لا تأتيني الكتابة بحافز أو حافر من المناسبة، لأنها هي المناسبة في ذاتها حين تنسكب من بين الأصابع سلسبيلا يروي ظمأ الروح، و تتوقد الأحرف مصابيح في عيد الكتابة لتضيء ما تراكم في جوفنا من عتمات، حتى لأحسبها تكتبني بدل أن أكتبها؛ الكتابة الحقيقية اللصيقة بجلدنا و حواسنا في أصالتها ما يأتينا دونما أرجل فلا نسمع لمشيه دبيباً، و ليس ما نذهب إليه بعكاكيز الأقلام لنرتجل ما يمكن وسمه بالكتابة العرجاء..!
أعلم أن المناسبة ذاكرة ترتق ثقوب نسياننا، و لكنها تستغل لساننا فتقول به ما نريد و ما لا نريد، نرضيها بما لذ من الكلمات و لو كانت المناسبة مُرّة تستحضر روح ميت بعبارات تقطر بدل الدمع عسلا و هي تقتفي في حياته ألمع المناقب.. !
المناسبة أشبه بالبنت الصغيرة التي تحولنا جميعا إلى أمهات، تنتهز طيبوبتنا لنهديها أجمل الحلي و الحُلل، فنزينها و نعطرها و نمشِّط شعرها طويلا، حتى إذا خرج الناس أمواجا للإحتفال بجمالها فقدت الأرض جاذبيتها و فاض بحر من النفاق الإجتماعي على الجميع..!
أما إذا سقطت العلبة و وجدت غطاءها وصادفت الكتابة إحدى المناسبات، فلن نحتاج لأصبع نضعه على الجرح كي نلمس الصدق بدل الكلام المنمَّق الذي قيل بنفس الحروف في نفس التاريخ و بفم واسع من التثاؤب.. !
المناسبة شرط لمن يوثر أن يضع على مكنون نفسه القيد و هو يحسب أنه يزين آذان السامعين بقرط..!
المناسبة موضوع جاهز على مائدة تستقطب الذباب، لا يحتاج فتات طعامه لعقل يستطيع مضع الأفكار و لو كانت صخرا، لنقل إنها طبق أكل منه الجميع حتى صار في السفوح سهلا..!
اكتب دون مناسبة و ستجد أن أعمق الطرق في حقل الإبداع ليس أن تحترث أثر الآخرين لتكون خير خلف لخير سلف، بل أن تسلك أقرب الطرق للوصول بأسرع فكرة ممكنة إلى البئر السحيقة لأنفسنا، عسانا نفهم ما يحدث في العالم ..!
لا تنتظر المناسبة لتكتب لأن الأفكار ليست قطارا نفقيا يتخذ من الرؤوس محطات للوقوف.. !
المناسبة ليست وردا و هدايا و دقة مراكشية بل خفة النمر الذي لا يُسمع لانقضاضه ضجيج في غدير الغزلان..!
أن تخلق المناسبة بعمل أدبي أو علمي أو حتى سياسي غير مسبوق، لخير من أن تنتظر المناسبات التي تحنطنا بنفس الكلام على مدار السنة؛ هكذا نلقي حجرا في المياه الأحوج لمن يحركها لتجري بعد ركود، و معها تجري في عروقنا دماء جديدة بعد أن خثَّرها الضجر؛ و لعمري إن التكرار الذي ينسخنا لنصبح كؤوسا متشابهة لقاتل و يُسوِّس العظام و قد يُطيح حتى بالأسنان من فرط الإجترار..!
المناسبة أن يأتيك القارىء أو تأتيه بدون مناسبة.. !
محمد بشكار
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 17 نونبر 2016)
أعلم أن المناسبة ذاكرة ترتق ثقوب نسياننا، و لكنها تستغل لساننا فتقول به ما نريد و ما لا نريد، نرضيها بما لذ من الكلمات و لو كانت المناسبة مُرّة تستحضر روح ميت بعبارات تقطر بدل الدمع عسلا و هي تقتفي في حياته ألمع المناقب.. !
المناسبة أشبه بالبنت الصغيرة التي تحولنا جميعا إلى أمهات، تنتهز طيبوبتنا لنهديها أجمل الحلي و الحُلل، فنزينها و نعطرها و نمشِّط شعرها طويلا، حتى إذا خرج الناس أمواجا للإحتفال بجمالها فقدت الأرض جاذبيتها و فاض بحر من النفاق الإجتماعي على الجميع..!
أما إذا سقطت العلبة و وجدت غطاءها وصادفت الكتابة إحدى المناسبات، فلن نحتاج لأصبع نضعه على الجرح كي نلمس الصدق بدل الكلام المنمَّق الذي قيل بنفس الحروف في نفس التاريخ و بفم واسع من التثاؤب.. !
المناسبة شرط لمن يوثر أن يضع على مكنون نفسه القيد و هو يحسب أنه يزين آذان السامعين بقرط..!
المناسبة موضوع جاهز على مائدة تستقطب الذباب، لا يحتاج فتات طعامه لعقل يستطيع مضع الأفكار و لو كانت صخرا، لنقل إنها طبق أكل منه الجميع حتى صار في السفوح سهلا..!
اكتب دون مناسبة و ستجد أن أعمق الطرق في حقل الإبداع ليس أن تحترث أثر الآخرين لتكون خير خلف لخير سلف، بل أن تسلك أقرب الطرق للوصول بأسرع فكرة ممكنة إلى البئر السحيقة لأنفسنا، عسانا نفهم ما يحدث في العالم ..!
لا تنتظر المناسبة لتكتب لأن الأفكار ليست قطارا نفقيا يتخذ من الرؤوس محطات للوقوف.. !
المناسبة ليست وردا و هدايا و دقة مراكشية بل خفة النمر الذي لا يُسمع لانقضاضه ضجيج في غدير الغزلان..!
أن تخلق المناسبة بعمل أدبي أو علمي أو حتى سياسي غير مسبوق، لخير من أن تنتظر المناسبات التي تحنطنا بنفس الكلام على مدار السنة؛ هكذا نلقي حجرا في المياه الأحوج لمن يحركها لتجري بعد ركود، و معها تجري في عروقنا دماء جديدة بعد أن خثَّرها الضجر؛ و لعمري إن التكرار الذي ينسخنا لنصبح كؤوسا متشابهة لقاتل و يُسوِّس العظام و قد يُطيح حتى بالأسنان من فرط الإجترار..!
المناسبة أن يأتيك القارىء أو تأتيه بدون مناسبة.. !
محمد بشكار
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 17 نونبر 2016)