محمد بشكار - حالُنا الواقف..!

يحدث أن نشعر بتعب يسري في أوصالنا دون أن نعرف للوهن سببا أو مصدرا؛ فنبتلع من الحبوب المنشطات عسانا نعيد لمداركنا بعض الإنتباه، و حتى المنومات عسانا نزيد في النوم موتا، و لكن يبقى الخمول يهُدُّنا يوما بعد يوم، ليكتشف الشاب في أحد الصباحات و هو ينظر للمرآة أنه شاخ فجأة و هو في سن العشرين؛ إنه الجو العام في البلد هو المريض و يُمَرِّضُنا معه، أليس جسد الوطن من جسد المواطن، فكيف لا نتداعى بحمى أو بدونها و نحن نرى الحال واقفا في بلدنا، في حين تحاول بلدان متقدمة أن تسبق الزمن و تكون على رأس ناصيته مهما تسارعت وتيرته، أما نحن فلا نعرف الزمن إذا حصل و تذكرناه بالنظر إلى ساعة اليد أو الحائط إلا بالزيادة أو النقصان التي تفرضها الدولة و كأنها بذلك تزيد ساعة أو تنقصها من أعمارنا بينما لكل أجل كتاب..!

لا نعرف الزمن في حالنا الواقف و نحن نوهم أنفسنا أننا نعيش في وضع سياسي و اقتصادي و ثقافي طبيعي، بينما الحقيقة لو أردنا تذوق علقمها بالخبز أو الترجمة الحرفية، أننا نعيش في بلد بدون حكومة و لا أحد يستطيع منذ انتهاء الإنتخابات إلى اليوم، أن يفرز من كل الألوان السياسية التي اختلطت على عقولنا الصغيرة، لونا سياسيا منسجما مع تطلعات البلد بدءا من تنزيل الدستور الجديد ليصبح واقعا، لكن لا شيء نزل من بنوده الجميلة والطوباوية على الورق فقط، سوى أنه زاد من طول أعناقنا و نحن نتطلع و لو وهما لمستقبل أجمل..!

لا نعرف الزمن و نحن إلى اليوم نعيش في بلد وزاراته ما زالت بدون وزراء، مما يجعل كل خطاب يصدر عن إعلامنا في نقده مدحا أو ذمّا، أو يصدر عن مؤسسات المجتمع المدني في مناوشاتها للدولة مبنيا للمجهول..!

في بلدي لا يعرفون الزمن إلا حين تبعث مصلحة توزيع الماء و الكهرباء بورقة حمراء قبل نهاية الشهر تنذر بقطع (الما و الضو) في حالة عدم التسديد اليوم قبل الغد ..!

في بلدي الحبيبة التي أفديها بروحي، لا يعرفون الزمن إلا في احتساب الأعمار في نظام التشغيل، فمن تجاوز سنه خمسة و أربعين عاما فهو أو هي عجوز من الغابرين و الأحرى أن تقتل نفسها على أن تستمر في المطالبة بحقها في الشغل و العيش على كاهل الدولة الهش اقتصاديا بدليل أن ثمة من يتقاضى في جيب واحد أكثر مما يتقاضاه مائة جيب في الشهر..!

نستطيع القول إننا نختبر اليوم و لأول مرة في تاريخ المغرب، السكتة السياسية رغم أن قلوبنا مازالت تنبض في الصدور، لنصل إلى حقيقة أن شعبنا يستطيع الإستمرار في الحياة بدون أي تمثيلية أو مسرحية سياسية يؤثث مشهدها وزراء أو برلمانيون؛ نستطيع بروح المواطنة و الإلتزام بالمسؤولية، أن نُسيِّر أنفسنا بأنفسنا دون أن يختل نظام في الإدارات أو القطاعات الخاصة و العمومية، دون أن يحتاج مرؤوس إلى رئيس أو تحتاج أرجُلنا و أذرعنا إلى رأس لتفي بإشارة من الدماغ بالحركة المطلوبة؛ لنقل إن السكتة السياسية الناجمة عن استعصاء تشكيل الحكومة إلى حدود كتابة هذه السطور، لم ينجم عنها بالمقابل شللٌ في الأطراف الحيوية للبلد و لم يوقف سقوط المطر و لم يمنع الطير من نقر الحَبِّ في أعالي جبال الأطلس المكسوة بالثلوج و لم يزحزح مدينة الرباط قيد شبر لتصبح هي فاس مثلا أو تزناخت فلا نعرف طريقا إلى العاصمة؛ لا شيء حدث من كل ما ذكرتُ و ما لم أذكُر في ظل هذا الغياب السياسي الذي يتأكد اليوم مع هذا الحال الواقف، أنه مجرد واجهة برَّاقة للديمقراطية التي لا نملك من جوهرها إلا القشور في بلدنا، لا تنفع و لا تضر ليس كحليب الأتان حتى لا أقول (الحِمارة)، لأنه بالنقيض غني بالفيتامينات و يُصنع منه الشوكولاطة و حتى الصابون لذوي البشرة الجافة؛ لكن يبدو أن الحكومة في بلدنا وجودها كعدمها، أما إذا قدَّر الله و تشكَّلت بما لا نعرفه من ألوان سياسية ستكون في معظمها سوريالية، فهي في أغلب الضرر الذي سيُحيقه بنا حليبها سواء كان من ثدي الأتان أو الناقة، لن تنفع إلا نفسها ..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" لعدد يومه الخميس 2 فبراير 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى