محمد سليم الديب - مأساة الاغتراب الجسدي والروحي في مجموعة (وز عراقي) قراءة وجودية في سقوط الإنسان بين خذلان الأرض والسماء

تأتي مجموعة "وز عراقي" للكاتبة منى العساسي الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كشهادة دامغة على بؤس الإنسان المعاصر في ظل منظومة عالمية تتاجر بالبشر، وتشيّئ الإنسان، وتمنحه وهم الأمل قبل أن تسحقه بلا رحمة.​

1744723542156.png

ومنظومة أخرى محلية ذكورية تقلل من شأن الأنثى، فتسعى في المجموعة إلى التمرد عبر أشكال عدة فتقول مثلا في القصة الأولى: أن معظم النساء في البار محجبات .. وفي القصة الآخيرة أن الله نائم ولا يسمع النداءات الكثيرة فهي لا تشكو من خذلان الأرض فقط إنما تشكو أيضا من خذلان السماء وفي قصة ساتان أحمر، تنهيها معترضة أن تكون مثل "زينب" التي أكلها المرض وكانت حبيسة العرف والتقاليد: "آني مش زينب يابا" .. وتبدأها بقولها: "يعنــي إيــه يــا ســتي، هاعيــش وأمــوت، قميــص مســجون فــي ســحَّارة؟"

لا تقدم الكاتبة حلولًا، ولا تسعى إلى تبشير بالخلاص، بل تكتفي بفضح الجراح، وتمزيق الثوب الكاذب للعدالة الأرضية والعدالة السماوية معًا. تتماهى نصوص المجموعة مع العبث الوجودي كما صوره كامو، حيث يتمسك الإنسان بمأساته بوصفها الحقيقة الوحيدة في عالم أخرس وعديم الشفقة.

بهذا، ترسخ مجموعة وز عراقي مكانتها كعمل أدبي صادم وجريء، يعيد المرأة المهشمة إلى مركز الوعي السردي، ويمنحها -ولو للحظة- صوتًا في صحراء الغربة الطويلة.

البناء السردي وتقنيات الانزياح الزمني وتعدد الأصوات:

تشكّل ثنائية الانزياح الزمني وتعدد الأصوات أدوات سردية قوية في مواجهة الخطابات الأحادية، تلك الخطابات التي تسعى إلى فرض معنى واحد، رؤية واحدة، أو سلطة تفسيرية مطلقة. كلا التقنيتين تعملان معًا على خلخلة ثبات السرد التقليدي وفتح النص أمام احتمالات متعددة، مما يجعل القارئ في حالة تأويل دائم بدلًا من التلقي الخاضع.

الانزياح الزمني كاستراتيجية تفكيك:

الانزياح الزمني هو تحريك الأحداث خارج تسلسلها الزمني الطبيعي، كأن يُقدَّم المستقبل أو يُسترجع الماضي داخل الحاضر، لكسر خطية الزمن التقليدي وإضفاء عمق أو توتر على السرد، ويُستخدم أيضا لخلق مفارقة زمنية، أو لإظهار التشظي الداخلي للشخصيات أو النص، كما أن الانزياح الزمني هو تحريك خطية الزمن المعتادة: كأن تُروى النتيجة قبل السبب، أو يتم التلاعب بالفلاش باك والفلاش فورورد، أو حتى كسر التسلسل المنطقي للحدث الواحد إلى لحظات مفككة وموزعة عبر النص.

وظيفة هذا الانزياح في تفكيك الخطاب الأحادي تتجلى في: تحطيم سلطة البداية والنهاية: إذ لم تعد للأحداث أسبقية طبيعية، مما يُبطل منطق السرد الخطي الذي يفرض سردية "المنتصر" أو الرواية الرسمية .. وإرباك القارئ المنتج للمعنى: فيصبح المعنى خاضعًا للحركة المستمرة، دون استقرار على تفسير نهائي .. كما يتجلى الانزياح الزمي أيضا في فتح احتمالات التأويل: لأن القصة لم تعد تمر عبر مسار واحد، إنما تتوزع على تشظيات زمنية تجعل فهمها رهينًا بجهد القارئ وتركيبه الخاص.

تعدد الأصوات كآلية مقاومة:

تعدد الأصوات أو (البوليفونية) يشير إلى حضور عدة أنماط لغوية ووجهات نظر مستقلة داخل النص دون أن تذوب في صوت واحد مهيمن (كما عند باختين).

حين يُستخدم تعدد الأصوات لمواجهة الخطاب الأحادي تساوي الرؤى المتعددة: فكل شخصية أو صوت يحمل منطقه الداخلي وموقفه من العالم دون أن يُبتلع في سلطة الراوي أو المؤلف .. وتنهار الحقيقة الواحدة لأن كل صوت يقترح حقيقة مختلفة، فتبدو الحقيقة بوصفها نسيجًا متنافرًا لا جوهرًا ثابتًا .. ويتم أيضا توليد حوار داخلي في النص بدلاً من عرض حقائق جاهزة، ليصبح النص ساحة نقاش مفتوحة، حيث تتصارع وتتكامل الرؤى.

كيف يلتقي الانزياح الزمني مع تعدد الأصوات؟

عندما يتحد الانزياح الزمني مع تعدد الأصوات، يخلقان معًا نصًا مضادًا للخطاب الأحادي على مستويين:

البُعدالانزياح الزمنيتعدد الأصوات
الشكلتفكيك الخط الزمني، تكسير التتابعتفكيك سلطة الصوت الواحد، تعددية وجهات النظر
الأثر على السردخلق فوضى زمنية، منع بناء خطاب متماسك ومسيطرخلق فوضى معنوية، عدم فرض معنى وحيد على النص
النتيجةنص مفتوح زمنيًانص مفتوح دلاليًا


فيتحول النص إلى حقل خصب للممكنات بدلًا من أن يكون خطابًا مغلقًا يلوي عنق القارئ إلى نهاية محددة سلفًا.

ونرى ذلك متجليا في روايات ما بعد الحداثة مثل أعمال توماس بينشون أو دون ديليلو، حيث يتم تكسير الزمن وتداخل الأصوات حتى لا يستقر أي معنى نهائي .. ويتجلى أيضا في الرواية العربية الجديدة (مثل أعمال إدوار الخراط أو صنع الله إبراهيم) التي تسعى عبر تكسير الزمن وتعدد الرواة إلى تقديم تاريخ بديل أو رؤية مغايرة للعالم.

من التقنيات السردية المستخدمة في "وز عراقي":

- اعتماد الانزياح الزمني وتعدد الأصوات لتفكيك الخطاب الأحادي.

- استخدام اللغة الهجينة (عامية/فصحى) لخلق واقع متعدد الأبعاد.

التلميح بدل التصريح، ما يمنح النصوص كثافة دلالية:

النصوص التي تستخدم التلميح تكون عادة أكثر تكثيفًا وعمقًا دلاليًا، كما أشار رولان بارت حين قال:

"النص العظيم هو نص مفتوح للقراءات، لا يسلم نفسه بسهولة"

أمثلة من المجموعة
:

في قصة "حبتين دورميفال":

بالمناسبة الدورميفال هو دواء يستخدم كعلاج فى حالات الأرق ومشاكل النوم والقلق

عوضًا عن أن تقول الكاتبة صراحة إن البطلة مكتئبة أو وحيدة، تلمّح لذلك عبر أفعال صغيرة:

"لا أحد ينتظرني سوى الجدران... لم أفتح التلفاز ولا الراديو، اكتفيت بالجلوس صامتة...".

لا تصريح بلفظة "وحدة" أو "حزن"، بل أفعال بسيطة تلمح لوضع نفسي قاتم.

وفي قصة "سرّ":

بدلًا من شرح الظلم الاجتماعي مباشرة، تلمّح إليه من خلال جملة حوارية قصيرة:

"طبطب الأب على كتف ابنته قائلاً: ولا يهمك.. بنات الناس مبتلاقيش اللي يسأل عليها".

تلمّح الكاتبة عبر الكلمات العابرة للمأساة الاجتماعية التي تعيشها الفتاة، دون أن تشرحها بطريقة تقريرية.

فتخلق الكاتبة إحساسًا بالخفة السردية والعمق الوجداني معًا، كما وصفه إيتالو كالفينو بقوله:

"الأدب العظيم هو الذي يقول أقل ليعني أكثر"

تعتمد منى العساسي على التلميح بدل التصريح، مما يمنح نصوصها عمقًا دلاليًا واتساعًا في التأويل .. عوضًا عن الكشف المباشر عن مشاعر الشخصيات أو أوضاعها الاجتماعية، تكتفي الكاتبة بإيماءات لغوية وإشارات ضمنية، بما يجعل القارئ مضطرًا لاجتراح المعنى بين السطور .. هذه التقنية تمنح قصصها قوة إيحائية نادرة تشبه تلك التي نجدها في نصوص القصة الحديثة عند كتّاب مثل همنغواي وكافكا.


تجسد مجموعة "وز عراقي" المدينة كفضاء للاغتراب، والقرية كسجن للقيم، كما تُعرّي العنف (الذكوري، العرفي، الطبقي) عبر مصائر شخصياتها.

هذه المجموعة تقدم أنثروبولوجيا سردية للمجتمع المصري، حيث تُحاكي القصص أشلاء الذاكرة الجمعية التي ترفض النسيان.

تعتمد قصة حبتين دورميفال على تيار الوعي كتقنية سردية أساسية، حيث تتدفق الأفكار والمشاعر بلا ترتيب زمني صارم، مما يجسد حالة التشتت الذهني للراوية/البطلة .. كما أن الانزياح بين الماضي (الرحلة إلى القرية) والحاضر (العودة إلى الشقة) والمستقبل (اللقاء في المقهى) يُحدث تأثيرًا من اللااستقرار النفسي، وهو انعكاس لاضطراب الهوية الذي تعيشه الشخصية.

في حين تعتمد قصة سر على سرد متعدد الأصوات، فتتنقل بين وعي الأب (الزيني)، الابنة (سِرّ)، والصادق، مما يخلق تكثيفًا دراميًا يصور تشتت الرواية الجماعية للمأساة .. والانزياح الزمني بين الحاضر (معاناة سِرّ) والماضي (ذكريات الأب عن القرية والهجرة) يُبرز صراع الأجيال وانهيار القيم

كما تعتمد قصة حياة على تعدد الأصوات و أيضا تعدد الطبقات الزمنية فتنتقل بين:

الحاضر: في جلسة بسيمة مع أحفادها .. والماضي القريب: في أحداث مقتل الغنام وهروب حياة .. والماضي البعيد: في وصول الصعيدي إلى القرية.

يُستخدم الانزياح الزمني هنا لخلق إحساس بالتراجيديا المتكررة، حيث تُروى الحكاية كـ أسطورة محلية تتناقلها الأجيال فتقول: "أصحابها كَلْهُم الدود".

والزمن في قصة حبتين دورميفال زمن نفسي فالسرد لا يتبع التسلسل الكرونولوجي ومعناه تحرك الزمن في القصة للأمام دائمًا، مثل ما يحصل في حياتنا اليومية ، هي لا تفعل ذلك إنما يأتي الزمن عبر اللحظات الذاتية التي تترك أثرًا في وعي الراوية مثل: "الشارع صامت كئيب... لم يعد هناك مدن ولا قرى".

و هيمنة الحوار الداخلي في قصة حبتين دورميفال مثل قولها: "لماذا يقدم الناس مبررات لكل فعل؟" يكشف عن العزلة الاجتماعية والنفسية للشخصية وصراعها مع المحيط.

وفي قصة سر يتمثل في حوار الأب مع نفسه: "آه يا حمدا، كنتِ شايلة ده كُلّه إزاي!" يكشف عن عجزه وقهره كرمز للأبوية المنهارة.


أما اللغة في قصة حياة فتتمثل في التأرجح بين العامية والفصحى التراثية عبر المزج اللغوي: هيمنة العامية المصرية الريفية "آه يا بِتِّي"، "خايفة عليك يا عمِّي" مع إدخال فقرات شعرية في قالب تراثي "وآدي الحكاية... معمّرة كيف نار المجامر في الـروس"، مما يجسد التناقض بين الواقع اليومي والتراث الشفوي.

والمجاز المرسل: في "نار المجامر في الـروس" رمزٌ للذاكرة الملتهبة التي لا تنطفئ .. أما "القطار" فيمثل رمزا للهروب من العرف الذكوري.

يتراوح أيضا الحوار بين العامية والفصحى فتستخدم العامية المصرية "خايفة عليك يا عمِّي" إلى جانب الفصحى الشعرية "في عتمة جمجمتي عنكبوت لا يكف عن نسج أسئلته" .. يُحدث ذلك تناقضًا جماليًّا يعكس انقسام الشخصيات بين التراث والحداثة .. مع صور رائعة مثل "كف القمر لابسة كفن".

تكرر وصف كلمة العشوائية في المجموعة مرة بوصفها "عشوائية بغيضة" في قصة حبتين دورميفال

"الحقيقــة إنــه لــم يعــد هنــاك مــدن ولا قــرى، لا هويــة لشــيء، فقــط عشــوائية بغيضــة"

و"عشوائية مقيتة" في قصة وز عراقي أثناء زيارتها لقبر أمها،

تشير الكاتبة هنا إلى فقدان المعنى والنظام والاتجاه في العالم الذي تصوّره، ولا تصف الفوضى الظاهرية فقط، فهي تسعى على مسار المجموعة إلى نقد العالم المعاصر أو انهيار البنية الاجتماعية والنفسية للواقع .. فلم تعد العشوائية مجرد توصيف مكاني أو تنظيمي، إنما أصبحت حالة شعورية وسياق وجودي شامل تمثل: فقدان المعنى، غياب المركز، انهيار المرجعيات ، وانعدام الأمل في الترتيب والفهم.

ويمكننا عقد مقارنة بين 4 قصص في المجموعة من حيث السرد واللغة والبطلة و الصراع والنهاية، علما بأن هذه القصص معبرة تماما عن المجموعة كلها

الجانب"حبتين دورميفال""سِرّ""حياة""جوري مانكي"
السردتيار وعي فرديتعدد أصواتحكاية شفوية متعددة الطبقاتتعدد الأصوات
اللغةسريالية/حضريةعامية/فصحى رمزيةعامية/فصحى تراثيةعامية وفصحى وأجنبية
البطل/ةمثقفة حضريةأم مقهورةامرأة متمردةعاملة مقهورة
الصراعالاغتراب الذاتيالعرف ضد العدالةالشرف ضد الحريةسطوة الكفالة مع الصراع النفسي


الخيط المشترك: الأربع قصص تُجسِّد صراع المرأة/الفرد ضد الأنظمة القمعية (الاغتراب الحضري، العرف الريفي، الذكورية، الكفالة في دول الخليج).


في حين أن قصة "جوري مانكي" وهي الأخيرة في المجموعة بها تعددية لسانية ملفتة، حيث تتجاور مستويات لغوية متباينة داخل النسيج السردي: لغة عامية فجة مثل : «يا سَوْ، شيل سوطك عني» ولغة فصحى معيارية: «جلست في سيارة العمل ورأسي يوشك على الانفجار»، وشذرات من اللغة الإنجليزية المضمّنة مثل: takes me piece by piece - gave to the devil - take my heart

ويمكن تحليل هذه التعددية بوصفها تشظيًا مقصودًا يعكس عالم الشخصيات المتداعي نفسيًا واجتماعيًا.. فالانتقال السلس بين مستويات لغوية متنافرة يحاكي التوتر الداخلي والتفكك في بنية الواقع، حين تتجاور لغة الاستعلاء الكفيلية مع لغة الانكسار المقموع، و تُنتج هذه الفوارق اللغوية إشارات دلالية إضافية: فتحيل العامية إلى بيئة مغتربة وقاسية، وتوحي الفصحى بمحاولة التشبث بكيان ذاتي متماسك.
و تداخل اللغة الأجنبية والعربية في عنوان القصة "جوري مانكي" (Jury Monkey) يطرح إحالة مزدوجة: فهو يوحي من جهة بجو المحكمة والمحاكمة (jury) أو التهكم (monkey)، ويخلق من جهة أخرى مسافة عبثية بين القارئ والنص بسبب الغموض المقصود .

ويأتي هذا التداخل كعلامة على أن الهوية السردية مشروخة/مضطربة، ومعلّقة بين لغتين وثقافتين: ثقافة المغترب المُهان، وثقافة الكفيل المسيطر، وهذا التداخل يثري السرد بتعدد قراءاته الممكنة، ويفكك وهم الانسجام اللغوي، مما يجعل القارئ يتلمس التوترات المختبئة في بنية النص والهوية.

فيعمل تعدد مستويات اللغة كآلية فنية واعية لتجسيد التمزق الداخلي والاغتراب الثقافي، مما يميز النص ويجعله تجربة سردية متفجرة ومتعددة الدلالات، رغم المخاطرة بتحدي ذائقة بعض القراء التقليديين.

وعندما نتعمق في قصة "جوري مانكي" نجدها محملة ببنية سردية مكثفة تقوم على استدعاء مفردات الغربة والقهر الاجتماعي، مكتوبة بلغة تتماوج بين العامية والفصحى، وبين العربية والأجنبية، في بناء مقصود يُجسد مأساة الاغتراب المكاني والنفسي. عبر مونولوجات طويلة تفيض بالانفعال الداخلي، وتقاطعات خفيفة مع الواقع الخارجي، فتنسج الكاتبة سردًا مشحونًا بالعجز والتمرد.

تتميز القصة بأسلوب توتر متصاعد يظهر في استخدام الجمل القصيرة الصادمة، والانتقالات الحادة بين الجمل، وتكثيف الأفعال الانفجارية مثل: (صرختُ – قفزت – تفحّص – انفجر – زحفت).

ويوظف أسلوب الحكي لغة مشهدية داخلية قوية تقترب من التداعي الحر، ملامسًا انفعال الشخصية لا وعيها عبر الانفجارات الشعورية المفاجئة .. وهناك استخدام مقصود لتكرار الحروف والكلمات (اللعنة – الغربة – الحاجة) مما يضاعف من تأثير الإيقاع النفسي للنص، ويُدخل القارئ في دوامة الشخصية ونفسيتها، وانفجار الشخصيتين نفسيا بالصراخ المشترك في الصحراء كنوع من التحلل النفسي من ضغط الكبت الطويل الذي ينتج صدىً جماعيًا للألم، يظهر لغويًا في شكل عبارات متكسرة، مشاعر حدّية، صراخ بلا لغة تقريبًا.

والقصة محكومة بثنائية البناء: مركز داخلي: وعي البطلة المتشظي، الذي يمثل العالم الداخلي .. ومركز خارجي: صحراء الطريق والموقف الذي يحدث عليه الانفجار السردي، وتُبنى العلاقة بين هذين المركزين عبر مرآوية واضحة: كل حركة خارجية (انفجار الإطار، السقوط) تقابلها حركة داخلية (صرخة، انهيار).

فتقوم البنية السرديةعلى تشاكل الأصوات: حيث يتماهى صوت البطلة مع صوت السائق الغريب في لحظة صراخ جماعي، مما يشي بانهيار الحدود بين الذوات.
وتأتي الصحراء، الظلام، السيارة المعطلة، كشفرات سيميائية مكثفة ترمز إلى: العطالة الوجودية و الفراغ النفسي والانقطاع عن الحياة

كما يأتي (الكفيل) هنا رمزا لكل منظومات القمع الطبقي والاجتماعي .. كذلك وجود صوتي أنثى ورجل يصيحان معًا في وحدة صحراوية يُنتج دلالة سيميائية مضاعفة فالكل مكسور في المنظومة، بغض النظر عن الجنس أو الدين .

وهكذا تُظهر الكاتبة في مجموعة وز عراقي سيطرة جيدة على أدوات السرد الحداثي، مع وعي واضح بتقنيات الكتابة عبر مستويات اللغة والصورة والانفعال، ومع أن القصص قد تبدو للبعض مختنقة ومأزومة أكثر من اللازم، إلا أن هذا الانفجار العاطفي مدروس جيدًا لخدمة الفكرة: لا خلاص في العالم المعطوب.

وتقول الكاتبة على لسان الشخص الذي عرفنا من السياق أنه بنجابي هندي:

حدثــت الإلــه ملايــن المــرات ولم يســمع نــداءاتي الكثـيـرة، هــو فقــط أمعــن النظــر إلــى لحمــي وأخــذ يســلبني نفـسـي قطعــة قطعــة، بــادئ الأمــر وضعنــي في أسرة فقــرة، حيــث الخبــز أكــبر إنجــاز أحصــل عليــه، ثــم اقتلــع قلبــي ورمـاه في حلـق الشـيطان عندمـا ألقـى بحبيبتـي زوجـةً في فـراش أبي، أراهـا كل يــوم أمامــي، أنــزف نفــسي وأنــا أســمع أنينهــا في الغرفــة المجــاورة

هذا المقطع يتشابه بشكل قوي مع أكثر من أسطورة كبرى وأبرزها:

أسطورة بروميثيوس:

بروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية هو الإله الذي سرق النار من الآلهة وأعطاها للبشر، فعاقبه زيوس بأن ربطه إلى صخرة حيث يأتي نسر كل يوم ليلتهم كبده، ثم ينمو كبده مجددًا ليُعذّب مرة أخرى.

وأوجه التشابه: العقاب المتكرر المؤلم (سرقة النفس قطعة قطعة، كما في تمزيق كبد بروميثيوس)، وقسوة الإله (عدم الاستجابة للنداءات، بل العكس: التركيز على العذاب)، وأيضا الإحساس بالعجز والاستسلام للقدر.

وتتشابه أيضا مع أسطورة طراودة وقصة كاساندرا: فكاساندرا كانت تتنبأ بالمستقبل لكنها لعنت بأنها لا تُصدَّق .. كانت ترى المصائب قادمة (مثل دمار طروادة) ولكن لا أحد يستمع لتحذيراتها، والتشابه هنا في النداء المتكرر وعدم الإصغاء (كما تصرخ كاساندرا دون مجيب)، وأيضا في الشعور بالخذلان من الآلهة والبشر.

وهذا المقطع يمتزج فيه الطابع الأسطوري مع التراجيديا النفسية الحديثة .. كما أن تصوير الإله وهو يتجاهل النداءات بينما يسلب النفس تدريجيًا فيه نزعة احتجاج على القدر تشبه كثيرًا الأدب الوجودي الحديث عند كافكا وكامو .. وأيضا دمج الخيانة العاطفية (الحبيبة والزواج من الأب) يضفي طابع أوديبي (يشبه عقدة أوديب حيث تتداخل الرغبة والألم داخل الأسرة).

والمقطع الثاني:

قــررت الهــرب مــن جحيمــي ألقــى بــي فــي هــذه الصحــراء العفنــة، لــم يكتــفِ بتمزيــق قلبــي وســلبي روحــي، بــل وضعنــي بــين يــدي الكفيــل لأعمــل كحـمار دون رحمــة لا يــكل ولا يمــل مــن ضربــه وتأنيبــه علـى كل هفــوة، وفي النهايــة يريــد الــزج بي في الســجن؛ لأني رفضــت أن يركبنــي ويــأكل أجــري بعــد ســبعة أعــوام مــن العبوديــة في داره، فقــط نظــر إلَّي وغمغـم.. هـل مـا زلـتِ تعتقديـن أن هنـاك «رب» يسـمع! بنـبرة استسـلام تمتــم: ســأصمت الآن، وأتركــه لــك، عَلَّــه يســمعك وغــطَّ الإله في النــوم.

يتناص هذا المقطع مع أسطورة أيوب (سفر أيوب - الكتاب المقدس): فقد ابتُلي أيوب بأقصى أنواع الابتلاءات، فقد ماله وأولاده وصحته ومع ذلك صبر ثم بدأ يحتجّ ويتساءل عن عدالة الله، ويقنط من حاله وعدم استجابة الله لدعائه فيقول: "وأما الآن فقد ضحك عليَّ أصاغري أياما الذين كنت أستنكف من أن أجعل آبائهم مع كلاب غنمي" (أيوب 30: 1).

وجه التشابه هنا هو الإحساس بالخذلان الإلهي في (نداءات لا تُسمع) .. وسقوط في اليأس الصامت في (الصمت في نهاية المقطع مثل استسلام أيوب حين يصمت أمام الرب) .. والتساؤل المؤلم: "هل هناك رب يسمع؟" .. كل ذلك يعبر عن الاغتراب في الألم والعزلة.

كما يتناص أيضا مع أسطورة سِيزيف في الميثولوجيا الإغريقية، عندما عوقب سيزيف بأن يدفع صخرة ضخمة إلى قمة جبل، لكنها في كل مرة تسقط قبل بلوغ القمة، مما يجعل جهوده عبثية لا نهاية لها، وجه التشابه هنا في العمل القاسي المتكرر دون جدوى في (العمل كالعبد طوال سبع سنوات بلا أمل) .. وأيضا الشعور بالعبث واللاجدوى في (محاولة الهروب ثم الوقوع في وضع أسوأ) .. وصولا إلى الإرهاق والاستسلام النهائي.

بصراحة أبهرتني الكاتبة في هذه المجموعة فهي تمزج بين الأسطورة الدينية والأسطورة الفلسفية والتجربة الواقعية في صورة واحدة مذهلة.

وينتهي المقطع السابق بـ"سأصمت الآن وأتركه لك" تلمح أيضًا إلى نوع من النقل للمسؤولية الإلهية، وهو أسلوب أدبي موجود عند كامو وكافكا في وصف العبث.

وفي النهاية يمكننا القول أن مجموعة "وز عراقي" للكاتبة منى العساسي تُعد صرخة مكتومة في وجه عالم مأزوم، تصوغها نصوص قصيرة مكثفة، تتوسل الخلاص في زمن لا يسمع فيه أحد، ولا تقتصر نصوص المجموعة على رصد المعاناة الظاهرة لفئات مسحوقة اجتماعيًا، إنما تتجاوز ذلك إلى رسم المأساة الوجودية الأعمق: سقوط الإنسان في عالم تخلى عنه الرب والبشر معًا، فيتحول النص إلى شهادة ضد صمت السماء أولًا، ثم ضد ظلم الأرض ثانيًا، فتستعير الكاتبة مفاهيم وجودية عميقة ترتبط بفكر ألبير كامو وجان بول سارتر، حيث يغدو العالم صامتًا، ولا يعود الله ضامنًا لأي عدالة أو خلاص.. تترسخ في المجموعة قناعة وجودية مركزية: لا خلاص قادم من فوق، وعلى الإنسان أن يواجه جحيمه وحده.


-----------------
قائمة المراجع:

1. ميخائيل باختين، الخطاب الروائي: تعددية الأصوات في الرواية، ترجمة: محمد برادة، دار الفارس للنشر، 1990.

2. رولان بارت، موت المؤلف، ضمن: مقالات نقدية مختارة، ترجمة: نهاد التكرلي، دار المدى، 2000.

3. جيرار جينيت، مدخل إلى التناص، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، 2005.

4. غابرييل غارسيا ماركيز، عشت لأروي، ترجمة: صالح علماني، دار المدى، 2004.

5. تزفيتان تودوروف، مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، 1981.

6. إدوارد سعيد، تمثيلات المثقف، ترجمة: كمال أبو ديب، دار الآداب، 1996.

7. عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986.

8. ميلان كونديرا، فن الرواية، ترجمة: عدنان حسين أحمد، دار المدى، 2007.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى