1. البدايات مع فن الملحون
بدأتُ رحلتي مع فن الملحون في سن مبكرة مع جدي العربي، رحمه الله، الذي كان مقدّم فرقة "الوزانية" (تهامة). بعده جاء عمي موسى، رحمه الله، الذي اصطحبني إلى مدينة سلا لتعلّم حرفة الصباغة. كنت حينها قد تركت المدرسة في سن السادسة عشرة، لكن شغفي بهذا الفن لم يتوقف. في مدينة سلا، انطلقتُ في تعلم أصول هذا الفن العريق على يد كبار المشايخ، أبرزهم شيخ الأشياخ سيدي حسن اليعقوبي، وذلك في مقهى عبد السلام الفيلالي، الذي كان ملتقى لرجال الملحون من مدن سلا، فاس، مكناس، ومراكش.
في تلك الفترة، بدأتُ أكتشف عالماً شعرياً ساحراً، وحفظت العديد من دواوين الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى الحديث. درست علم العروض وأوزانه ومحسناته البديعية، كما حفظت أربعين حزباً من القرآن الكريم، واطلعت على كتب الحديث والتاريخ، خاصة تاريخ المغرب، الذي يرتبط بشكل وثيق بشعر الملحون.
كان فهمي لهذا الفن بحاجة إلى تعمّق أكبر، مما دفعني لقضاء عقدين من الزمن متنقلاً بين عواصم الملحون مثل مراكش، بودنيب، وتافيلالت. تعلمتُ من شعراء كثر في مدينة سلا، منهم حسن اليعقوبي، با الجيلالي الشبابي، الحاج أحمد العوني، أحمد سهوم، وعلال الحنافي. جمعتُ القصائد، ودرست بنيتها العروضية وأسرارها على أيدي شيوخ هذا التراث، حتى أصبحت أنظم القصائد بمختلف الأغراض الكلاسيكية والعصرية.
نظمتُ قصائد في الابتهالات، التوسلات الإلهية، المدائح النبوية، والأغراض الغزلية، إضافة إلى موضوعات عصرية مثل الفخر بالوحدة الترابية وحوادث السير. ومن أشهر قصائدي، "سوق بالمهل"، التي سجلتها بالإذاعة الوطنية سنة 2010. كما شاركت بمحاضرات وندوات في مكناس، فاس، سجلماسة، ومراكش.
2. هدف الرحلة
مع مرور الوقت، أصبح هدفي واضحاً: نقل معرفتي العميقة بهذا الفن إلى الأجيال القادمة، مع التركيز على بنيته العروضية وقواعده المتعلقة بالوزن والقافية. لم يكن الملحون بالنسبة لي مجرد فن تسلية، بل إرثاً أدبياً زاخراً بالمحسنات البلاغية والمعجم اللغوي الثري. عملت على استعراض أساليب كتابة القصائد وفقاً لكل بحر (قياس) ومتطلباته، ساعياً لجذب الشباب نحو هذا الفن ليحملوا مشعل الحفاظ عليه وتطويره.
3. التحديات الفكرية
واجهتُ العديد من التحديات الفكرية، أبرزها مواقف بعض الأكاديميين الذين اعتبروا أنفسهم أوصياء على هذا التراث ويرفضون اي رؤى او اجتهادات جديدة تخالف تلك المراجع التقليدية التي يعتمدون عليها دون تدقيق او تبصر، مثل كتاب القصيدة للدكتور عباس الجراري ومعلمة الملحون للاستاذ محمد الفاسي.
الدكتور عباس الجراري: اعتبر أن كلمة "الملحون" اشتُقت من "اللحن" بمعنى الخطأ النحوي، وهو تفسير أراه بعيداً عن الصواب. فالملحون ليس خطأ لغوياً، بل أسلوب شعري خاص يتبع قواعد عروضية دقيقة. كما أن تفسيره لـ"المكسور الجناح" كتشبيه بالطائر المكسور جناحه ينمّ عن قراءة سطحية للبنية العروضية.
الأستاذ محمد الفاسي: وضع اللبنات الأولى للبحث العلمي في الملحون، لكنه ركز على الجانب الغنائي فقط، متجاهلاً بنيته العروضية وأشكالها كالوزن والقافية.
لم تكن ملاحظاتي انتقاداً لجهودهما، بل دعوة لتوسيع نطاق البحث العلمي ليشمل عمق هذا الفن، وليس فقط شكله.
4. التعريف الحقيقي لفن الملحون
قدمت تعريفاً دقيقاً لهذا الفن وقلت:
> "الملحون هو شعر عامي موزون مقفّى، محكم بدائرة موسيقية، ويتفرع إلى أربعة أشكال: العمودي، المكسور الجناح، السوسي، والسرابة."
هذا التعريف يبرز أصالة الملحون كفن شعري مستقل له أصوله وقواعده، بعيداً عن التفسيرات التقليدية التي ركزت على الاسم دون التعمق في المسمى.
5. التحديات التكنولوجية ومبادراتي الرقمية
رغم التحديات، واصلت تطوير نفسي ومبادراتي. تعلمت استخدام الحاسوب وبرامج الكتابة لضبط النصوص الملحونية بدقة، وبدأت في تقديم محتوى تعليمي موجه.
قناة "مدرسة العيباري للملحون":
أنشأتُ هذه القناة على يوتيوب لتكون منصة تعليمية لعشاق الملحون، أشرح من خلالها القصائد وأدعم طلاب الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه.
التطبيقات الرقمية:
بمساعدة شقيقي عادل العيباري، طورت تطبيقات تضم دواوين شعر الملحون بصيغة PDF، مما سهّل على عشاق هذا الفن والباحثين الوصول إلى مواده بسهولة.
6. كلمة ختامية
رغم كل الصعوبات، أؤمن بأن رحلتي مع فن الملحون قد حققت بعض أهدافها، وما زال الطريق طويلاً. إن وُفِّقتُ، فذلك بفضل الله، وإن قصّرتُ، فذلك من نفسي.
العيباري عبد المجيد
بدأتُ رحلتي مع فن الملحون في سن مبكرة مع جدي العربي، رحمه الله، الذي كان مقدّم فرقة "الوزانية" (تهامة). بعده جاء عمي موسى، رحمه الله، الذي اصطحبني إلى مدينة سلا لتعلّم حرفة الصباغة. كنت حينها قد تركت المدرسة في سن السادسة عشرة، لكن شغفي بهذا الفن لم يتوقف. في مدينة سلا، انطلقتُ في تعلم أصول هذا الفن العريق على يد كبار المشايخ، أبرزهم شيخ الأشياخ سيدي حسن اليعقوبي، وذلك في مقهى عبد السلام الفيلالي، الذي كان ملتقى لرجال الملحون من مدن سلا، فاس، مكناس، ومراكش.
في تلك الفترة، بدأتُ أكتشف عالماً شعرياً ساحراً، وحفظت العديد من دواوين الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى الحديث. درست علم العروض وأوزانه ومحسناته البديعية، كما حفظت أربعين حزباً من القرآن الكريم، واطلعت على كتب الحديث والتاريخ، خاصة تاريخ المغرب، الذي يرتبط بشكل وثيق بشعر الملحون.
كان فهمي لهذا الفن بحاجة إلى تعمّق أكبر، مما دفعني لقضاء عقدين من الزمن متنقلاً بين عواصم الملحون مثل مراكش، بودنيب، وتافيلالت. تعلمتُ من شعراء كثر في مدينة سلا، منهم حسن اليعقوبي، با الجيلالي الشبابي، الحاج أحمد العوني، أحمد سهوم، وعلال الحنافي. جمعتُ القصائد، ودرست بنيتها العروضية وأسرارها على أيدي شيوخ هذا التراث، حتى أصبحت أنظم القصائد بمختلف الأغراض الكلاسيكية والعصرية.
نظمتُ قصائد في الابتهالات، التوسلات الإلهية، المدائح النبوية، والأغراض الغزلية، إضافة إلى موضوعات عصرية مثل الفخر بالوحدة الترابية وحوادث السير. ومن أشهر قصائدي، "سوق بالمهل"، التي سجلتها بالإذاعة الوطنية سنة 2010. كما شاركت بمحاضرات وندوات في مكناس، فاس، سجلماسة، ومراكش.
2. هدف الرحلة
مع مرور الوقت، أصبح هدفي واضحاً: نقل معرفتي العميقة بهذا الفن إلى الأجيال القادمة، مع التركيز على بنيته العروضية وقواعده المتعلقة بالوزن والقافية. لم يكن الملحون بالنسبة لي مجرد فن تسلية، بل إرثاً أدبياً زاخراً بالمحسنات البلاغية والمعجم اللغوي الثري. عملت على استعراض أساليب كتابة القصائد وفقاً لكل بحر (قياس) ومتطلباته، ساعياً لجذب الشباب نحو هذا الفن ليحملوا مشعل الحفاظ عليه وتطويره.
3. التحديات الفكرية
واجهتُ العديد من التحديات الفكرية، أبرزها مواقف بعض الأكاديميين الذين اعتبروا أنفسهم أوصياء على هذا التراث ويرفضون اي رؤى او اجتهادات جديدة تخالف تلك المراجع التقليدية التي يعتمدون عليها دون تدقيق او تبصر، مثل كتاب القصيدة للدكتور عباس الجراري ومعلمة الملحون للاستاذ محمد الفاسي.
الدكتور عباس الجراري: اعتبر أن كلمة "الملحون" اشتُقت من "اللحن" بمعنى الخطأ النحوي، وهو تفسير أراه بعيداً عن الصواب. فالملحون ليس خطأ لغوياً، بل أسلوب شعري خاص يتبع قواعد عروضية دقيقة. كما أن تفسيره لـ"المكسور الجناح" كتشبيه بالطائر المكسور جناحه ينمّ عن قراءة سطحية للبنية العروضية.
الأستاذ محمد الفاسي: وضع اللبنات الأولى للبحث العلمي في الملحون، لكنه ركز على الجانب الغنائي فقط، متجاهلاً بنيته العروضية وأشكالها كالوزن والقافية.
لم تكن ملاحظاتي انتقاداً لجهودهما، بل دعوة لتوسيع نطاق البحث العلمي ليشمل عمق هذا الفن، وليس فقط شكله.
4. التعريف الحقيقي لفن الملحون
قدمت تعريفاً دقيقاً لهذا الفن وقلت:
> "الملحون هو شعر عامي موزون مقفّى، محكم بدائرة موسيقية، ويتفرع إلى أربعة أشكال: العمودي، المكسور الجناح، السوسي، والسرابة."
هذا التعريف يبرز أصالة الملحون كفن شعري مستقل له أصوله وقواعده، بعيداً عن التفسيرات التقليدية التي ركزت على الاسم دون التعمق في المسمى.
5. التحديات التكنولوجية ومبادراتي الرقمية
رغم التحديات، واصلت تطوير نفسي ومبادراتي. تعلمت استخدام الحاسوب وبرامج الكتابة لضبط النصوص الملحونية بدقة، وبدأت في تقديم محتوى تعليمي موجه.
قناة "مدرسة العيباري للملحون":
أنشأتُ هذه القناة على يوتيوب لتكون منصة تعليمية لعشاق الملحون، أشرح من خلالها القصائد وأدعم طلاب الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه.
التطبيقات الرقمية:
بمساعدة شقيقي عادل العيباري، طورت تطبيقات تضم دواوين شعر الملحون بصيغة PDF، مما سهّل على عشاق هذا الفن والباحثين الوصول إلى مواده بسهولة.
6. كلمة ختامية
رغم كل الصعوبات، أؤمن بأن رحلتي مع فن الملحون قد حققت بعض أهدافها، وما زال الطريق طويلاً. إن وُفِّقتُ، فذلك بفضل الله، وإن قصّرتُ، فذلك من نفسي.
العيباري عبد المجيد