محمد بشكار - دون زيادة أو شيطان..!

هل نعني ما نقول حين نفتح أفواهنا بكلام نُطلقه على عواهنه كيفما اتفق أو لم يتفق، أم نخفي خلف قناع قولنا نيَّة ليست في حقيقة سُمها إلا حيَّة مُبيَّتة تلدغ بمعاني أخرى تسري زُعافا في أنفسنا الأمَّارة بالسوء؛ نقول لفُلان الشاعر الكبير و نحن على يقين أنه كبير في السن فقط ولا يشعر، أما الشِّعر فقد يوضع كبيرا في أصغر خلقه عمرا، وأن الكثيرين ممن يحملون ألقاب الشعراء الكبار في الوطن العربي، لا يكتبون من الشعر ليلا أو في أي وقت، إلا ما سيمحوه النهار إذا بزغت شمسُ الحقيقة بالنقد الصريح ذات تاريخ لا ينظر للأشياء إلا من أعين الغربال..!
نقول لعلان المفكر العظيم و هو لا يفكر إلا في نفسه حين يبيع قسرا للطلبة الفقراء إلى الله الكتب التي أصدرها كي يتخذوها مراجع لبحوثهم، فمن كان في ذيل بحثه اسم و كتاب أستاذه المفكر العظيم يُعز في الإمتحان و من لم يكن يُهان، عِلماً أنه لن يتبقى له من توصيف العظيم حين يتوكل سوى عِظام مبعثرة في القبر ليصبح في الذاكرة الإنسانية نسيا منسيا، لا يشفع له كتاب اتخذه تجارة ليبتزَّ طلبته ولو حمله بيمينه..!
و نقول لآخر يحمل شهادة الدال خلف اسمه، مربي الأجيال بينما لم يقرأ من الكتب إلا أهوال القبور و الروض العاطر في نزهة الخاطر، دون أن يقدم طيلة مساره التعليمي، درسا واحدا في الحياة ينشئ جيلا قويا في نفسيته لا يعتريه كبتٌ أو خوف من المستقبل كأنه يعيش أبدا..!
تعبنا من الألقاب التي نُوزعها زائفةً على من لا يستحق بالسهولة التي نوزع بها كؤوس الشاي، لنبني بذلك مجتمعا يستند في انتفاخه بالهواء على فراغ، بينما الكثير من الكفاءات التي تشتغل في صمت و لا أحد يعترف بمنجزها العلمي و الفكري، لا يتذكرها أحدٌ باعتراف أو بكلمة طيبة ولو من باب أو نافذة المجاملة..!
تعبنا من هذه التداولية الألسنية للكذب على بعضنا البعض فما عدنا نعرف بين المعادن البشر الحقيقي من المغشوش، حين يريدون أن يصنعوا كاتبا كبيرا يعلنون ببعض الصحف على اسمه المصحوب بالصورة في الصفحة الأولى إلى جانب إعلان عن شقة مفروشة للبيع، فلا نعرف ماذا نشتري هل الكاتب المأجور أم الشقة..!
و حين يريدون فبْركة سياسي ليتسلَّم في ما يأتي من الأيام اللجام لتدبير شؤوننا رغم أننا لا نصلح مطيَّةً لأحد بسبب ظهورنا العجفاء، فإنك إذا كنت مصابا بلعنة التلفزيون، ستفطر و تتغذى و تتعشى على وجهه و لو كان يسُد الشهية، لا بد أن يصبح زعيما في أعين الجميع، لذلك لا يفتأون وهم يُسلِّطوه علينا من كل المنافذ، يُسلِّطون عليه من الأضواء أسطعها و لو أتوا بطاقتها الثمينة من الشمس حتى يُحرقوه، و ينتقلوا لصناعة كذبة سياسية جديدة..!
تعبنا من الرجال أنصاف الرجال الدُّمى المتحركة بخيوط من فوق الجثث أو أكياس الخيش بربطات العنق، المنفوخة في أحشائها بالتبن و التي لا يغنينا مظهرها الخادع من جوع و لو كنا في الإسطبل بهائم لا ترى بروؤسها المدفونة أبعد من العلَّافة..!
تعبنا وطفح الكيل ونَاءَ كاهِلُ تفكيرنا بأكذوبة هذا الإرث الثقيل المخزون في الكتب الصفراء، حيث ننادي الفرد بصيغة الجمع ولم يبق إلا أن ننادي الأنثى بصيغة الذكر لتعُمَّ الفحولة بمنافعها الجميع، وقد نُسهب في النداء على شخص بكل ما لا يتصف به من أوصاف.. فنقول وكأننا نغني كامل الأوصاف ياعيني؛ العالم العلامة المحقق والجهبذ المدقق و الحبر البحر الفهَّامة وحيد الزمان وفريد العصر والأوان الشيخ مولاي و سيدي إلى آخر الإسم الذي نعلم أنه لن ينتهي حتى لو سافرنا للثلث الخالي ذهابا وإيابا بالطائرة التي سيطير معها عقلنا طبعا..!
هي أسماء سمَّيتموها فصنعتم بالإشهار المتلاعب بالعقول، أنصاف آلهة أسطورية كادت بألقابها وأوصافها التي لا تزيد بطولها قامة أحد، أن تستعبد الناس و تفرض عليهم عن جهالة أو علم قيود الولاء و الطاعة، بالله عليك يا من يناديني: نادِني باسمي فقط دون زيادة أو شيطان، فأنا لست وحيد قرنه في حديقة الحيوان..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" لعدد يومه الخميس 20 أبريل 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى