها أي فعل، ثم يمضون جُفاءً؛ لم أكُن أرى سي محمد بوستة رحمه الله، و لكنه كان يطبع على قلبي كما لو بخاتمٍ من نار، و أنا أسمع عن مواقفه التي قالت بكل ما أوتيت من رباطة جأش و حكمة و تبصر(لا) في أكثر من رفض، فأيقنتُ مع التجربة التي تحُكُّنا أو تدقُّنا كالكامون على حجر الأيام عسى نعطي الرائحة، أن الرجل لم يكن يقول (لا) مجانا أو لمجرد لعب سياسي كي يكسب مصلحةً شخصية بورقته الرابحة أو الخاسرة سيان ما دامت ستشغل عقول الناس عن مصلحتهم العامة، بل كان يُسجل مواقف الرفض وعينه تنظر بوطنيةٍ أصيلة للمستقبل تروم إعادة بناء الصرح السياسي للمغرب بما يتواكب مع تطور الديموقراطيات في العالم، وكانت أشهر مواقفه الرافضة التي جعلت حزب الإستقلال و معه أقلامنا السليطة يتبوأ ذروة البركان في المعارضة، حين رفض سي محمد بوستة قيادة حكومةٍ وزيرُ داخليتها هو الراحل إدريس البصري. لم أفهم شيئا أنا المشغول بالدنيا في مقتبل العمر، كيف لرجل يرفض وزارة قُدمت له مرتين على طبق من ذهب، كيف تدله حكمته البعيدة النظر فيفطن أن الطبق من لهب سيحرقه سياسيا و يحرق معه الحزب وحتى أقلامنا و كان في طليعتها قلما عبد الجبار السحيمي في عموده اللاذع "بخط اليد" و عبد الكريم غلاب في عموده اليومي "مع الشعب" بالصفحة الأولى لجريدة العلم. أما أنا الفقير إلى الله فلم أكن أكتب إلا كلاما أقل..!
التقيت بسي محمد بوستة مرة واحدة، حين أوْلَم الأديبُ الراحل عبد الجبار السحيمي ببيته على شرفه عشاءً كي يتعرف على صحافيي الجريدة شخصا بشخص، و كانت ليلة لا تُنسى بَعَثَتْ بحميميتها الدفءَ في أوصالنا، كان الموقف جَلَلاً في حضرة زعيم سياسي من عيار محمد بوستة، و قد قدَّمَنا المرحوم عبد الجبار السحيمي اسما اسما و حين وصل لشخصي الهزيل، قال له إذا لم تخني الذاكرة ( محمد بشكار، صاحب القصيدة التي حدثتني عنها و عنوانها "الحلاج")، و يعني قصيدة موجودة في ديواني الأول "ملائكة في مصحات الجحيم"، كنت نشرتها في الصفحة الأخيرة للعلم تحت إشراف الراحل الأديب والمعتقل السياسي السابق عبد الفتاح فاكهاني؛ نظر إليَّ سي محمد بوستة طيب الله ثراه بعين نافذة و قال متبسِّما و كأنه يهمس في نفسه؛ هل هذا الولد الصغير هو من كتب تلك القصيدة المُستفزة:(ظْرْيَّفْ) و هي تؤدي نفس المعنى باللغة العربية أي(ظَرِيفْ).
كنا نكتب من داخل الجريدة دون أن نعي ما قد يترتَّبُ عمَّا كتبنا خارج الجريدة. نكتب و نكتب ونكتب فقط دون أن نعلم أن جرَّة قلم واحدة قد تجُر علينا ما لا حصر له من المتاعب التي ترهقنا من طرف أناس يقرأون أبعد من السطور، فتأتينا النار و لا نعرف من أين تأتي؛ لكن مع سي محمد بوستة بِسَدِّ حكمته المنيع: كُنْ قلما ثابتا بالمواقف الثابتة و اذبحني..!


(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 23 فبراير 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى