تطلق ليلى ناسمي صرخة الرفض في ديوانها "حواء ليست جدتي... !". إنها لا تعلن مجرد موقف شعري، بل تفتح مواجهة صريحة مع الإرث الثقافي الذي يرهن المرأة في صورة "حواء" المطيعة والخاضعة للرجل. حواء، كما رسختها الذهنية الذكورية، هي الأنثى التي خُلقت من ضلع آدم، فكانت فرعًا لا أصلًا، وتابعة لا مستقلة. لكن ليلى ناسمي ترفض هذا النسب الرمزي، وتعيد انتماءها إلى ليليت، المرأة الأسطورية التي كانت ندًا للرجل، ورفضت الخضوع له منذ لحظة التكوين الأولى.
هذا الرفض ليس مجرد خطاب شعري أو ترف فكري، بل هو موقف وجودي يشكل نسيج هوية الشاعرة نفسها. فاسمها "ليلى" ليس مجرد اسم شخصي، بل هو إشارة مشحونة بالدلالات؛ ليلى التي تقف بين ليليت، أولى المتمردات، وبين الليل، هذا الفضاء الرمزي الذي يحتضن الأسرار والتمردات والانتهاكات، زمن الحلم والتجلي والكشف، زمن انفلات الرقابة. بهذا الاسم تصبح الشاعرة امتدادًا لليليت، لا فقط في أسطورتها النسوية، بل في شقها المعتم المرتبط بالليل والبحث عن اللذة والحرية خارج السائد والمألوف.
وليلى، بما يحمله اسمها من معنى الخمر، تضيف بعدًا آخر لهذه الهوية المركّبة. فالخمر تاريخيًا ليس مجرد مشروب، بل هو رمز للانفلات من العقل الجمعي، وفتح الباب أمام "الأنا" المكبوتة لتتحدث بلا أقنعة. وهكذا، فإن "ليلى ناسمي" ليست مجرد شاعرة تحمل اسمًا، بل هي كيان شعري مكتمل، ينهض من هذه الشبكة الرمزية المعقدة: ليليت المتمردة، وليلى العاشقة، والليل بوصفه زمن الانعتاق، والخمر بما هو مكاشفة للذات الحرة، تقول:
حروفي وشوشات هائمة
وكلماتي قبل حائرة
حواء ليست جدتي
ليليت هي ...
وأنا المجهض فجرها
لم أنم...
كان رذاذ الأغنيات اليتيمة
يعطل بزوغ نور من بؤبؤ عيني
فتسقط وصايا الكاهنات
المنسية من أوردتي...
ليلى ناسمي لا ترفض حواء كجدةٍ فحسب، بل ترفض أن تكون حفيدةً لأي سرديةٍ جاهزة. نصُّها الشعري يصنع أسطورته الخاصة، حيث الحب ألمٌ مبدع، والتمردُ ولادةٌ مستمرة، والذاتُ فضاءٌ لا يُختزل في حدود. هنا، تصبح الكتابة فعلًا وجوديًّا يُحرّر الذات من ثقل التاريخ، ويصنع عالمًا موازيًا تُعلن فيه الأنثى نفسها أصلًا، لا فرعًا.
وعي الشاعرة بالاسم والهوية الرمزية ينعكس شعريًا في ديوانها، وتحديدًا في افتتاحية ديوانها "كأس واحدة تكفي"، حيث قصيدة "لست مثلكم". هذه القصيدة ليست مجرد نص افتتاحي، بل هي بيان شعري-وجودي يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام جوهر التجربة الشعرية التي تقترحها ناسمي: رفض التشابه، رفض الذوبان في القطيع، إعلان التفرد كشرط للكتابة والحياة. تكرار ضمير المتكلم المفرد "أنا" في نص قصير ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو تكثيف لحضور الذات المتفردة، تلك التي ترفض أن تكون نسخة مكررة.
الرقم سبعة الذي ورد في الصفحة وكعدد أسطر يحمل في عمقه بعدًا ثقافيًا، حيث يحضر الرقم سبعة في الموروث الديني والثقافي باعتباره رقمًا مقدسًا (سبع سماوات، سبع أيام، سبع آيات في الفاتحة). بهذا، يصبح اختيار السبعة نوعًا من المبارزة الرمزية مع المقدس الذكوري، إذ تعيد الشاعرة توظيف الرمز وتفكيكه في آن. إنها لا تلغي المقدس، لكنها تستدعيه لتقول ذاتها من داخله، بصوت الأنثى الحرة.
ولعل الإهداء لرجلين، مصطفى وناصف، يفتح سؤالاً إضافيًا: كيف لشاعرة متمردة على الذكورية أن تهدي كتابها لرجلين؟ لكن القراءة المتأنية للإهداء تكشف أن الرجلين ليسا مجرد "رجال"، بل هما شركاء في التمرد، في الرفض، في الشعر بوصفه مساحة حرية لا تقبل الوصاية. مصطفى الذي "يعتصر الحور في دنان الحروف"، وناصف الذي "حبلت به القصيدة وأرضعته الأرصفة لبن التمرد"، هما في الحقيقة وجهان للرفض الإبداعي الذي تشترك فيه ليلى ناسمي معهما، فيكون الإهداء تحالفًا رمزيًا بين أصوات متمردة، وليس خضوعًا أو تنازلًا.
هذا النفس التمردي يتسرب إلى نصوص الديوان نفسها، كما في قصيدتها التي تقول فيها:
في العشق أعشق النهايات حبلى باحتمال بدايات مؤجلة أعشق فراغ القلب وامتلاء العين بالعابرين...
في هذا النص القصير، تفتح الشاعرة نافذة جديدة على الحب. الحب، كما في المخيال الجمعي، يبدأ بلحظة اكتشاف وسحر، ويتوق إلى امتلاء القلب بالحبيب، لكنه هنا يتحول إلى عشق للنهايات، لا باعتبارها موتًا، بل باعتبارها ولادة مؤجلة، مثل رحم يحمل جنينًا لم يكتمل بعد. بهذا المعنى، النهايات ليست فقدًا بل احتمالا، والنص يعيد تعريف الزمن العاطفي باعتباره دورة مستمرة من التكوين والهدم، دون يقين نهائي.
ثم يأتي الاعتراف بعشق "فراغ القلب"، وهذا الاعتراف يقلب معادلة الحب رأسًا على عقب. فبينما يُفترض أن يكون الحب امتلاءً، يأتي النص ليقول: الحب فراغ. ليس فراغًا ينطوي على نقص أو وحشة، بل فراغًا ضروريًا، مساحة حرية تسمح للذات أن تظل متجددة. هذا الفراغ يقابله "امتلاء العين بالعابرين"، وكأن الحب ليس ارتباطًا بشخص واحد، بل هو انفتاح على احتمالات لا نهائية من اللقاءات، والتجارب العابرة التي تُغني ولا تُقيد.
العابرون هنا ليسوا مجرد آخرين عابرين، بل هم انعكاسات للذات في مرايا متحركة، حيث كل لقاء فرصة لاكتشاف الذات بشكل جديد. بهذا المعنى، الحب كما ترسمه ليلى ناسمي، ليس بحثًا عن استقرار، بل عن زلزلة دائمة، عن ارتحال داخلي يعيد تشكيل الذات باستمرار.
رمزيًا، هذه الفلسفة في الحب تتناغم مع فلسفة الرفض التي يقوم عليها الديوان كله. فكما ترفض الشاعرة التبعية لحواء، وترفض التشابه مع الآخرين، وترفض المقدس الذكوري الأحادي، فهي ترفض أيضًا الحب الأحادي المستقر، لتقدم بديلاً شعريًا هو الحب العابر المتجدد، الذي يحتفي بالنهايات كما يحتفي بالبدايات، ويرى في الفراغ مساحة للحرية وليس للحزن.
ويستمر تدفق الرفض، وتعلو لغة التمرد والتحدي في جميع نصوصها، ومنها النصوص التالية:
أنا العرافة ...
ففي المقطع الأول من القصيدة نجد العرافة تتخذ موقفًا قويًا ينطوي على تحدٍّ صريح، إذ تتحدث دون خوف من الآخرين، وتواجه شكوكهم بجرأة، متسائلةً: "من يجرؤ على لوم الخرافة إن هي صدّقتها يومًا؟". هذا السؤال الاستفهامي الإنكاري يعكس ثقة العرافة في قلب المعادلة وجعل الخرافة ذاتها في صفها. هذا التحدي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بروح التمرد التي تميز ليلى ناسمي في ديوانها "حواء ليست جدتي"، حيث ترفض القوالب الجاهزة وتنقض السائد. وفي هذا المقطع تحديدًا، تتحول العرافة إلى رمز للحدس الأنثوي القوي والتجربة الذاتية التي تُعيد كتابة الأسطورة، تمامًا كما تفعل ناسمي في ديوانها، حيث تسرد تجربتها كامرأة ترفض أن تكون مجرد امتداد لحواء التقليدية.
في المقطع الثاني "لعنة الصمت وطوقته الظنون"، تظهر العرافة من زاوية أخرى، أكثر قتامة وامتلاءً بالمعاناة الداخلية. لم تعد العرافة هنا مجرد مصدر للرؤى، بل تحولت إلى ضحية لصمت مفروض وظنون تحاصرها. عبارة "لعنة الصمت" تشير إلى القيود المجتمعية التي تُكمم صوتها وتحرمها من التعبير الحر عن ذاتها، بينما "طوقته الظنون" ترسم صورة لشكوك تحاصرها، فتدفعها إلى عزلة قسرية. هذا الصراع الداخلي الذي تعانيه العرافة يعكس صراع المرأة في مجتمع ذكوري، وهو محور رئيسي في "حواء ليست جدتي"، حيث توثق ناسمي كيف تُسجن المرأة داخل صورة نمطية وتُفرض عليها قيود الصمت وعدم الثقة.
بين المقطعين يتضح بجلاء تقاطع القصيدة مع الروح العامة لديوان "حواء ليست جدتي"، فالعرافة في القصيدة تجسد المرأة في عالم ليلى ناسمي الشعري: امرأة قوية متحدية، لكنها في ذات الوقت تدفع ثمن تمرّدها وتعيش حصار الشكوك المجتمعية. القصيدة والديوان معًا يقدمان رفضًا عميقًا للقوالب التقليدية، ومحاولة جريئة لإعادة تعريف الهوية الأنثوية خارج إطار الحكايات الجاهزة. حتى الأسلوب الشعري في هذه المقاطع، المعتمد على التكثيف والتوتر الدلالي وتوظيف مفردات بسيطة ذات أبعاد رمزية غنية، ينسجم تمامًا مع أسلوب ناسمي. كما أن فكرة "الصمت والظنون" تعدّ فكرة جوهرية في الديوان، حيث يتم تصوير المرأة دومًا كصوت مهدد بالإسكات وككيان مطوّق بالريبة، ما يجعل القصيدة امتدادًا طبيعيًا لصوت ناسمي الشعري الرافض والمتمرّد.
في نص "في البار"، يُنقلنا النص إلى فضاء البار، لكنه لا يظهر كمجرد مكان عابر لشرب الخمر، بل يتحول إلى رمز يعكس الحالة الداخلية للشاعرة. البار يتماهى مع شجون القلب، فتتلاشى الحدود بين الداخل والخارج، ويغدو البار مرآة للأوجاع الحميمة. البار هنا فضاء للانعتاق من قيود المجتمع والدين، ومساحة تجسد فيها الذات الحرة بكل تناقضاتها: الألم واللذة، الصمت والضجيج، الحضور والغياب.
وسط هذا الفضاء يظهر "الرفيق الأنيق"، الذي ليس مجرد عابر سبيل، بل شاهد داخلي يقرأ المكان بعينيه المفعمتين بالضجر، ذلك الضجيج الأليف الذي يتسلل إلى الأرواح المنهكة. العلاقة بين الشاعرة ورفيقها ليست علاقة حب تقليدية، بل انعكاس لحالة مشتركة من التيه والضياع، وكأنهما مرآتان تعكسان لبعضهما حقيقة البار وحقيقة العالم المتشظي داخله.
لكن الليل لا يتوقف هنا، إذ يظهر "النذل الذي صب في جوف الليل"، وهو كائن رمزي يمثل القوى التي تتلاعب بالقلب وتملؤه بما لا يُحتمل. هذا النذل قد يكون تجربة عاطفية جارحة أو قيدًا اجتماعيًا أو دينيًا جاثمًا على الروح. الامتلاء الذي يفرضه هذا النذل ليس سعادة، بل امتلاء بالحزن، حيث يتحول الفراغ إلى عبء ثقيل. هكذا يصبح الألم هو الجوهر، والفراغ لا يُملأ إلا بأشكال جديدة من الخيبة.
تتوالى التحولات حتى "يغص الخريف وتتعثر كلمات الرب وتبعثر روايات الأنبياء". هنا تنهار القيم الكبرى، ويصبح الخريف رمزًا للذبول والانتهاء. الله نفسه يتعثر، وكأن المقدس يفقد يقينه، وتتحول الروايات المطلقة إلى شظايا مبعثرة بلا مركز. ليست هذه الصور مجرد انفعالات عابرة، بل إعلان عن أزمة وجودية عميقة، حيث تتهاوى كل السلطات الرمزية التي تمنح العالم معناه ويقينه.
اللغة الشعرية في النص تُعمّق هذا الإحساس بالفوضى والتمرد. الكلمات مكثفة والرموز مشحونة بدلالات متعددة، والأفعال الماضية تخلق إحساسًا بالثبات، وكأن كل شيء قد حدث بالفعل، ولم يعد ثمة مجال للتراجع أو التصحيح. المشاعر ليست احتمالات، بل حقائق محفورة في الذاكرة ومحكومة بالقدر.
يتقاطع النص السابق مع تجربة ليلى ناسمي الشعرية بوصفه رفضًا صريحًا للقيود الاجتماعية والدينية، حيث تتحول الكتابة إلى فضاء للحقيقة المطلقة، بلا تجميل أو مواربة. البار هنا فضاء لولادة الذات الحرة التي تواجه تناقضاتها حتى أقصاها. النص يعيد رسم الهوية الأنثوية ليست كضحية، بل كذات تحتضن ضعفها بقدر ما تحتضن قوتها، معلنة هزيمتها كجزء من هويتها. الألم ليس عارًا، بل حقيقة وجودية تتقاطع مع الحب والفقد والخيبة.
الرمزية والأسطورة تحضران بقوة، حيث تُفكك الأساطير الدينية والاجتماعية وتُعاد كتابتها. السقوط الحر من فضاء المقدس إلى البار هو إعلان عن تمرد شعري ورؤية جديدة للعالم. الحب نفسه يظهر مصدرًا للألم لا للخلاص، كجرح يملأ فراغ القلب، فلا يعرف القلب سوى هذا الامتلاء النازف.
في النهاية، يتجاور الصمت والضجيج، وكأنهما وجهان لحقيقة واحدة. القلب الفارغ والمثقل معًا، الضجيج الأليف في الداخل، كلها ملامح لتجربة أنثى تعيد تعريف ذاتها في مواجهة العالم، محولةً تناقضاتها إلى شعر مكتوب بحبر الجرح والتمرد معًا.
في نص "الأبواب"، نواجه فلسفة ناسمي في التحرر من الحدود. "لا أبواب، لا نوافذ" ليست مجرد وصف مكاني، بل إعلان وجودي يرفض كل ما يحد الذات. هذا الفضاء المفتوح يذيب الفواصل بين الداخل والخارج، وتتحول الذات إلى كيان متحرر تمامًا. عبارة "تفصني عني" تعكس رغبة في الذوبان داخل الذات، بحثًا عن أقصى درجات التصالح.
وما الذي يحمله نص أخرج إن على مستوى الدلاة وإن على مستوى الإيقاع والصور؟
يقول نص "أخرج":
الحبر لا يكفي لقول الجسد المستباح الجراح،
الجراح ظلال طاعنة في الروح،
الروح وطن بلا سياج،
السياج ديباجة الحزن
الحزن اه ملحدة بين الضلوع،
الضلوع تضلعت في الأنين،
والأنين قلب تورم بالحنين.
في النص أعلاه، تستمر الشاعرة في استكشاف ثنائية الجسد والروح، حيث يظهر الجسد المستباح كرمز لانتهاك متعدد الأبعاد، يتجاوز التجربة الشخصية إلى معاناة إنسانية أشمل. هذا الجسد يحمل في طياته معاناة المرأة في مجتمع ذكوري، ومعاناة الإنسان في عالم قاسٍ لا يرحم هشاشته. ومن خلال عبارة "الجراح ظلال طاعنة في الروح"، يصبح الألم تجربة متجذرة في عمق الكيان الروحي، وليس مجرد إحساس عابر بالجسد.
الروح في النص تمثل وطنًا بلا سياج، أي فضاءً مفتوحًا على الاحتمالات كافة، دون حماية أو قيود، وهو ما يعكس هشاشتها رغم حريتها المطلقة. هذا التصور يتقاطع مع فكرة "مشرعة أنا" الواردة في النصوص السابقة، حيث الذات في حالة انكشاف دائم على الألم والتمرد والحب والفقد. الروح هنا ليست كيانًا مغلقًا أو محميًا، بل هي مساحة مشرعة للعالم بكل ما فيه من قسوة ودهشة.
الحزن في النص يأخذ بعدًا فلسفيًا وجوديًا، حيث يوصف بأنه "ملحدة بين الضلوع". هذا التعبير الجريء لا يشير إلى الإلحاد العقائدي فحسب، بل يعبر عن تمرد على الصور النمطية للمقدس التي فرضها المجتمع. إنه رفض للهيمنة الدينية والاجتماعية، تمامًا كما هو رفض لقوالب الهوية الأنثوية المفروضة. هذا التمرد على المقدس يتردد صداه في شعر ليلى ناسمي، التي تعيد تعريف العلاقة بين المرأة والمقدس الذكوري.
أما "الأنين قلب تورم بالحنين"، فهو صورة تجمع بين الألم والشوق في علاقة عضوية، حيث يصبح الألم هو الثمن الحتمي للحنين. الحب والفقد في هذا السياق ليسا حالتين منفصلتين، بل هما وجهان لعملة واحدة، يتداخلان في نسيج التجربة الوجودية للشاعرة. هذا التداخل يعيدنا إلى النصوص السابقة التي تتميز بتشابك الحب والألم كوحدة شعورية لا يمكن فصلها.
على المستوى الفني، يعتمد النص على التكرار كأداة إيقاعية وشعورية في آن. تكرار مفردات مثل "الجراح"، "الروح"، "السياج"، "الحزن"، "الضلوع" و"الأنين" يخلق إيقاعًا دائريًا حزينًا، يرسّخ الشعور العميق بالألم. هذا التكرار يعكس أيضًا حضور الذات المتفردة، تمامًا كما في قصيدة "لست مثلكم" حيث يتكرر ضمير "أنا" لتأكيد الهوية الفردية المتمردة.
الصور الشعرية المستخدمة في النص قوية ومكثفة، تفتح أفقًا دلاليًا واسعًا. عبارات مثل "ظلال طاعنة في الروح"، "وطن بلا سياج"، "ملحدة بين الضلوع"، و"قلب تورم بالحنين" تحمل معاني متعددة تتجاوز المعنى المباشر، وتُحمّل اللغة بطبقات شعورية وفكرية عميقة. هذه البنية التصويرية تتسق مع أسلوب ليلى ناسمي، الذي يقوم على التكثيف والتوتر الدلالي، حيث كل كلمة مشحونة بطاقة شعورية مكثفة.
في النهاية، يعكس النص روح التمرد التي تميز تجربة ليلى ناسمي الشعرية، حيث تتقاطع الحرية مع الهشاشة، والحب مع الفقد، والصمت مع الضجيج الداخلي. النص يعيد تعريف الهوية الأنثوية بوصفها هوية متناقضة، تجمع بين القوة والضعف، بين الرغبة في التحرر والخوف من الانكشاف. كما يوظف النص الرموز والأساطير لإعادة كتابة الواقع، بما يجعل تجربة الشاعرة امتدادًا لرحلة أوسع في التاريخ والرمز والأسطورة. بهذا المعنى، يصبح النص شهادة شعرية على تمرد أنثوي يعيد تعريف العالم من خلال الذات المجروحة والمنفتحة على احتمالات بلا نهاية.
الأبواب
لا أبواب
لا نوافذ
تفصني عني
مشرعة أنا
على مبتدأ الظن
ومنتهى الاحتمال
في هذا النص تعبر الشاعرة عن فلسفتها القائمة على التحرر من الحدود والقيود. عبارة "لا أبواب، لا نوافذ" ليست مجرد وصف مكاني، بل إعلان وجودي يرفض كل ما يحد الذات أو يقيدها. هذا الغياب للأبواب والنوافذ يفتح فضاءً بلا حدود، حيث تتلاشى الفواصل بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، فيصبح الكيان الإنساني متحررًا من كل جدران مادية أو معنوية.
في هذا النص، تنكشف الذات بشكل كامل، فهي لا تضع حواجز بينها وبين نفسها أو بينها وبين العالم. عبارة "تفصني عني" تعكس رغبة الشاعرة في الذوبان داخل ذاتها، وكأنها تبحث عن أقصى درجات المصالحة بين الداخل والخارج. أما قولها "مشرعة أنا"، فهو إعلان عن حالة من الانفتاح التام، حيث تتحول الذات إلى فضاء شفاف، لا يخفي شيئًا ولا يخشى شيئًا، بل يحتضن احتمالات الوجود كافة.
يتجلى في النص أيضًا حضور قوي للظن والاحتمال، وهما عنصران يعكسان رؤية وجودية قلقلة، حيث لا شيء ثابت ولا حقيقة مكتملة. "مبتدأ الظن ومنتهى الاحتمال" يضعان الذات في حالة من الترقب المستمر، والانفتاح على كل ما هو ممكن، وكأن الذات هنا مشروع دائم لإعادة التشكل. هذا التوجه يعكس رغبة الشاعرة في تجاوز كل الثوابت، وفي كتابة هوية متجددة لا تخضع لأي يقين أو قوالب جاهزة.
روح التمرد التي يحملها النص تتناغم مع شخصية ليلى ناسمي الشعرية. هذا النص يرفض القيود الاجتماعية والدينية، كما يرفض التصورات التقليدية عن المرأة وحدودها. "لا أبواب، لا نوافذ" هنا ليست مجرد صورة شعرية، بل موقف وجودي يعيد رسم صورة المرأة بوصفها ذاتًا حرة، قادرة على تجاوز الحواجز المفروضة عليها، سواء من المجتمع أو من النصوص المؤسسة التي حاصرت صورتها على مر التاريخ.
الهوية الأنثوية في هذا النص ليست هوية مغلقة أو معطاة مسبقًا، بل هي مشروع مفتوح على احتمالات التشكّل والتجدد. "مشرعة أنا" تعبير يحمل قوة رمزية، حيث المرأة هنا تتحول إلى فضاء مفتوح على التجربة والحياة، إلى هوية لا تكفّ عن إعادة تعريف ذاتها. هذا التوجه يجعل النص يتجاوز مفهوم الحب والفقد التقليدي، ليضع الذات في مواجهة حريتها أولًا، وكأنها تقول إن تجاوز الألم لا يكون إلا بالانفتاح على احتمالات جديدة للوجود.
هذا النص أيضًا يتسم بهدوء داخلي عميق، فغياب الأبواب والنوافذ ليس فقط فعل تمرد خارجي، بل هو أيضًا شرط للسلام الداخلي، حيث تتصالح الذات مع نفسها وتتحرر من الضجيج الخارجي. "مشرعة أنا" هنا ليست مجرد وصف لحالة جسدية أو مكانية، بل هي وصف لحالة وجودية، حيث الذات تحتضن صمتها وسكينتها، وتستعد في الوقت ذاته لكل الاحتمالات القادمة.
بهذا المعنى، يمكن اعتبار هذا النص نافذة مهمة لفهم تجربة ليلى ناسمي الشعرية، بوصفها تجربة تتسم بالتمرد والقلق والتجدد، لكنها في الوقت ذاته تجربة تسعى نحو التصالح مع الذات والعالم، في فضاء مفتوح، بلا حدود، ولا يقين.
أسلوبيًا، النصوص تقوم على التكثيف والتوتر الدلالي، حيث المفردات البسيطة محملة بأبعاد رمزية عميقة. اللغة ليست مجرد أداة، بل هي فضاء للتأويل والتوتر بين الظاهر والباطن، بين السائد والمسكوت عنه. هكذا يصبح النص ذاته تمردًا لغويًا، يعيد تعريف الحب، والشعر، والأنوثة، في آن.
في النهاية، يمكن اعتبار ديوان "حواء ليست جدتي" بيانا شعريا-وجوديا، يعيد كتابة الأسطورة من منظور أنثوي متمرد، ويعيد تعريف الحب بوصفه مساحة حرية، لا قيدًا أو امتلاكًا. ليلى ناسمي في هذا الديوان لا تكتب الشعر فقط، بل تكتب ذاتها المتمردة، وتصنع أسطورتها الشخصية، التي تبدأ من الرفض، ولا تنتهي عنده، بل تحوله إلى طاقة خلاقة تكتب بها العالم كما تراه: عالم بلا يقين، بلا نهايات مغلقة.
هذا الرفض ليس مجرد خطاب شعري أو ترف فكري، بل هو موقف وجودي يشكل نسيج هوية الشاعرة نفسها. فاسمها "ليلى" ليس مجرد اسم شخصي، بل هو إشارة مشحونة بالدلالات؛ ليلى التي تقف بين ليليت، أولى المتمردات، وبين الليل، هذا الفضاء الرمزي الذي يحتضن الأسرار والتمردات والانتهاكات، زمن الحلم والتجلي والكشف، زمن انفلات الرقابة. بهذا الاسم تصبح الشاعرة امتدادًا لليليت، لا فقط في أسطورتها النسوية، بل في شقها المعتم المرتبط بالليل والبحث عن اللذة والحرية خارج السائد والمألوف.
وليلى، بما يحمله اسمها من معنى الخمر، تضيف بعدًا آخر لهذه الهوية المركّبة. فالخمر تاريخيًا ليس مجرد مشروب، بل هو رمز للانفلات من العقل الجمعي، وفتح الباب أمام "الأنا" المكبوتة لتتحدث بلا أقنعة. وهكذا، فإن "ليلى ناسمي" ليست مجرد شاعرة تحمل اسمًا، بل هي كيان شعري مكتمل، ينهض من هذه الشبكة الرمزية المعقدة: ليليت المتمردة، وليلى العاشقة، والليل بوصفه زمن الانعتاق، والخمر بما هو مكاشفة للذات الحرة، تقول:
حروفي وشوشات هائمة
وكلماتي قبل حائرة
حواء ليست جدتي
ليليت هي ...
وأنا المجهض فجرها
لم أنم...
كان رذاذ الأغنيات اليتيمة
يعطل بزوغ نور من بؤبؤ عيني
فتسقط وصايا الكاهنات
المنسية من أوردتي...
ليلى ناسمي لا ترفض حواء كجدةٍ فحسب، بل ترفض أن تكون حفيدةً لأي سرديةٍ جاهزة. نصُّها الشعري يصنع أسطورته الخاصة، حيث الحب ألمٌ مبدع، والتمردُ ولادةٌ مستمرة، والذاتُ فضاءٌ لا يُختزل في حدود. هنا، تصبح الكتابة فعلًا وجوديًّا يُحرّر الذات من ثقل التاريخ، ويصنع عالمًا موازيًا تُعلن فيه الأنثى نفسها أصلًا، لا فرعًا.
وعي الشاعرة بالاسم والهوية الرمزية ينعكس شعريًا في ديوانها، وتحديدًا في افتتاحية ديوانها "كأس واحدة تكفي"، حيث قصيدة "لست مثلكم". هذه القصيدة ليست مجرد نص افتتاحي، بل هي بيان شعري-وجودي يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام جوهر التجربة الشعرية التي تقترحها ناسمي: رفض التشابه، رفض الذوبان في القطيع، إعلان التفرد كشرط للكتابة والحياة. تكرار ضمير المتكلم المفرد "أنا" في نص قصير ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو تكثيف لحضور الذات المتفردة، تلك التي ترفض أن تكون نسخة مكررة.
الرقم سبعة الذي ورد في الصفحة وكعدد أسطر يحمل في عمقه بعدًا ثقافيًا، حيث يحضر الرقم سبعة في الموروث الديني والثقافي باعتباره رقمًا مقدسًا (سبع سماوات، سبع أيام، سبع آيات في الفاتحة). بهذا، يصبح اختيار السبعة نوعًا من المبارزة الرمزية مع المقدس الذكوري، إذ تعيد الشاعرة توظيف الرمز وتفكيكه في آن. إنها لا تلغي المقدس، لكنها تستدعيه لتقول ذاتها من داخله، بصوت الأنثى الحرة.
ولعل الإهداء لرجلين، مصطفى وناصف، يفتح سؤالاً إضافيًا: كيف لشاعرة متمردة على الذكورية أن تهدي كتابها لرجلين؟ لكن القراءة المتأنية للإهداء تكشف أن الرجلين ليسا مجرد "رجال"، بل هما شركاء في التمرد، في الرفض، في الشعر بوصفه مساحة حرية لا تقبل الوصاية. مصطفى الذي "يعتصر الحور في دنان الحروف"، وناصف الذي "حبلت به القصيدة وأرضعته الأرصفة لبن التمرد"، هما في الحقيقة وجهان للرفض الإبداعي الذي تشترك فيه ليلى ناسمي معهما، فيكون الإهداء تحالفًا رمزيًا بين أصوات متمردة، وليس خضوعًا أو تنازلًا.
هذا النفس التمردي يتسرب إلى نصوص الديوان نفسها، كما في قصيدتها التي تقول فيها:
في العشق أعشق النهايات حبلى باحتمال بدايات مؤجلة أعشق فراغ القلب وامتلاء العين بالعابرين...
في هذا النص القصير، تفتح الشاعرة نافذة جديدة على الحب. الحب، كما في المخيال الجمعي، يبدأ بلحظة اكتشاف وسحر، ويتوق إلى امتلاء القلب بالحبيب، لكنه هنا يتحول إلى عشق للنهايات، لا باعتبارها موتًا، بل باعتبارها ولادة مؤجلة، مثل رحم يحمل جنينًا لم يكتمل بعد. بهذا المعنى، النهايات ليست فقدًا بل احتمالا، والنص يعيد تعريف الزمن العاطفي باعتباره دورة مستمرة من التكوين والهدم، دون يقين نهائي.
ثم يأتي الاعتراف بعشق "فراغ القلب"، وهذا الاعتراف يقلب معادلة الحب رأسًا على عقب. فبينما يُفترض أن يكون الحب امتلاءً، يأتي النص ليقول: الحب فراغ. ليس فراغًا ينطوي على نقص أو وحشة، بل فراغًا ضروريًا، مساحة حرية تسمح للذات أن تظل متجددة. هذا الفراغ يقابله "امتلاء العين بالعابرين"، وكأن الحب ليس ارتباطًا بشخص واحد، بل هو انفتاح على احتمالات لا نهائية من اللقاءات، والتجارب العابرة التي تُغني ولا تُقيد.
العابرون هنا ليسوا مجرد آخرين عابرين، بل هم انعكاسات للذات في مرايا متحركة، حيث كل لقاء فرصة لاكتشاف الذات بشكل جديد. بهذا المعنى، الحب كما ترسمه ليلى ناسمي، ليس بحثًا عن استقرار، بل عن زلزلة دائمة، عن ارتحال داخلي يعيد تشكيل الذات باستمرار.
رمزيًا، هذه الفلسفة في الحب تتناغم مع فلسفة الرفض التي يقوم عليها الديوان كله. فكما ترفض الشاعرة التبعية لحواء، وترفض التشابه مع الآخرين، وترفض المقدس الذكوري الأحادي، فهي ترفض أيضًا الحب الأحادي المستقر، لتقدم بديلاً شعريًا هو الحب العابر المتجدد، الذي يحتفي بالنهايات كما يحتفي بالبدايات، ويرى في الفراغ مساحة للحرية وليس للحزن.
ويستمر تدفق الرفض، وتعلو لغة التمرد والتحدي في جميع نصوصها، ومنها النصوص التالية:
أنا العرافة ...
ففي المقطع الأول من القصيدة نجد العرافة تتخذ موقفًا قويًا ينطوي على تحدٍّ صريح، إذ تتحدث دون خوف من الآخرين، وتواجه شكوكهم بجرأة، متسائلةً: "من يجرؤ على لوم الخرافة إن هي صدّقتها يومًا؟". هذا السؤال الاستفهامي الإنكاري يعكس ثقة العرافة في قلب المعادلة وجعل الخرافة ذاتها في صفها. هذا التحدي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بروح التمرد التي تميز ليلى ناسمي في ديوانها "حواء ليست جدتي"، حيث ترفض القوالب الجاهزة وتنقض السائد. وفي هذا المقطع تحديدًا، تتحول العرافة إلى رمز للحدس الأنثوي القوي والتجربة الذاتية التي تُعيد كتابة الأسطورة، تمامًا كما تفعل ناسمي في ديوانها، حيث تسرد تجربتها كامرأة ترفض أن تكون مجرد امتداد لحواء التقليدية.
في المقطع الثاني "لعنة الصمت وطوقته الظنون"، تظهر العرافة من زاوية أخرى، أكثر قتامة وامتلاءً بالمعاناة الداخلية. لم تعد العرافة هنا مجرد مصدر للرؤى، بل تحولت إلى ضحية لصمت مفروض وظنون تحاصرها. عبارة "لعنة الصمت" تشير إلى القيود المجتمعية التي تُكمم صوتها وتحرمها من التعبير الحر عن ذاتها، بينما "طوقته الظنون" ترسم صورة لشكوك تحاصرها، فتدفعها إلى عزلة قسرية. هذا الصراع الداخلي الذي تعانيه العرافة يعكس صراع المرأة في مجتمع ذكوري، وهو محور رئيسي في "حواء ليست جدتي"، حيث توثق ناسمي كيف تُسجن المرأة داخل صورة نمطية وتُفرض عليها قيود الصمت وعدم الثقة.
بين المقطعين يتضح بجلاء تقاطع القصيدة مع الروح العامة لديوان "حواء ليست جدتي"، فالعرافة في القصيدة تجسد المرأة في عالم ليلى ناسمي الشعري: امرأة قوية متحدية، لكنها في ذات الوقت تدفع ثمن تمرّدها وتعيش حصار الشكوك المجتمعية. القصيدة والديوان معًا يقدمان رفضًا عميقًا للقوالب التقليدية، ومحاولة جريئة لإعادة تعريف الهوية الأنثوية خارج إطار الحكايات الجاهزة. حتى الأسلوب الشعري في هذه المقاطع، المعتمد على التكثيف والتوتر الدلالي وتوظيف مفردات بسيطة ذات أبعاد رمزية غنية، ينسجم تمامًا مع أسلوب ناسمي. كما أن فكرة "الصمت والظنون" تعدّ فكرة جوهرية في الديوان، حيث يتم تصوير المرأة دومًا كصوت مهدد بالإسكات وككيان مطوّق بالريبة، ما يجعل القصيدة امتدادًا طبيعيًا لصوت ناسمي الشعري الرافض والمتمرّد.
في نص "في البار"، يُنقلنا النص إلى فضاء البار، لكنه لا يظهر كمجرد مكان عابر لشرب الخمر، بل يتحول إلى رمز يعكس الحالة الداخلية للشاعرة. البار يتماهى مع شجون القلب، فتتلاشى الحدود بين الداخل والخارج، ويغدو البار مرآة للأوجاع الحميمة. البار هنا فضاء للانعتاق من قيود المجتمع والدين، ومساحة تجسد فيها الذات الحرة بكل تناقضاتها: الألم واللذة، الصمت والضجيج، الحضور والغياب.
وسط هذا الفضاء يظهر "الرفيق الأنيق"، الذي ليس مجرد عابر سبيل، بل شاهد داخلي يقرأ المكان بعينيه المفعمتين بالضجر، ذلك الضجيج الأليف الذي يتسلل إلى الأرواح المنهكة. العلاقة بين الشاعرة ورفيقها ليست علاقة حب تقليدية، بل انعكاس لحالة مشتركة من التيه والضياع، وكأنهما مرآتان تعكسان لبعضهما حقيقة البار وحقيقة العالم المتشظي داخله.
لكن الليل لا يتوقف هنا، إذ يظهر "النذل الذي صب في جوف الليل"، وهو كائن رمزي يمثل القوى التي تتلاعب بالقلب وتملؤه بما لا يُحتمل. هذا النذل قد يكون تجربة عاطفية جارحة أو قيدًا اجتماعيًا أو دينيًا جاثمًا على الروح. الامتلاء الذي يفرضه هذا النذل ليس سعادة، بل امتلاء بالحزن، حيث يتحول الفراغ إلى عبء ثقيل. هكذا يصبح الألم هو الجوهر، والفراغ لا يُملأ إلا بأشكال جديدة من الخيبة.
تتوالى التحولات حتى "يغص الخريف وتتعثر كلمات الرب وتبعثر روايات الأنبياء". هنا تنهار القيم الكبرى، ويصبح الخريف رمزًا للذبول والانتهاء. الله نفسه يتعثر، وكأن المقدس يفقد يقينه، وتتحول الروايات المطلقة إلى شظايا مبعثرة بلا مركز. ليست هذه الصور مجرد انفعالات عابرة، بل إعلان عن أزمة وجودية عميقة، حيث تتهاوى كل السلطات الرمزية التي تمنح العالم معناه ويقينه.
اللغة الشعرية في النص تُعمّق هذا الإحساس بالفوضى والتمرد. الكلمات مكثفة والرموز مشحونة بدلالات متعددة، والأفعال الماضية تخلق إحساسًا بالثبات، وكأن كل شيء قد حدث بالفعل، ولم يعد ثمة مجال للتراجع أو التصحيح. المشاعر ليست احتمالات، بل حقائق محفورة في الذاكرة ومحكومة بالقدر.
يتقاطع النص السابق مع تجربة ليلى ناسمي الشعرية بوصفه رفضًا صريحًا للقيود الاجتماعية والدينية، حيث تتحول الكتابة إلى فضاء للحقيقة المطلقة، بلا تجميل أو مواربة. البار هنا فضاء لولادة الذات الحرة التي تواجه تناقضاتها حتى أقصاها. النص يعيد رسم الهوية الأنثوية ليست كضحية، بل كذات تحتضن ضعفها بقدر ما تحتضن قوتها، معلنة هزيمتها كجزء من هويتها. الألم ليس عارًا، بل حقيقة وجودية تتقاطع مع الحب والفقد والخيبة.
الرمزية والأسطورة تحضران بقوة، حيث تُفكك الأساطير الدينية والاجتماعية وتُعاد كتابتها. السقوط الحر من فضاء المقدس إلى البار هو إعلان عن تمرد شعري ورؤية جديدة للعالم. الحب نفسه يظهر مصدرًا للألم لا للخلاص، كجرح يملأ فراغ القلب، فلا يعرف القلب سوى هذا الامتلاء النازف.
في النهاية، يتجاور الصمت والضجيج، وكأنهما وجهان لحقيقة واحدة. القلب الفارغ والمثقل معًا، الضجيج الأليف في الداخل، كلها ملامح لتجربة أنثى تعيد تعريف ذاتها في مواجهة العالم، محولةً تناقضاتها إلى شعر مكتوب بحبر الجرح والتمرد معًا.
في نص "الأبواب"، نواجه فلسفة ناسمي في التحرر من الحدود. "لا أبواب، لا نوافذ" ليست مجرد وصف مكاني، بل إعلان وجودي يرفض كل ما يحد الذات. هذا الفضاء المفتوح يذيب الفواصل بين الداخل والخارج، وتتحول الذات إلى كيان متحرر تمامًا. عبارة "تفصني عني" تعكس رغبة في الذوبان داخل الذات، بحثًا عن أقصى درجات التصالح.
وما الذي يحمله نص أخرج إن على مستوى الدلاة وإن على مستوى الإيقاع والصور؟
يقول نص "أخرج":
الحبر لا يكفي لقول الجسد المستباح الجراح،
الجراح ظلال طاعنة في الروح،
الروح وطن بلا سياج،
السياج ديباجة الحزن
الحزن اه ملحدة بين الضلوع،
الضلوع تضلعت في الأنين،
والأنين قلب تورم بالحنين.
في النص أعلاه، تستمر الشاعرة في استكشاف ثنائية الجسد والروح، حيث يظهر الجسد المستباح كرمز لانتهاك متعدد الأبعاد، يتجاوز التجربة الشخصية إلى معاناة إنسانية أشمل. هذا الجسد يحمل في طياته معاناة المرأة في مجتمع ذكوري، ومعاناة الإنسان في عالم قاسٍ لا يرحم هشاشته. ومن خلال عبارة "الجراح ظلال طاعنة في الروح"، يصبح الألم تجربة متجذرة في عمق الكيان الروحي، وليس مجرد إحساس عابر بالجسد.
الروح في النص تمثل وطنًا بلا سياج، أي فضاءً مفتوحًا على الاحتمالات كافة، دون حماية أو قيود، وهو ما يعكس هشاشتها رغم حريتها المطلقة. هذا التصور يتقاطع مع فكرة "مشرعة أنا" الواردة في النصوص السابقة، حيث الذات في حالة انكشاف دائم على الألم والتمرد والحب والفقد. الروح هنا ليست كيانًا مغلقًا أو محميًا، بل هي مساحة مشرعة للعالم بكل ما فيه من قسوة ودهشة.
الحزن في النص يأخذ بعدًا فلسفيًا وجوديًا، حيث يوصف بأنه "ملحدة بين الضلوع". هذا التعبير الجريء لا يشير إلى الإلحاد العقائدي فحسب، بل يعبر عن تمرد على الصور النمطية للمقدس التي فرضها المجتمع. إنه رفض للهيمنة الدينية والاجتماعية، تمامًا كما هو رفض لقوالب الهوية الأنثوية المفروضة. هذا التمرد على المقدس يتردد صداه في شعر ليلى ناسمي، التي تعيد تعريف العلاقة بين المرأة والمقدس الذكوري.
أما "الأنين قلب تورم بالحنين"، فهو صورة تجمع بين الألم والشوق في علاقة عضوية، حيث يصبح الألم هو الثمن الحتمي للحنين. الحب والفقد في هذا السياق ليسا حالتين منفصلتين، بل هما وجهان لعملة واحدة، يتداخلان في نسيج التجربة الوجودية للشاعرة. هذا التداخل يعيدنا إلى النصوص السابقة التي تتميز بتشابك الحب والألم كوحدة شعورية لا يمكن فصلها.
على المستوى الفني، يعتمد النص على التكرار كأداة إيقاعية وشعورية في آن. تكرار مفردات مثل "الجراح"، "الروح"، "السياج"، "الحزن"، "الضلوع" و"الأنين" يخلق إيقاعًا دائريًا حزينًا، يرسّخ الشعور العميق بالألم. هذا التكرار يعكس أيضًا حضور الذات المتفردة، تمامًا كما في قصيدة "لست مثلكم" حيث يتكرر ضمير "أنا" لتأكيد الهوية الفردية المتمردة.
الصور الشعرية المستخدمة في النص قوية ومكثفة، تفتح أفقًا دلاليًا واسعًا. عبارات مثل "ظلال طاعنة في الروح"، "وطن بلا سياج"، "ملحدة بين الضلوع"، و"قلب تورم بالحنين" تحمل معاني متعددة تتجاوز المعنى المباشر، وتُحمّل اللغة بطبقات شعورية وفكرية عميقة. هذه البنية التصويرية تتسق مع أسلوب ليلى ناسمي، الذي يقوم على التكثيف والتوتر الدلالي، حيث كل كلمة مشحونة بطاقة شعورية مكثفة.
في النهاية، يعكس النص روح التمرد التي تميز تجربة ليلى ناسمي الشعرية، حيث تتقاطع الحرية مع الهشاشة، والحب مع الفقد، والصمت مع الضجيج الداخلي. النص يعيد تعريف الهوية الأنثوية بوصفها هوية متناقضة، تجمع بين القوة والضعف، بين الرغبة في التحرر والخوف من الانكشاف. كما يوظف النص الرموز والأساطير لإعادة كتابة الواقع، بما يجعل تجربة الشاعرة امتدادًا لرحلة أوسع في التاريخ والرمز والأسطورة. بهذا المعنى، يصبح النص شهادة شعرية على تمرد أنثوي يعيد تعريف العالم من خلال الذات المجروحة والمنفتحة على احتمالات بلا نهاية.
الأبواب
لا أبواب
لا نوافذ
تفصني عني
مشرعة أنا
على مبتدأ الظن
ومنتهى الاحتمال
في هذا النص تعبر الشاعرة عن فلسفتها القائمة على التحرر من الحدود والقيود. عبارة "لا أبواب، لا نوافذ" ليست مجرد وصف مكاني، بل إعلان وجودي يرفض كل ما يحد الذات أو يقيدها. هذا الغياب للأبواب والنوافذ يفتح فضاءً بلا حدود، حيث تتلاشى الفواصل بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، فيصبح الكيان الإنساني متحررًا من كل جدران مادية أو معنوية.
في هذا النص، تنكشف الذات بشكل كامل، فهي لا تضع حواجز بينها وبين نفسها أو بينها وبين العالم. عبارة "تفصني عني" تعكس رغبة الشاعرة في الذوبان داخل ذاتها، وكأنها تبحث عن أقصى درجات المصالحة بين الداخل والخارج. أما قولها "مشرعة أنا"، فهو إعلان عن حالة من الانفتاح التام، حيث تتحول الذات إلى فضاء شفاف، لا يخفي شيئًا ولا يخشى شيئًا، بل يحتضن احتمالات الوجود كافة.
يتجلى في النص أيضًا حضور قوي للظن والاحتمال، وهما عنصران يعكسان رؤية وجودية قلقلة، حيث لا شيء ثابت ولا حقيقة مكتملة. "مبتدأ الظن ومنتهى الاحتمال" يضعان الذات في حالة من الترقب المستمر، والانفتاح على كل ما هو ممكن، وكأن الذات هنا مشروع دائم لإعادة التشكل. هذا التوجه يعكس رغبة الشاعرة في تجاوز كل الثوابت، وفي كتابة هوية متجددة لا تخضع لأي يقين أو قوالب جاهزة.
روح التمرد التي يحملها النص تتناغم مع شخصية ليلى ناسمي الشعرية. هذا النص يرفض القيود الاجتماعية والدينية، كما يرفض التصورات التقليدية عن المرأة وحدودها. "لا أبواب، لا نوافذ" هنا ليست مجرد صورة شعرية، بل موقف وجودي يعيد رسم صورة المرأة بوصفها ذاتًا حرة، قادرة على تجاوز الحواجز المفروضة عليها، سواء من المجتمع أو من النصوص المؤسسة التي حاصرت صورتها على مر التاريخ.
الهوية الأنثوية في هذا النص ليست هوية مغلقة أو معطاة مسبقًا، بل هي مشروع مفتوح على احتمالات التشكّل والتجدد. "مشرعة أنا" تعبير يحمل قوة رمزية، حيث المرأة هنا تتحول إلى فضاء مفتوح على التجربة والحياة، إلى هوية لا تكفّ عن إعادة تعريف ذاتها. هذا التوجه يجعل النص يتجاوز مفهوم الحب والفقد التقليدي، ليضع الذات في مواجهة حريتها أولًا، وكأنها تقول إن تجاوز الألم لا يكون إلا بالانفتاح على احتمالات جديدة للوجود.
هذا النص أيضًا يتسم بهدوء داخلي عميق، فغياب الأبواب والنوافذ ليس فقط فعل تمرد خارجي، بل هو أيضًا شرط للسلام الداخلي، حيث تتصالح الذات مع نفسها وتتحرر من الضجيج الخارجي. "مشرعة أنا" هنا ليست مجرد وصف لحالة جسدية أو مكانية، بل هي وصف لحالة وجودية، حيث الذات تحتضن صمتها وسكينتها، وتستعد في الوقت ذاته لكل الاحتمالات القادمة.
بهذا المعنى، يمكن اعتبار هذا النص نافذة مهمة لفهم تجربة ليلى ناسمي الشعرية، بوصفها تجربة تتسم بالتمرد والقلق والتجدد، لكنها في الوقت ذاته تجربة تسعى نحو التصالح مع الذات والعالم، في فضاء مفتوح، بلا حدود، ولا يقين.
أسلوبيًا، النصوص تقوم على التكثيف والتوتر الدلالي، حيث المفردات البسيطة محملة بأبعاد رمزية عميقة. اللغة ليست مجرد أداة، بل هي فضاء للتأويل والتوتر بين الظاهر والباطن، بين السائد والمسكوت عنه. هكذا يصبح النص ذاته تمردًا لغويًا، يعيد تعريف الحب، والشعر، والأنوثة، في آن.
في النهاية، يمكن اعتبار ديوان "حواء ليست جدتي" بيانا شعريا-وجوديا، يعيد كتابة الأسطورة من منظور أنثوي متمرد، ويعيد تعريف الحب بوصفه مساحة حرية، لا قيدًا أو امتلاكًا. ليلى ناسمي في هذا الديوان لا تكتب الشعر فقط، بل تكتب ذاتها المتمردة، وتصنع أسطورتها الشخصية، التي تبدأ من الرفض، ولا تنتهي عنده، بل تحوله إلى طاقة خلاقة تكتب بها العالم كما تراه: عالم بلا يقين، بلا نهايات مغلقة.