من المعروف أن مفهوم الأدب القومي يُقصد به عادة الأدب، الذي يحمل هوية خاصة لجماعة بشرية محددة، شعب أو أمة أو إثنية، وتبرز تلك الهوية من خلال استخدام لغة واحدة؛ للتعبير عن خصائص تلك الجماعة وحياتها وتراثها، ولتجسيد روحها الوطنية.
لعلنا من خلال هذا التعريف نخلص إلى أن الأدب القومي ينطوي على عنصرين أساسيين: اللغة التي يستخدمها، والموضوع الذي يتناوله، الذي يكون نابعًا من البيئة التي ظهر فيها، وبهذين العنصرين يكون الأدب قوميًا يعبر عن هموم القوم وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم، وقيمهم، وتاريخهم، ومستقبلهم.
على ضوء هذين العنصرين: اللغة والموضوع فلا نعد ما كتبه الأدباء العرب بلغة أجنبية عن البيئة العربية وقضاياها من الأدب القومي العربي، وكذلك لا نعد ما كتبه المستشرقون بلغة عربية أنه أدب عربي، إنه أدب أجنبي يقدم برؤية أجنبية إلى الواقع العربي وقضاياه.
ظهر التيار القومي في الأدب عند الرومان في القرن الثالث قبل الميلاد مع الفيلسوف ماركوس بورسيوس كاتو حين دعا الكتاب الرومانيين إلى نبذ التقليد، والتخلي عن الاتجاهات الإغريقية.
وفي أواخر القرن الثامن عشر تحول المفهوم إلى حركة أدبية شاملة، أكدت الخصائص القومية للشعوب الأوروبية، كما تجلى بصورة بارزة عند النقاد والأدباء الألمان، مثل غوتهولد ليسينغ، وفريديريك شيللر.
نستطيع معاينة الأدب القومي عند العرب في العصور السابقة قبل ظهور مصطلح الأدب القومي؛ وكانت البداية في العصر الجاهلي بعد معركة ذي قار 609م التي اجتمعت فيها القبائل العربية تحت قيادة حنظلة بن سيار رئيس بكر بن وائل، وواجهوا الفرس، وانتصروا عليهم، وقتلوا قائدهم الهامرز. وقيل في هذه المعركة شعر كثير معبرًا عن الفخر بنصر العرب على العجم، والاعتزاز بما يمكن أن نطلق عليه القومية العربية. من ذلك الشعر قصيدة الأعشى الملقب صناجة العرب التي يقول فيها:
وَجُندُ كِسرى غَداةَ الحِنوِ صَبَّحَهُم مِنّا كَتائِبُ تُزجي المَوتَ فَاِنصَرَفوا
جَحاجِحٌ وَبَنو مُلكٍ غَطارِفَةٌ مِنَ الأَعاجِمِ في آذانِها النُطَفُ
إِذا أَمالوا إِلى النُشّابِ أَيدِيَهُم مِلنا بِبيضٍ فَظَلَّ الهامُ يُختَطَفُ
وَخَيلُ بَكرٍ فَما تَنفَكُّ تَطحَنُهُم حَتّى تَوَلّوا وَكادَ اليَومُ يَنتَصِفُ
لَو أَنَّ كُلَّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنا في يَومِ ذي قارَ ما أَخطاهُمُ الشَرَفُ
ففي هذه الأبيات يصور الأعشى قومه بأنهم صبحوا الفرس في موقع الحنو(ذي قار) بكتائب قوية. ويصور الفرس بأنهم ذوو وجوه جميلة، وأنهم سادة من نسل الملوك والأشراف، يزينون آذانهم باللؤلؤ، كناية عن الترف والغنى، وهم يقاتلون بالسهام لكن العرب خطفوا رؤوسهم بالسيوف، كما طحنـتهم قبيلة بكر بخيلها. وفي البيت الأخير يتمنى الشاعر لو أن القبائل كلها وقفت تقاتل الأعداء لكان شرفًا لها.
وتجلى الأدب القومي عند العرب، بعد ظهور مفهوم الأدب القومي والقومية، في مواجهة الاحتلال التركي؛ فرأينا إبراهيم اليازجي1847) - 1906) يحذر العرب من الخنوع إلى الحكم التركي في قصيدته التي مطلعها:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
وبعد أن يذكرهم بماضيهم التليد يقول:
أقدراكم في عيون الترك نازلة وحقكم بين أيدي الترك مغتصب
فليس يدري لكم شأن ولا شرف ولا وجود ولا اسم ولا لقب
فيا لقومي وما قومي سوى عرب ولن يضيع فيهم ذلك النسب
وفي عشرينيات القرن الماضي انزوى الأدب القومي العربي في البلاد العربية وانحصر موضوعه عما يجري في كل بلد على حدة، وصار يعبر عنه بالأدب الوطني؛ ففي مصر، على سبيل المثال، نجد في أعمال محمد حسين هيكل، وكثير من الكتاب أمثال حافظ إبراهيم، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم وغيرهم أن مفهوم الأدب القومي يتجه إلى تأكيد الهوية الوطنية المصرية في مقاومة المستعمر البريطاني، والسعي نحو الاستقلال التام عنه.
ضمن هذا التوجه الوطني الضيق غاب الأدب القومي العربي، وحل محله أدب الوطنيات العربية في كل البلاد العربية، مع استثناءات قليلة، فقد ظهرت أعمال أدبية ذات خصائص قومية، مثل بعض قصائد الجواهري وأمل دنقل ومظفر النواب وفاروق جويدة وغيرهم. لقد حملت بعض أشعارهم الهم القومي العربي، وتمحورت تلك الأشعار حول القضية الفلسطينية، وما تتعرض له المقدسات ولأراضي الفلسطينية من اعتداءات من قبل الصهاينة، وآخرها الحرب على غزة ومحاولة تهجير أهلها. إنها هبات أدبية قومية منفردة محكومة بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة.
إن ما يعيق وجود الأدب القومي عند العرب هو انقسامهم إلى دويلات ضمن الجامعة العربية التي كونتها بريطانيا عام 1945 كي تنوب عن الوحدة العربية، يضاف إلى ذلك التطورات التي أعقبت ظهور التكنولوجيا الرقمية ووسائل الاتصالات الحديثة؛ مما جعل العالم قرية صغيرة وأضعف الفكر القومي في العالم كله، وصار لكل بلد عربي أدب يحمل اسمه، ليصبح الحديث مستساغًا عن أدب قومي مصري وأدب قومي سوري وقومي لبناني حتى إن بعض المفكرين والأدباء طرحوا فكرة العودة إلى التاريخ القديم ليكون لديهم الأدب الفرعوني و الفينيقي والكنعاني، وغير ذلك من تسميات وتوجهات وسياسيات تنفي وجود أدب قومي عند العرب في هذا العصر.
لعلنا من خلال هذا التعريف نخلص إلى أن الأدب القومي ينطوي على عنصرين أساسيين: اللغة التي يستخدمها، والموضوع الذي يتناوله، الذي يكون نابعًا من البيئة التي ظهر فيها، وبهذين العنصرين يكون الأدب قوميًا يعبر عن هموم القوم وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم، وقيمهم، وتاريخهم، ومستقبلهم.
على ضوء هذين العنصرين: اللغة والموضوع فلا نعد ما كتبه الأدباء العرب بلغة أجنبية عن البيئة العربية وقضاياها من الأدب القومي العربي، وكذلك لا نعد ما كتبه المستشرقون بلغة عربية أنه أدب عربي، إنه أدب أجنبي يقدم برؤية أجنبية إلى الواقع العربي وقضاياه.
ظهر التيار القومي في الأدب عند الرومان في القرن الثالث قبل الميلاد مع الفيلسوف ماركوس بورسيوس كاتو حين دعا الكتاب الرومانيين إلى نبذ التقليد، والتخلي عن الاتجاهات الإغريقية.
وفي أواخر القرن الثامن عشر تحول المفهوم إلى حركة أدبية شاملة، أكدت الخصائص القومية للشعوب الأوروبية، كما تجلى بصورة بارزة عند النقاد والأدباء الألمان، مثل غوتهولد ليسينغ، وفريديريك شيللر.
نستطيع معاينة الأدب القومي عند العرب في العصور السابقة قبل ظهور مصطلح الأدب القومي؛ وكانت البداية في العصر الجاهلي بعد معركة ذي قار 609م التي اجتمعت فيها القبائل العربية تحت قيادة حنظلة بن سيار رئيس بكر بن وائل، وواجهوا الفرس، وانتصروا عليهم، وقتلوا قائدهم الهامرز. وقيل في هذه المعركة شعر كثير معبرًا عن الفخر بنصر العرب على العجم، والاعتزاز بما يمكن أن نطلق عليه القومية العربية. من ذلك الشعر قصيدة الأعشى الملقب صناجة العرب التي يقول فيها:
وَجُندُ كِسرى غَداةَ الحِنوِ صَبَّحَهُم مِنّا كَتائِبُ تُزجي المَوتَ فَاِنصَرَفوا
جَحاجِحٌ وَبَنو مُلكٍ غَطارِفَةٌ مِنَ الأَعاجِمِ في آذانِها النُطَفُ
إِذا أَمالوا إِلى النُشّابِ أَيدِيَهُم مِلنا بِبيضٍ فَظَلَّ الهامُ يُختَطَفُ
وَخَيلُ بَكرٍ فَما تَنفَكُّ تَطحَنُهُم حَتّى تَوَلّوا وَكادَ اليَومُ يَنتَصِفُ
لَو أَنَّ كُلَّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنا في يَومِ ذي قارَ ما أَخطاهُمُ الشَرَفُ
ففي هذه الأبيات يصور الأعشى قومه بأنهم صبحوا الفرس في موقع الحنو(ذي قار) بكتائب قوية. ويصور الفرس بأنهم ذوو وجوه جميلة، وأنهم سادة من نسل الملوك والأشراف، يزينون آذانهم باللؤلؤ، كناية عن الترف والغنى، وهم يقاتلون بالسهام لكن العرب خطفوا رؤوسهم بالسيوف، كما طحنـتهم قبيلة بكر بخيلها. وفي البيت الأخير يتمنى الشاعر لو أن القبائل كلها وقفت تقاتل الأعداء لكان شرفًا لها.
وتجلى الأدب القومي عند العرب، بعد ظهور مفهوم الأدب القومي والقومية، في مواجهة الاحتلال التركي؛ فرأينا إبراهيم اليازجي1847) - 1906) يحذر العرب من الخنوع إلى الحكم التركي في قصيدته التي مطلعها:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
وبعد أن يذكرهم بماضيهم التليد يقول:
أقدراكم في عيون الترك نازلة وحقكم بين أيدي الترك مغتصب
فليس يدري لكم شأن ولا شرف ولا وجود ولا اسم ولا لقب
فيا لقومي وما قومي سوى عرب ولن يضيع فيهم ذلك النسب
وفي عشرينيات القرن الماضي انزوى الأدب القومي العربي في البلاد العربية وانحصر موضوعه عما يجري في كل بلد على حدة، وصار يعبر عنه بالأدب الوطني؛ ففي مصر، على سبيل المثال، نجد في أعمال محمد حسين هيكل، وكثير من الكتاب أمثال حافظ إبراهيم، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم وغيرهم أن مفهوم الأدب القومي يتجه إلى تأكيد الهوية الوطنية المصرية في مقاومة المستعمر البريطاني، والسعي نحو الاستقلال التام عنه.
ضمن هذا التوجه الوطني الضيق غاب الأدب القومي العربي، وحل محله أدب الوطنيات العربية في كل البلاد العربية، مع استثناءات قليلة، فقد ظهرت أعمال أدبية ذات خصائص قومية، مثل بعض قصائد الجواهري وأمل دنقل ومظفر النواب وفاروق جويدة وغيرهم. لقد حملت بعض أشعارهم الهم القومي العربي، وتمحورت تلك الأشعار حول القضية الفلسطينية، وما تتعرض له المقدسات ولأراضي الفلسطينية من اعتداءات من قبل الصهاينة، وآخرها الحرب على غزة ومحاولة تهجير أهلها. إنها هبات أدبية قومية منفردة محكومة بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة.
إن ما يعيق وجود الأدب القومي عند العرب هو انقسامهم إلى دويلات ضمن الجامعة العربية التي كونتها بريطانيا عام 1945 كي تنوب عن الوحدة العربية، يضاف إلى ذلك التطورات التي أعقبت ظهور التكنولوجيا الرقمية ووسائل الاتصالات الحديثة؛ مما جعل العالم قرية صغيرة وأضعف الفكر القومي في العالم كله، وصار لكل بلد عربي أدب يحمل اسمه، ليصبح الحديث مستساغًا عن أدب قومي مصري وأدب قومي سوري وقومي لبناني حتى إن بعض المفكرين والأدباء طرحوا فكرة العودة إلى التاريخ القديم ليكون لديهم الأدب الفرعوني و الفينيقي والكنعاني، وغير ذلك من تسميات وتوجهات وسياسيات تنفي وجود أدب قومي عند العرب في هذا العصر.