عبارة "مَن يشاء" وارِدةٌ في الكثير من آيات القرآن الكريم. أما معنى "مَن يشاء"، فالمقصودَ منه يتغيَّر حسب السياق الذي جاء فيه هذا الفعل في الآية القرآنية. وبصفة عامة وحسب القواميس والمعاجم العربية، فعل "شاء" مقترن بالإرادة. وحسب سياق الآية، هذه الإرادة يمكن أن تكونَ إلهية ويمكن أن تكونَ بشريةً.
فحينما تكون هذه الإرادة إلهية، نقول، مثلاً، "إن شاء اللهُ"، أي إذا أراد الله. وهنا، تحضرني عبارةٌ كثيراً ما نردِّدها في أحاديثنا اليومية وهي : "إلاَ بْقَينَا حَيِّينْ" التي ننطق بها عندما نريد أو نتمنَّى أن نفعلَ شيئاً في الآتي من الزمان. والمقصود منها هو "إن أراد الله أن يُبقِينا أحياءً حينما يحلُّ الوقتُ لفعلِ ذلك الشيء.
كما تكون الإرادةُ إلهيةً عندما نقول "ما شاء الله" و"ما شاء الله!". الأولى تعني ما أراده الله، والثانية نستعملُها عندما نكون أمام أشياء تثير إعجابَنا أو تعجُّبَنا روعةً أو استحساناً أو غرابةً.
أما عندما نقول "فلانٌ شاءَ الأمرَ"، فالمقصود هو أنه أراده ورغب فيه وأحبَّه وسعى إليه.
والإرادة الإلهية والإرادة البشرية، كِلاهما، واردتان في القرآن الكريم. فحينما يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 93 من سورة النحل : "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ".
في هذه الآية، جَمَعَ اللهُ، سبحانه وتعالى، يبن الإرادتين، الإلهية والبشرية. فحين يقول، عزَّ وجلَّ : "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً…"، أي لو أراد اللهُ لجعلَ جميعَ الناس يدينون بالدين الواحد الوارد في القرآن الكريم. الإرادة، هنا، إرادة إلهية، أي هو القادر على جعلِ جميع الناس يؤمنون به وبوجودِه وبوحدانيته وبرسالاتِه المنزَّلة على أنبيائه ورسله، أي أن الناسَ كلَّهم سواسية من حيث الدين والعقيدة.
وحين يقول، سبحانه وتعالى : "...وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ…"، فأول ما يتبادر للذِّهن، هو أنه، عزَّ وجلَّ، هو الذي يشاءُ أو هو الذي يريد. السؤال المتعقِّل الذي يجب أن يطرحَه على نفسِه المتدبِّر لآيات القرآن الكريم، هو : "فكيف لله أن يُضلَّ الناسَ، يإرادته، ويُحاسِبُهم يوم القيامة؟" إذن الله ظالمٌ العبادَ وحاشا أن يكون ظالما.
جواباً على هذا السؤال، أقول إن الفاعلَ، نَحوِياً، ليس الله. بل الفاعلُ هو اسمُ "مَنْ". و"مَنْ"، في هذه الآية، جاءت في محلِّ الناس أو البشر. والناسُ هم الفاعل هنا، أي الناس هم الذين يشاؤون. وبعبارة أوضح، اللهُ، سبحانه وتعالى، يهدي الناسَ الذين يظهرون علامات الإيمان والهِداية، ويُضِلُّ الناسَ الذين يُظهرون علامات الضلال. بمعنى أن الناسَ هم مَن يختار الهدايةَ أو الضلال.
وهذا دليلٌ قاطعٌ على أن اللهَ خلق بني آدمَ ومنحَهم حريةَ اختيار الهداية أو الضلال. وهذا الاختيار يتماشى، جملةً وتفصيلاً، حين قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 256 من سورة البقرة : "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…". وقد أقول "اللهُ، سبحانه وتعالى، يوضِّح ويبيِّن للناس ما لهم فيه خيرٌ وما لهم فيه شر، وترك لهم حريةَ الاختيار. وإلا سيكونُ مَنحُ العقلِ لبني آدمَ بدون غاية، أو سيكون مَنحاً عبثِياً أو جاء هذا المنحُ بالصدفة.
وحين يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 129 من سورة آل عِمران : "وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، أول ما يتبادر للذهن، هو أن الله، سبحانه وتعالى، هو الذي يختار مَن سيشملُه بمغفرتِه، وكذلك، هو مَن سيختار مَن سيشملُهم بعذابُه. فكيف لله أن يختارَ، بإرادتِه، ناساً من دون جميع الناس، ليشملَهم بمغفرتِه أو يُسلِّط عليهم العذاب؟
والحقيقة أن مغفرةَ الله تشمل مَن يستحقُّ المغفرةَ أو مَن أبدى من العلامات ما يجعل الله يقبل استغفارَه ليشمله بمغفرتِه. كما أن عذابَ اللهِ يشمل مَن يستحق العذابَ أو مَن سعى بنفسِه إلى ارتكاب الذنوب والخوض في الفواحش. والله، سبحانه وتعالى، يقول : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (يونس، 44).
وهنا، أطرحُ السؤالَ التَّالي على نفسي : لماذا أخترتُ لهذه المقالة عنوانَ عنوانَ "يهدي مَن يشاء ويُضِلط مَن يشاء"؟
اخترتُه لأن كثيراً من الناس يعتقدون اعتقاداً راسِخا أنهم إذا كانوا "ضالين" أو "مَهديين"، فتلك مشيئة الله أو إرادتُه. بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو الذي أراد أن يكونوا "ضالين" أو "مَهديين".
فكيف لله، سبحانه وتعالى، الذي، عندما نقرأ قرآنه الكريم، من أول سورة إلى آخر سورة، يريد الخير لعباده، أن يكونَ إلَهاً ظالِما وحاشا أن يكون ظالِماً؟
كل ما في الأمر أن هناك فرقاً شاسعا بين قراءة القرآن وبين تدبُّر آياتِه. قراءة القرآن هي تِلاوتُه سرا أو جهرا، لكن بدون فهم أو إدراك ما المقصود من آياته ومن كلماته. أما تدبُّر آيات القرآن الكريم، فتتطلَّب تشغيل العقل والوقوف عند كلماته لاستنباط ما يريد، سبحانه وتعالى، أن يُوصِلَه للناس من معاني وحِكَمٍ، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (هود، 1) أو مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (الأعراف، 204). في هذه الآية الكريمة، الإنصات جاء بعد الاستماع. وهذا دليلٌ على أن الاستماعَ ليس استماعاً عادياً، أي استماعٌ فيه شيءٌ من التَّروِّي والتَّفكُّر.
فحينما تكون هذه الإرادة إلهية، نقول، مثلاً، "إن شاء اللهُ"، أي إذا أراد الله. وهنا، تحضرني عبارةٌ كثيراً ما نردِّدها في أحاديثنا اليومية وهي : "إلاَ بْقَينَا حَيِّينْ" التي ننطق بها عندما نريد أو نتمنَّى أن نفعلَ شيئاً في الآتي من الزمان. والمقصود منها هو "إن أراد الله أن يُبقِينا أحياءً حينما يحلُّ الوقتُ لفعلِ ذلك الشيء.
كما تكون الإرادةُ إلهيةً عندما نقول "ما شاء الله" و"ما شاء الله!". الأولى تعني ما أراده الله، والثانية نستعملُها عندما نكون أمام أشياء تثير إعجابَنا أو تعجُّبَنا روعةً أو استحساناً أو غرابةً.
أما عندما نقول "فلانٌ شاءَ الأمرَ"، فالمقصود هو أنه أراده ورغب فيه وأحبَّه وسعى إليه.
والإرادة الإلهية والإرادة البشرية، كِلاهما، واردتان في القرآن الكريم. فحينما يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 93 من سورة النحل : "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ".
في هذه الآية، جَمَعَ اللهُ، سبحانه وتعالى، يبن الإرادتين، الإلهية والبشرية. فحين يقول، عزَّ وجلَّ : "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً…"، أي لو أراد اللهُ لجعلَ جميعَ الناس يدينون بالدين الواحد الوارد في القرآن الكريم. الإرادة، هنا، إرادة إلهية، أي هو القادر على جعلِ جميع الناس يؤمنون به وبوجودِه وبوحدانيته وبرسالاتِه المنزَّلة على أنبيائه ورسله، أي أن الناسَ كلَّهم سواسية من حيث الدين والعقيدة.
وحين يقول، سبحانه وتعالى : "...وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ…"، فأول ما يتبادر للذِّهن، هو أنه، عزَّ وجلَّ، هو الذي يشاءُ أو هو الذي يريد. السؤال المتعقِّل الذي يجب أن يطرحَه على نفسِه المتدبِّر لآيات القرآن الكريم، هو : "فكيف لله أن يُضلَّ الناسَ، يإرادته، ويُحاسِبُهم يوم القيامة؟" إذن الله ظالمٌ العبادَ وحاشا أن يكون ظالما.
جواباً على هذا السؤال، أقول إن الفاعلَ، نَحوِياً، ليس الله. بل الفاعلُ هو اسمُ "مَنْ". و"مَنْ"، في هذه الآية، جاءت في محلِّ الناس أو البشر. والناسُ هم الفاعل هنا، أي الناس هم الذين يشاؤون. وبعبارة أوضح، اللهُ، سبحانه وتعالى، يهدي الناسَ الذين يظهرون علامات الإيمان والهِداية، ويُضِلُّ الناسَ الذين يُظهرون علامات الضلال. بمعنى أن الناسَ هم مَن يختار الهدايةَ أو الضلال.
وهذا دليلٌ قاطعٌ على أن اللهَ خلق بني آدمَ ومنحَهم حريةَ اختيار الهداية أو الضلال. وهذا الاختيار يتماشى، جملةً وتفصيلاً، حين قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 256 من سورة البقرة : "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…". وقد أقول "اللهُ، سبحانه وتعالى، يوضِّح ويبيِّن للناس ما لهم فيه خيرٌ وما لهم فيه شر، وترك لهم حريةَ الاختيار. وإلا سيكونُ مَنحُ العقلِ لبني آدمَ بدون غاية، أو سيكون مَنحاً عبثِياً أو جاء هذا المنحُ بالصدفة.
وحين يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 129 من سورة آل عِمران : "وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، أول ما يتبادر للذهن، هو أن الله، سبحانه وتعالى، هو الذي يختار مَن سيشملُه بمغفرتِه، وكذلك، هو مَن سيختار مَن سيشملُهم بعذابُه. فكيف لله أن يختارَ، بإرادتِه، ناساً من دون جميع الناس، ليشملَهم بمغفرتِه أو يُسلِّط عليهم العذاب؟
والحقيقة أن مغفرةَ الله تشمل مَن يستحقُّ المغفرةَ أو مَن أبدى من العلامات ما يجعل الله يقبل استغفارَه ليشمله بمغفرتِه. كما أن عذابَ اللهِ يشمل مَن يستحق العذابَ أو مَن سعى بنفسِه إلى ارتكاب الذنوب والخوض في الفواحش. والله، سبحانه وتعالى، يقول : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (يونس، 44).
وهنا، أطرحُ السؤالَ التَّالي على نفسي : لماذا أخترتُ لهذه المقالة عنوانَ عنوانَ "يهدي مَن يشاء ويُضِلط مَن يشاء"؟
اخترتُه لأن كثيراً من الناس يعتقدون اعتقاداً راسِخا أنهم إذا كانوا "ضالين" أو "مَهديين"، فتلك مشيئة الله أو إرادتُه. بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو الذي أراد أن يكونوا "ضالين" أو "مَهديين".
فكيف لله، سبحانه وتعالى، الذي، عندما نقرأ قرآنه الكريم، من أول سورة إلى آخر سورة، يريد الخير لعباده، أن يكونَ إلَهاً ظالِما وحاشا أن يكون ظالِماً؟
كل ما في الأمر أن هناك فرقاً شاسعا بين قراءة القرآن وبين تدبُّر آياتِه. قراءة القرآن هي تِلاوتُه سرا أو جهرا، لكن بدون فهم أو إدراك ما المقصود من آياته ومن كلماته. أما تدبُّر آيات القرآن الكريم، فتتطلَّب تشغيل العقل والوقوف عند كلماته لاستنباط ما يريد، سبحانه وتعالى، أن يُوصِلَه للناس من معاني وحِكَمٍ، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (هود، 1) أو مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (الأعراف، 204). في هذه الآية الكريمة، الإنصات جاء بعد الاستماع. وهذا دليلٌ على أن الاستماعَ ليس استماعاً عادياً، أي استماعٌ فيه شيءٌ من التَّروِّي والتَّفكُّر.