محمد احمد طالبي - الزجل بين الإبداع الحقيقي والابتذال: قراءة نقدية في راهن التجربة الزجلية (الجزء الثاني)

(الجزء الثاني)


الزجل فن شفهي أصيل، تَشَكَّلَ عبر العصور ليكون مرآة لنبض المجتمع وصوتا له، حاملا في طياته روح الإبداع اللغوي والموسيقي. غير أن المشهد الزجلي اليوم يعيش أزمة حقيقية، حيث نجد نصوصا تزعم الانتماء إلى الحداثة والتجريب، لكنها وبصدق، لا تمتلك مقوّمات الزجل الأصيل، فتسقط في الابتذال والمسخ والانفلات الدلالي والشكلي، بل ويذهب بها البعض منهم إلى درجة (الإرجاع أو القيء) الإبداعي، أي التكرار الأجوف لمفردات وجُمل لا تحمل أي عمق جمالي أو دلالي. مقابل ذلك، يظل العديد من المبدعين الحقيقيين خارج دائرة الضوء، إما لأسباب مادية تحول دون النشر، أو لغياب نقاد حقيقيين يمارسون دورهم في الكشف عن التجارب الأصيلة بدل انتظار النصوص أن تبحث عنهم.
الزجل بين الإبداع الحقيقي والابتذال: قراءة نقدية في راهن التجربة الزجلية
(الجزء الثاني)
الزجل فن شفهي أصيل، تَشَكَّلَ عبر العصور ليكون مرآة لنبض المجتمع وصوتا للمهمشين، حاملا في طياته روح الإبداع اللغوي والموسيقي. غير أن المشهد الزجلي اليوم يعيش أزمة حقيقية، حيث نجد نصوصا تزعم الانتماء إلى الحداثة والتجريب، لكنها وبصدق، لا تمتلك مقوّمات الزجل الأصيل، فتسقط في الابتذال والمسخ والانفلات الدلالي والشكلي، بل ويذهب بها البعض منهم إلى درجة (الإرجاع أو القيء) الإبداعي، أي التكرار الأجوف لمفردات وجُمل لا تحمل أي عمق جمالي أو دلالي. مقابل ذلك، يظل العديد من المبدعين الحقيقيين خارج دائرة الضوء، إما لأسباب مادية تحول دون النشر، أو لغياب نقاد حقيقيين يمارسون دورهم في الكشف عن التجارب الأصيلة بدل انتظار النصوص أن تبحث عنهم.

الإبداع في الزجل: مقوماته وشروطه
الإبداع في الزجل لا يقوم على مجرد اللعب بالكلمات أو كسر قواعد اللغة والتراكيب، بل هو عملية جمالية وفكرية عميقة تزاوج بين:

التفرد اللغوي والصوري:

الزجل المبدع هو ذلك الذي يُحدث الدهشة لدى المتلقي، سواء من خلال توظيف صور غير مألوفة، أو عبر إعادة تشكيل اللغة الدارجة بطريقة تُحمِّلها دلالات جديدة.

الإيقاع الداخلي والخارجي:

فالزجل ليس مجرد كلام منظوم، بل هو بناء موسيقي يفرض تناغما بين الوزن والنبرة والصوت الداخلي للنص.

الصدق الفني والتعبيري:

الإبداع الزجلي ينبع من تجربة وجدانية أو فكرية صادقة، تُترجم بأسلوب راق بعيد عن المباشرة والسطحية.

الارتباط بالواقع والتعبير عنه بذكاء:

الزجل، وإن كان ينبع من ذات المبدع، يظل فنّا تواصليا يحاكي الواقع بلغة رمزية أو صريحة، لكنه لا يقع في فخ التقريرية والخطابية.

بين الحداثة والابتذال: متى يكون الزجل خروجا عن روح الفن؟
كثيرون يعتقدون أنّ التجريب في الزجل يعني تجاوز جميع القواعد، فيسقطون في فوضى لغوية لا تمت إلى الفن بصلة، فيتحول النص إلى مجرد رصف كلمات بلا معنى، أو توظيف لجمل مبتذلة تحت ذريعة الحداثة والانفلات من القوالب القديمة. هذه الظاهرة جعلت بعض النصوص المائعة تُنشر في دواوين، لا لكونها تحمل قيمة إبداعية، بل لأنّ معايير النشر لم تعد خاضعة للنقد والتقييم، بل تتحكم فيها أحيانا المصالح الذاتية أو السعي وراء الإثارة والغرائبية.
إنّ الحداثة في الزجل لا تعني القطيعة مع الموروث، بل تعني تطويره بأساليب جديدة تُحافظ على أصالته، وتُضيف إليه أبعادا جمالية وفكرية أعمق، (وهذا مانراه اجتهاد يحسب لبعض من أهل الزجل)، فالفرق بين الإبداع الحقيقي والانحراف نحو الابتذال يكمن في القدرة على التجديد دون السقوط في التفاهة، والتجريب المذموم، وعلى كسر النمطية دون التلاعب المجاني باللغة والصورة.

معضلة النقد والنشر: هل يقتصر النقد على ما يُفرض عليه؟
في ظلّ هذا الواقع، نجد أن العديد من المبدعين الحقيقيين، الذين يمتلكون أدوات الزجل بكل أبعادها الجمالية والفكرية، يعيشون في الظلّ، إما بسبب ضعف الإمكانيات المادية التي تحول دون نشر أعمالهم، أو بسبب غياب نقاد قادرين على البحث عن النصوص الجيدة بدل انتظارها؛ وأحيانا ما يُهيمن الإعلام على توجيه المشهد الأدبي، فيتمّ تسليط الضوء على تجارب سطحية، بينما تظل الأصوات الإبداعية الحقيقية خارج دائرة الاهتمام.
والنقد الأدبي، باعتباره ممارسة جمالية وتحليلية، ينبغي أن يكون فعل بحث وتنقيب دؤوب، يتجاوز مجرد الاستجابة السطحية لما يُطرح في الساحة الثقافية أو ما تفرضه الهيمنة الفكرية السائدة. فالنقد الحقيقي ليس مجرد رد فعل عابر، بل هو عملية استكشاف عميق للنصوص الرصينة، وإضاءة مكامن الجمال والإبداع فيها، دون أن يظل الناقد في موقع المتلقي السلبي، أو ينغلق داخل أبراج عاجية من الوهم، منتظرا أن تفرض عليه النصوص حضورها، او يترجاه المبدع.
إن دور الناقد لا يقتصر على المواكبة الشكلية، بل يمتد إلى الغوص في جوهر الإبداع، واكتشاف ما يستحق الاحتفاء، بعيدا عن التأثر بالضجيج الثقافي (الحركة الخاوية) أو التوجهات المفروضة ممن يدعي اهتمامه بالإبداع واحتضان أهله، فالنقاد الحقيقيون هم أولئك الذين يملكون رؤية نقدية مستقلة، ويبحثون عن القيمة الحقيقية للنصوص، لا أولئك الذين يكتفون بمجاراة التيار السائد والانقياد لموجاته العابرة.
وهنا أقول ما السبيل نحو مشهد زجلي أكثر توازنا؟
للنهوض بالزجل والحفاظ على جماليته، لا بد من إعادة الاعتبار لقيمتين أساسيتين:

الجودة في النشر:

ينبغي أن تخضع الأعمال الزجلية المنشورة لمعايير نقدية وفنية واضحة، تستند إلى أسس دقيقة تراعي طبيعة الزجل كفن شفوي نابض بالحياة، مع التمييز بين الإبداع الأصيل الذي ينبع من عمق التجربة والوجدان، وبين المحاكاة السطحية التي تفتقر إلى الروح والجدة. فليس كل ما يُكتب زجلا يرقى إلى مستوى الإبداع، إذ إن العمل الزجلي الحقيقي هو ذلك الذي يمتلك بصمته الخاصة، ويعكس رؤية فنية متفردة، بعيداً عن التكرار والاجترار. من هنا، يصبح النقد مسؤولية جوهرية في غربلة المشهد الزجلي، وتسليط الضوء على الأعمال التي تحمل قيمة فنية وأدبية حقيقية، بعيدا عن المجاملات والانطباعات العابرة.

إحياء دور النقد الجاد:

يجب أن يتحرر النقد من النمط الاستهلاكي الذي يلاحق ما هو سائد فقط، ليعود إلى دوره الفعلي في التنقيب عن الأصوات الإبداعية الحقيقية وتقديمها للقارئ.
وللأسف الشديد، بعض النقاد يتكئون على أساليب أكاديمية جافة، مستعينين بمراجع غربية بعيدة عن روح الزجل وسياقه الثقافي، متجاهلين جذوره الشعبية وامتداداته في الوجدان الجمعي. إن التعامل مع الزجل بمعايير نقدية مستوردة لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصيته التعبيرية وطبيعته الشفوية، يجعل النقد مجرد قوالب جامدة لا تلامس عمق التجربة الزجلية ولا تنصف فرادتها. فالنقد الحقيقي ينبغي أن ينبع من روح النص ذاته، متوغلا في نبضه الشعبي وإيقاعه الحي، لا أن يُسقط عليه مقاييس بعيدة عن بيئته الأصلية، مما يفقده جوهره وخصوصيته.
بهذا، يمكن للزجل أن يستعيد مكانته كفنّ راق، بعيدا عن موجة الابتذال التي تهدد جوهره، ليظل صوتا صادقا يعبر عن الإنسان والمجتمع بلغة نابضة بالحياة.

محمد احمد طالبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى