محمد بشكار - مُعتصمْ أقوى من الألمْ..!

على الرغم من كل التراكم الأدبي الذي قد نرفع بكتبه قاماتنا دون أن نلمس سقفا ليس بالعلو الكافي الذي تُزيِّنه لنا أحلام لا حدود لطموحها الشاهق أعلى من حلم تحت الوسادة..!
على الرغم من كل الأكاذيب التي نفتري بأوهامها على أنفسنا، لنستمر في الحياة متوازنين و لو مشينا على حافة الهاوية المتاخمة دائماً لموت قد يردينا في أي لحظة لا تُمهل العمر دقيقة واحدة لنكمل آخر جملة في كتاب أو قصيدة..!
رغم الكذب على أنفسنا بكل شيء نصنعه بأيدينا و قد يصبح في لحظة عطب جسدي أو نفسي لا شيء، إلا أننا نصل في آخر سيرتنا الذاتية إلى الإنسان الذي يسكننا و لم نتعرف عليه طيلة عمرنا الطويل أو القصير إلا في لحظة المرض؛ أجل ذلك ما وصلت إليه حين وصلت إلى نفسي في قرارة جوهرها وقد بلغ بي المرض أشده، فاكتشفت في هشاشته قوتي؛ وصلت لنفسي لأصافحني و كأني أتعرف لأول مرة على إنسان غريب، و أكلمني بأفكار أصيلة بدون أحرف و لا تمت للورقة إلا في بياضها الأخرس؛ لأول مرة أكتشف أن بعض الكلام ليس في حاجة إلى لغة معلبة في القواميس؛ لأول مرة أُجالِسُني لأتحدثَ إليَّ و أتعرف على الرجل الذي هو أنا بعد أن ضيَّعْتُهُ في زحام غفير من الناس أعرفهم جميعا إسما .. إسما إلا شخصا و احدا لم يتركني انشغالي بالناس أن أعرفه هو أنا..!
هكذا هو المرض يعيدنا إلى أنفسنا التي لم تكن ملكنا خصوصا إذا كان المرء أديبا أو فنانا يستعبده الرأي العام..!
ذلكم على الأقل أو الأكثر ما استشعرته دون أن أدعي أنه يكتنف في سفسطته فلسفةً قد تفيد أحدا بأفكارها النابعة من ذاتية إنسان اختبر المرض دون أن يستسلم للفراش طريحا..!
و كذلك شعرتُ أن نفس التجربة تتكرر و إن اختلفت في طبيعة المرض، مع الأديب و الناقد المغربي الوديع محمد معتصم، حين كلَّمْتُهُ بالهاتف فسمعتُ صوتا يكاد يجلجل في وهنه بالرعد، كان قويا في عزيمته التي تريد أن تغادر فراش المرض في أقرب وقت، رغم كل الأعطاب التي تثقل الجسد بشللها المريع؛ لقد اكتشف محمد معتصم نفسه و علم أن كل هذا الرماد الذي يُلفِّع مرحلةً من مراحل حياته تكفيه من الإرادة نفخةٌ واحدة ليتطاير و تذروه الأنفاس، و يقوم بَدَلَهُ بركانٌ يُعَبِّر في انفجاره عن حياة جديدة لا تعرف خمودا..!
لن أسهب في استحضار عناوين كتب محمد معتصم التي تكفي نقرةً واحدة في غوغل لتحضر كما لو كانت في أبهتها و رونقها عرش بلقيس محمولا على أكتاف الجن؛ لأن معتصم رغم كثرة منجزه الأدبي الذي أثرى الخزانة المغربية و العربية بكل نفيس في حقل النقد، يبقى أكبر منها بالإنسان في أسمى و أسطع تجليات خصاله الحميدة؛ النبل، و الشهامة و الموقف الشجاع الذي يقفه معك قلما و قدما في وقت قد يتخلى فيه عنك الجميع..!
أعود مرغما إلى (رغم) التي أَبَتْ إلا أن تكون بِجَرْسِها الحزين لازِمةً في هذه الكلمة، لأقول رغم أن الصديق محمد معتصم عصيٌّ بسيرته الأدبية و العلمية الحافلة كما و كيفا عن كل إيجاز، إلا أن الحزن يضيق بعبارتي لأقول ليس من باب العزاء طبعا بل من معرفتي بشخصيته العنيدة التي لا تَفِلُّها المحن و لو قُدَّتْ من حديد؛ إن معتصم أقوى من الألم، و لن يثنيه هو الينبوع الهادر، مرض عابر عن العودة بكل العنفوان إلى القلم..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 19 يناير 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى