ونحن نقارب مجموعة فاطمة البسريني القصصية، "أكتب داخل رأسي"، تملكنا مزيج من مشاعر الإعجاب والامتعاض، إزاء كاتبة مشهورة ومغمورة في آن. إذ كيف نفهم شهرتها وذيوع اسمها في منابر إعلامية وثقافية عربية، في الوقت الذي بقيت مغمورة على صعيد الساحة الثقافة المغربية. أو بصيغة أخرى : لماذا حظيت كتاباتها الشعرية والقصصية بالإعجاب خارج الوطن، بينما قوبلت عندنا بتجاهل النقاد المغاربة، علما أن فاطمة البسريني، غزيرة الإنتاج، مدهشة في كتاباتها وبسط أعمالها؟!
ومن أهم هذه الأعمال :
* "أنتظر الموت"، "موناليزا"، "أنا لست امرأة"، الآقون"، "الروح المجرمة"،"آداب الرعب"، "نيكتوفيليا أو صديق الليل"، وديوان "الفصول الأربعة" المشترك، وغيرها مما جادت به قريحتها الإبداعية.
ومن الذين قرأوا مجموعتها القصصية "أنا لست امرأة" على سبيل الحصر، الناقد المصري زكريا صبح.
ولتقريب الكاتبة، فاطمة البسريني، من القراء أكثر، فهي من مواليد دار الحمرا التابعة لإقليم صفرو، جهة فاس مكناس. نشأت في ظروف اجتماعية حارقة، مضطربة وشديدة التعقيد. اكتوت بنار الحياة، فانتابها خوف شديد على مسارها ومصيرها. وقد أبانت عن ذلك في حوار جمعها بالكاتب ناقوس المهدي بتاريخ : 18/ 2024/7. موقع الأنطولوجيا.
يقول الفنان المغربي محمد علوي، في نص شاعري، مرفق بلوحة الغلاف، يجمل فيه المجموعة القصصية، مقتحما ما يقارب عوالمها النفسية :
"حين لا نملك سوى التعاطف
لنقرأ في العيون البائسة،
نلامس الصمت
حيث تختبئ الصرخات،
نخفف التعب
في أنفاس مكسورة
وفي ظهور انحنت تحت الأعباء.
******
حين لا نملك سوى العواطف،
لنجفف سيل الدموع
حينها نصبح شعلة
تطفئ ظلال الحزن
وتغدو أملا وخلاصا
لمن فقدوا الإيمان."
حول منهج المقاربة :
ونحن نقارب هذا الجنس الأدبي، ممثلا في القصة القصيرة، تحضرنا أساسا، على مستوى المنهج، أهمية التحليل النفسي وجدواه في مقاربة هذا النوع من النصوص. ويعود ذلك لسببين : ما عرفته تجارب نقاد القصة القصيرة، من نتائج مشجعة، كما حدث في مقاربة تجربة يوسف إدريس مثلا، أو حين تم الاشتغال على مفهوم الليبيدو، كطاقة فعالة تنم عن إشباع الرغبات والاحتياجات النفسية، وتبحث في الوقت نفسه في سر الإبداع ومعرفة خباياه. بل إن الليبيدو يعتبر أساس نشأة الحضارات الإنسانية. والأمر نفسه ينطبق على تجربة فاطمة البسريني، لما ترشح به شخوصها من فيض في المشاعر ودفق في الأحاسيس، بالشكل الذي يصعب إيقاف جريان ما تجود به قريحة الكاتبة، حيث الدموع سخية، تذرفها ساخنة بغرض التخفيف من صدماتها. إن تبني المنهج النفسي في مقاربة هذا النوع من النصوص السردية، لن يكتمل إلا في علاقته بالبعد الاجتماعي وغيره من التمظهرات النصية. لذا سنكون في حاجة ماسة إلى تبني منهج توفيقي تكاملي يعضد المنهج النفسي ويحتويه. فحين نقرأ نصوص "أكتب داخل راسي"، ونفكك عوالمها، نقتحم للتو عالم الشعور كإدراك واع لما انتاب القاصة من أحاسيس الحب والتوتر والغضب، في الوقت نفسه الذي يحضر فيه الشعور. وبموازاة معه يحضر اللاشعور ممثلا فيما لا يدرك من مخاوف آنية وآتية، لن يكون بإمكان شخصية حليمة التنبؤ بما تخفيه الأيام القادمة. وعموما تكمن علاقة الشعور باللاشعور هنا في قدرة القاصة، كذات مبدعة، على استحضار مشاعر معبر عنها في الحالتين معا، بكل مقوماتهما النفسية والاجتماعية. الشيء الذي يسهل مامورية المتلقي في فهم خبايا "أكتب داخل رأسي"، وتحديد طبيعة ما تختلجه عوالمها من مقومات داخلية، وخارجية. فلا مناص إذن أن يجد النقاد ضالتهم في جدوى النبش في مفهوم اللبيدو، كأداة ناجعة لفهم سر الإبداع القصصي، وتحفيز الشخوص على تحقيق مآرب فنية وحياتية أخرى، اساسها ما يعانيه المبدع من توترات نفسية، في علاقتها بالبعد الاجتماعي، ومنها على سبيل الحصر، توتر الأنثى والرجل، ممثلين في شخصية حليمة وشخصية أحمد، قطبي المحكي في المجموعة القصصية.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن علاقة القصة القصيرة، بمجال التحليل النفسي، إنما هي كتابة الذات الحالمة على كتابة واقع نابض بكل أنواع المثبطات والإحباطات.
البعد الرمزي لفاتحة الكتاب :
تمثل تركيبة العنوان بعدا رمزيا وبلاغيا أخاذا. من حيث
حمولته الدلالية ومخزون الكاتبة الفكري، وذكرياتها ومجريات أحداثها ومسرودات قصصها، عن طريق المونولوج. كل ذلك في جو من التستر والكتمان، قبل ان تنتقل إلى مرحلة الحوار الذي يحتمل أن يكون في الخطاب أقوى وأرحب، والمبدع فيه أكثر استعدادا للجهر بالمستور، وإماطة اللثام عن المنقود للمعيش.
لقد عبرت الكاتبة باستعارة "أكتب داخل رأسي"، عن تواصل ذاتي، قدرناه استرجاعات واستباقات، تفجر فيها خزانها المعرفي والنفسي بشكل مسترسل ومتدفق، محفورة آثاره في الذاكرة، تندغم في مداراته مفاهيم الحقارة والإبعاد والتهميش، وتعيش الكاتبة خلالها موزعة بين الداخل والخارج ، بكل انعكاساتهما وأضرارهما، في انتظار ما قد ستجود به الأيام اللاحقة من بدائل، وتصبح الكتابة مطواعة، والسارد مؤهلا لتحديد الاختيار بين أن يكتب داخل رأسه أو خارجها.
ونحن نقارب مجموعة "اكتب داخل رأسي"، تزداد أهمية التحليل النفسي، مذ ألبست الكاتبة شخوصها لبوس هويتها، فازداد وعيهم بجدوى ما تقدمه من ذكريات، صيغت في قالب تخييلي شاعري، مثير للدهشة، جريئ أثناء التناول، مستجيب لما طبع حياتها من أحمال.
بناء المجموعة القصصية :
تتألف المجموعة القصصية "أكتب داخل رأسي"، الصادرة عن مطبعة وراقة بلال. فاس سنة 2023، من ستة وثلاثين نصا، على امتداد مائة وثلاثة وأربعين صفحة، تشكل فيها قصة "أكتب داخل رأسي" دلالة مهيمنة. ومن المؤشرات التي تؤكد هذا الحضور اللافت، عتبة العنوان، وقصة "أكتب داخل رأسي" التي تحتل ثالث رتبة ضمن تراتبية المجموعة القصصية، فضلا عن ورود جزء منها في تظهير الكتاب. تنضاف إلى هذه المؤشرات مجموعة اخرى من المصطلحات المبثوثة هنا وهناك في ثنايا المجموعة القصصية، تكفينا الإشارة منها إلى ما يلي : أفكاري، تلك الأفكار، أسترسل في الحلم كما أملى علي عقلي، اكتب داخل رأسي.. (لا إشارة للحياة في رأسي ص: 7)،صامتة مع نفسي، أكتب الكلمات داخل رأسي، حكاية في خيالي، لا اكتب إلا داخل رأسي، تطرأ أفكار حينية على دماغي)، وأخيرا عبارة "كانت انفجارات أحاسيسي بالداخل تتوالى" (ص: 55).
بناء على هذه النماذج من الإحصاءات، نستطيع التأكيد على أن كتابة/حياة فاطمة البسريني ترشح بالانعزالية الدرامية، تماما كما أفصحت عن ذلك مرتين، قبل أن تعيد العبارة نفسها في الغلاف الخلفي. تقول بالمختصر المفيد : "أحب ركوب الحافلة، خاصة عندما تكون المسافة التي ستقطعها طويلة، أحب ركني القصي في الخلف، خاصة عندما لا يكون هناك عدد من الراكبين. أحب ألا يكلمني أحد، ولا احد يتجرأ أن يكسر الهدوء حولي".(أكتب داخل راسي.ص: 3)
هذا وقد بنيت النصوص الواردة في المجموعة القصصية، على مبدأين : مبدأ الشعور كإدراك واع من الكاتبة بما يحتويها من عواطف ملتهبة، تساهم في توجه مسار الأحداث، كما توجه الشخوص لاتخاذ قرارات بعينها. ومبدأ اللاشعور الذي يرتبط بأفكار حليمة الحالمة، سواء تلك الاسترجاعية منها كذكريات، أو الاستباقية كأحلام اليقظة وأحلام المستقبل. وتشكل هذه الاحلام بديلا عن مجاراة واقع موبوء، لا تزداد الأحداث فيه إلا توترا واستفحالا. وانطلاقا من اللاشعور، ستحاول الكاتبة إحكام قبضتها على الجمع بين الواقعي والمتخل. الشيء الذي يعمق العلاقات غير السوية بين الشخوص. أي بين مشاعر الحب والخوف والهم والحزن، في تحليق فني مرتضى.
إن تجربة فاطمة البسريني، الحافلة بالهواجس والتوترات، الحاملة لغير قليل من المعاناة، لن تزيدها إلا استصراخا وتذمرا، كلما اقتحت حمأة الواقع. تقول الكاتبة بلغة ثائرة مزمجرة، تنم عن الرغبة في الانتقام : "كانت انفجارات أحاسيسي بالداخل تتوالى"(ص: 55). قبل أن تستفيق على زمن الليل، زمن الحلم والبغية، وتكتب ما ترتضي على حد قول الشاعر :
الليل سبورتي السوداء؛
أخط عليها بطبشورة الأهواء؛
نشيدا يسليني، على مائدة الأرق.
*******
على أمل ألا ترديني كوابسه،
قبل متم الحلم.
(محمد شاكر. ديوان "بتوقيت القلب".ص:10.)،
في انتظار ما سيسفر عنه الزمن الليلي والنهاري من انفراج قد يأتي وقد لا تأتي.
وما دامت أفكار الشخوص من حليمة وأحمد وزمردة حتى الرجال المحققين الأربعة، غارقة دوما في التشظي والانشطار، غارقة في الأفكار السوداوية، و ما دام الشخوص يفتقرون إلى القدرة على التغيير، فإن صوت الكاتبة سيزداد ارتفاعا وإيلاما و استصراخا. يقول السارد بصيغ متقطعة، منبها لخطورة الأوضاع النفسية المهزوزة : "مفتاح الموت، صارخة في صمت، تكاد الوحدة تقتلني، أرتعش من الموت، لا انكر أنني فكرت كثيرا في أن أنهي حياتي..".
ومن الأشياء التي تعمق جروح الكاتبة، وتزيد مشاعرها اشتعالا، تذكرها لأحد الجروح الذي ظل ينزف دون انقطاع. تقول مستشعرة هول تبعاته : لقد جرحني أقرب الناس إلي، منذ نعومة أظافري، وأنا ما زلت أنزف من الداخل حتى الآن" (أكتب داخل رأسي. ص:60). وأمام هذه اللحظات الدرامية، النفسية منها والاجتماعية، سيستمر الحوار الداخلي والخارجي في التباعد، وتزداد الحاجة إلى تغطية أزمات الكاتبة، بكل ما عانته في حب أحمد من صدمات.
هنا يتأكد ما أشرنا عليه سلفا من فرضية التداخل المنهجي بين البعد النفسي والبعد الاجتماعي.
تقول الكاتبة مقرة بهذا التداخل : "لا انكر أنني رغم ما مررت به من صدمات هذه الحياة، لم أعرف يوما ألما ووجعا أكبر وأعظم من ألم ووجع حبه"(اكتب داخل راسي.ص:23)، بل إن ارتباطها بعالمها الداخلى، إنما هو ناجم عن اهتماماتها بمجريات الواقع، ونقد بعض مظاهره الاجتماعية المشينة، كظاهرة التحرش الجنسي التي تقول عنها بتكتم شديد : "لن أتحدث عن موضوع التحرش الجنسي .. هذه الآفة اللعينة التي تنخر المجتمع"(أكتب داخل رأسي. ص: 58). وبمجرد حدوث مثل هذه السلوكات، ستشرع الكاتبة في بناء أفكارها من خارج رأسها، وتتحول من دائرة الصمت إلى دائرة البوح الجاهر بحقيقة الأشياء، عبر إسماع صوتها خارج رأسها. ومن ثم ستبدأ طاحونة الليل في الاشتغال، إعلانا عن تجدد الحياة. تقول عن هذا الانفراج :" عندما يأتي المساء فقط تبدأ الحياة"(ص:61). وبذلك تكون الكاتبة قد اطمانت لليلها على حساب نهارها، ودخلت دائرة "سطوة النهار وسحر الليل"*(عبد المجيد جعفة. الفحولة وما يوازيها في التصور العربي". عنوان مؤلف نقدي) ، تستمتع فيه بترانيم الفرح بدل الحزن، وقد تحررت من سطوة النهار المجحفة. فالليل في تقديرها ليس كالنهار. ذلك أن الحضور الليلي، هو ما يسمح للكاتبة ب"تقيؤ العقل"، ويمنحها متسعا من التفكير والغوص في أعماق النفس والفكر، "باحثة عن حرية ما؟.."(كما تقول في ص:62)
فإذا كان الواقع لا يرتفع، بسبب هذه الدرجة من التدني والتلكؤ والاهتراء، فلنعلم "أن الوسيلة الوحيدة لمواجهته أحيانا هي الموت"( ص: 59. بتصرف)
فإذا كان لموقف الكاتبة ما يبرره نفسيا واجتماعيا، فإنها قد استطاعت بكتابتها داخل رأسها، أن تصنع لنفسها أسلوبا متفردا في التفكير، يتداخل فيه الحلم بالواقع، ويجمع بذكاء، بين العقل الواعي والعقل اللاواعي.
ومن شأن هذه الرؤية البسرينية، على صرامة واقعيتها وانغلاقيتها، ان تخلف مجموعة من الردود المتباينة، قد تتعالى أصواتها هنا وهناك. يقول الشاعر اليمني عبد الله البردوني، مهدئا هذا النوع من الأصوات :
ستمطر الأرض يوما رغم شحتها
ومن بطون المآسي يولد الأمل
د. عمرو كناوي
باحث وناقد من المغرب
ومن أهم هذه الأعمال :
* "أنتظر الموت"، "موناليزا"، "أنا لست امرأة"، الآقون"، "الروح المجرمة"،"آداب الرعب"، "نيكتوفيليا أو صديق الليل"، وديوان "الفصول الأربعة" المشترك، وغيرها مما جادت به قريحتها الإبداعية.
ومن الذين قرأوا مجموعتها القصصية "أنا لست امرأة" على سبيل الحصر، الناقد المصري زكريا صبح.
ولتقريب الكاتبة، فاطمة البسريني، من القراء أكثر، فهي من مواليد دار الحمرا التابعة لإقليم صفرو، جهة فاس مكناس. نشأت في ظروف اجتماعية حارقة، مضطربة وشديدة التعقيد. اكتوت بنار الحياة، فانتابها خوف شديد على مسارها ومصيرها. وقد أبانت عن ذلك في حوار جمعها بالكاتب ناقوس المهدي بتاريخ : 18/ 2024/7. موقع الأنطولوجيا.
يقول الفنان المغربي محمد علوي، في نص شاعري، مرفق بلوحة الغلاف، يجمل فيه المجموعة القصصية، مقتحما ما يقارب عوالمها النفسية :
"حين لا نملك سوى التعاطف
لنقرأ في العيون البائسة،
نلامس الصمت
حيث تختبئ الصرخات،
نخفف التعب
في أنفاس مكسورة
وفي ظهور انحنت تحت الأعباء.
******
حين لا نملك سوى العواطف،
لنجفف سيل الدموع
حينها نصبح شعلة
تطفئ ظلال الحزن
وتغدو أملا وخلاصا
لمن فقدوا الإيمان."
حول منهج المقاربة :
ونحن نقارب هذا الجنس الأدبي، ممثلا في القصة القصيرة، تحضرنا أساسا، على مستوى المنهج، أهمية التحليل النفسي وجدواه في مقاربة هذا النوع من النصوص. ويعود ذلك لسببين : ما عرفته تجارب نقاد القصة القصيرة، من نتائج مشجعة، كما حدث في مقاربة تجربة يوسف إدريس مثلا، أو حين تم الاشتغال على مفهوم الليبيدو، كطاقة فعالة تنم عن إشباع الرغبات والاحتياجات النفسية، وتبحث في الوقت نفسه في سر الإبداع ومعرفة خباياه. بل إن الليبيدو يعتبر أساس نشأة الحضارات الإنسانية. والأمر نفسه ينطبق على تجربة فاطمة البسريني، لما ترشح به شخوصها من فيض في المشاعر ودفق في الأحاسيس، بالشكل الذي يصعب إيقاف جريان ما تجود به قريحة الكاتبة، حيث الدموع سخية، تذرفها ساخنة بغرض التخفيف من صدماتها. إن تبني المنهج النفسي في مقاربة هذا النوع من النصوص السردية، لن يكتمل إلا في علاقته بالبعد الاجتماعي وغيره من التمظهرات النصية. لذا سنكون في حاجة ماسة إلى تبني منهج توفيقي تكاملي يعضد المنهج النفسي ويحتويه. فحين نقرأ نصوص "أكتب داخل راسي"، ونفكك عوالمها، نقتحم للتو عالم الشعور كإدراك واع لما انتاب القاصة من أحاسيس الحب والتوتر والغضب، في الوقت نفسه الذي يحضر فيه الشعور. وبموازاة معه يحضر اللاشعور ممثلا فيما لا يدرك من مخاوف آنية وآتية، لن يكون بإمكان شخصية حليمة التنبؤ بما تخفيه الأيام القادمة. وعموما تكمن علاقة الشعور باللاشعور هنا في قدرة القاصة، كذات مبدعة، على استحضار مشاعر معبر عنها في الحالتين معا، بكل مقوماتهما النفسية والاجتماعية. الشيء الذي يسهل مامورية المتلقي في فهم خبايا "أكتب داخل رأسي"، وتحديد طبيعة ما تختلجه عوالمها من مقومات داخلية، وخارجية. فلا مناص إذن أن يجد النقاد ضالتهم في جدوى النبش في مفهوم اللبيدو، كأداة ناجعة لفهم سر الإبداع القصصي، وتحفيز الشخوص على تحقيق مآرب فنية وحياتية أخرى، اساسها ما يعانيه المبدع من توترات نفسية، في علاقتها بالبعد الاجتماعي، ومنها على سبيل الحصر، توتر الأنثى والرجل، ممثلين في شخصية حليمة وشخصية أحمد، قطبي المحكي في المجموعة القصصية.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن علاقة القصة القصيرة، بمجال التحليل النفسي، إنما هي كتابة الذات الحالمة على كتابة واقع نابض بكل أنواع المثبطات والإحباطات.
البعد الرمزي لفاتحة الكتاب :
تمثل تركيبة العنوان بعدا رمزيا وبلاغيا أخاذا. من حيث
حمولته الدلالية ومخزون الكاتبة الفكري، وذكرياتها ومجريات أحداثها ومسرودات قصصها، عن طريق المونولوج. كل ذلك في جو من التستر والكتمان، قبل ان تنتقل إلى مرحلة الحوار الذي يحتمل أن يكون في الخطاب أقوى وأرحب، والمبدع فيه أكثر استعدادا للجهر بالمستور، وإماطة اللثام عن المنقود للمعيش.
لقد عبرت الكاتبة باستعارة "أكتب داخل رأسي"، عن تواصل ذاتي، قدرناه استرجاعات واستباقات، تفجر فيها خزانها المعرفي والنفسي بشكل مسترسل ومتدفق، محفورة آثاره في الذاكرة، تندغم في مداراته مفاهيم الحقارة والإبعاد والتهميش، وتعيش الكاتبة خلالها موزعة بين الداخل والخارج ، بكل انعكاساتهما وأضرارهما، في انتظار ما قد ستجود به الأيام اللاحقة من بدائل، وتصبح الكتابة مطواعة، والسارد مؤهلا لتحديد الاختيار بين أن يكتب داخل رأسه أو خارجها.
ونحن نقارب مجموعة "اكتب داخل رأسي"، تزداد أهمية التحليل النفسي، مذ ألبست الكاتبة شخوصها لبوس هويتها، فازداد وعيهم بجدوى ما تقدمه من ذكريات، صيغت في قالب تخييلي شاعري، مثير للدهشة، جريئ أثناء التناول، مستجيب لما طبع حياتها من أحمال.
بناء المجموعة القصصية :
تتألف المجموعة القصصية "أكتب داخل رأسي"، الصادرة عن مطبعة وراقة بلال. فاس سنة 2023، من ستة وثلاثين نصا، على امتداد مائة وثلاثة وأربعين صفحة، تشكل فيها قصة "أكتب داخل رأسي" دلالة مهيمنة. ومن المؤشرات التي تؤكد هذا الحضور اللافت، عتبة العنوان، وقصة "أكتب داخل رأسي" التي تحتل ثالث رتبة ضمن تراتبية المجموعة القصصية، فضلا عن ورود جزء منها في تظهير الكتاب. تنضاف إلى هذه المؤشرات مجموعة اخرى من المصطلحات المبثوثة هنا وهناك في ثنايا المجموعة القصصية، تكفينا الإشارة منها إلى ما يلي : أفكاري، تلك الأفكار، أسترسل في الحلم كما أملى علي عقلي، اكتب داخل رأسي.. (لا إشارة للحياة في رأسي ص: 7)،صامتة مع نفسي، أكتب الكلمات داخل رأسي، حكاية في خيالي، لا اكتب إلا داخل رأسي، تطرأ أفكار حينية على دماغي)، وأخيرا عبارة "كانت انفجارات أحاسيسي بالداخل تتوالى" (ص: 55).
بناء على هذه النماذج من الإحصاءات، نستطيع التأكيد على أن كتابة/حياة فاطمة البسريني ترشح بالانعزالية الدرامية، تماما كما أفصحت عن ذلك مرتين، قبل أن تعيد العبارة نفسها في الغلاف الخلفي. تقول بالمختصر المفيد : "أحب ركوب الحافلة، خاصة عندما تكون المسافة التي ستقطعها طويلة، أحب ركني القصي في الخلف، خاصة عندما لا يكون هناك عدد من الراكبين. أحب ألا يكلمني أحد، ولا احد يتجرأ أن يكسر الهدوء حولي".(أكتب داخل راسي.ص: 3)
هذا وقد بنيت النصوص الواردة في المجموعة القصصية، على مبدأين : مبدأ الشعور كإدراك واع من الكاتبة بما يحتويها من عواطف ملتهبة، تساهم في توجه مسار الأحداث، كما توجه الشخوص لاتخاذ قرارات بعينها. ومبدأ اللاشعور الذي يرتبط بأفكار حليمة الحالمة، سواء تلك الاسترجاعية منها كذكريات، أو الاستباقية كأحلام اليقظة وأحلام المستقبل. وتشكل هذه الاحلام بديلا عن مجاراة واقع موبوء، لا تزداد الأحداث فيه إلا توترا واستفحالا. وانطلاقا من اللاشعور، ستحاول الكاتبة إحكام قبضتها على الجمع بين الواقعي والمتخل. الشيء الذي يعمق العلاقات غير السوية بين الشخوص. أي بين مشاعر الحب والخوف والهم والحزن، في تحليق فني مرتضى.
إن تجربة فاطمة البسريني، الحافلة بالهواجس والتوترات، الحاملة لغير قليل من المعاناة، لن تزيدها إلا استصراخا وتذمرا، كلما اقتحت حمأة الواقع. تقول الكاتبة بلغة ثائرة مزمجرة، تنم عن الرغبة في الانتقام : "كانت انفجارات أحاسيسي بالداخل تتوالى"(ص: 55). قبل أن تستفيق على زمن الليل، زمن الحلم والبغية، وتكتب ما ترتضي على حد قول الشاعر :
الليل سبورتي السوداء؛
أخط عليها بطبشورة الأهواء؛
نشيدا يسليني، على مائدة الأرق.
*******
على أمل ألا ترديني كوابسه،
قبل متم الحلم.
(محمد شاكر. ديوان "بتوقيت القلب".ص:10.)،
في انتظار ما سيسفر عنه الزمن الليلي والنهاري من انفراج قد يأتي وقد لا تأتي.
وما دامت أفكار الشخوص من حليمة وأحمد وزمردة حتى الرجال المحققين الأربعة، غارقة دوما في التشظي والانشطار، غارقة في الأفكار السوداوية، و ما دام الشخوص يفتقرون إلى القدرة على التغيير، فإن صوت الكاتبة سيزداد ارتفاعا وإيلاما و استصراخا. يقول السارد بصيغ متقطعة، منبها لخطورة الأوضاع النفسية المهزوزة : "مفتاح الموت، صارخة في صمت، تكاد الوحدة تقتلني، أرتعش من الموت، لا انكر أنني فكرت كثيرا في أن أنهي حياتي..".
ومن الأشياء التي تعمق جروح الكاتبة، وتزيد مشاعرها اشتعالا، تذكرها لأحد الجروح الذي ظل ينزف دون انقطاع. تقول مستشعرة هول تبعاته : لقد جرحني أقرب الناس إلي، منذ نعومة أظافري، وأنا ما زلت أنزف من الداخل حتى الآن" (أكتب داخل رأسي. ص:60). وأمام هذه اللحظات الدرامية، النفسية منها والاجتماعية، سيستمر الحوار الداخلي والخارجي في التباعد، وتزداد الحاجة إلى تغطية أزمات الكاتبة، بكل ما عانته في حب أحمد من صدمات.
هنا يتأكد ما أشرنا عليه سلفا من فرضية التداخل المنهجي بين البعد النفسي والبعد الاجتماعي.
تقول الكاتبة مقرة بهذا التداخل : "لا انكر أنني رغم ما مررت به من صدمات هذه الحياة، لم أعرف يوما ألما ووجعا أكبر وأعظم من ألم ووجع حبه"(اكتب داخل راسي.ص:23)، بل إن ارتباطها بعالمها الداخلى، إنما هو ناجم عن اهتماماتها بمجريات الواقع، ونقد بعض مظاهره الاجتماعية المشينة، كظاهرة التحرش الجنسي التي تقول عنها بتكتم شديد : "لن أتحدث عن موضوع التحرش الجنسي .. هذه الآفة اللعينة التي تنخر المجتمع"(أكتب داخل رأسي. ص: 58). وبمجرد حدوث مثل هذه السلوكات، ستشرع الكاتبة في بناء أفكارها من خارج رأسها، وتتحول من دائرة الصمت إلى دائرة البوح الجاهر بحقيقة الأشياء، عبر إسماع صوتها خارج رأسها. ومن ثم ستبدأ طاحونة الليل في الاشتغال، إعلانا عن تجدد الحياة. تقول عن هذا الانفراج :" عندما يأتي المساء فقط تبدأ الحياة"(ص:61). وبذلك تكون الكاتبة قد اطمانت لليلها على حساب نهارها، ودخلت دائرة "سطوة النهار وسحر الليل"*(عبد المجيد جعفة. الفحولة وما يوازيها في التصور العربي". عنوان مؤلف نقدي) ، تستمتع فيه بترانيم الفرح بدل الحزن، وقد تحررت من سطوة النهار المجحفة. فالليل في تقديرها ليس كالنهار. ذلك أن الحضور الليلي، هو ما يسمح للكاتبة ب"تقيؤ العقل"، ويمنحها متسعا من التفكير والغوص في أعماق النفس والفكر، "باحثة عن حرية ما؟.."(كما تقول في ص:62)
فإذا كان الواقع لا يرتفع، بسبب هذه الدرجة من التدني والتلكؤ والاهتراء، فلنعلم "أن الوسيلة الوحيدة لمواجهته أحيانا هي الموت"( ص: 59. بتصرف)
فإذا كان لموقف الكاتبة ما يبرره نفسيا واجتماعيا، فإنها قد استطاعت بكتابتها داخل رأسها، أن تصنع لنفسها أسلوبا متفردا في التفكير، يتداخل فيه الحلم بالواقع، ويجمع بذكاء، بين العقل الواعي والعقل اللاواعي.
ومن شأن هذه الرؤية البسرينية، على صرامة واقعيتها وانغلاقيتها، ان تخلف مجموعة من الردود المتباينة، قد تتعالى أصواتها هنا وهناك. يقول الشاعر اليمني عبد الله البردوني، مهدئا هذا النوع من الأصوات :
ستمطر الأرض يوما رغم شحتها
ومن بطون المآسي يولد الأمل
د. عمرو كناوي
باحث وناقد من المغرب