لا بد أن يستوقفنى غلاف الرواية الذى يصور أربعة وجوه لنساء متشابهات وربما يشير إلى شخصيات الرواية وتشابه معاناتهن رغم تباعدهن ، كما استوقفنى عنوان الرواية وهى عبارة مجازية قابلة للتأويل وتعنى الكتابة المؤقتة أوالزائلة وهواسم ملف على اللاب توب الخاص بشخصية نعيمة يحوى شخصيات صديقاتها الثلاثة ص25 ، صُدرت الرواية بعبارة "إياك أن تظن أنك عرفتنى لمجرد أنى تحدثت إليك" للروائى فيدور ديستوفيسكى، وهى عبارة تشير إلى أن الإنسان يحمل أعماقا وجوانب أخرى خفية من شخصيته لا تظهر بمجرد الحديث معه ، وقد تشير عبارة التصدير إلى أن شخصيات الرواية رغم تواصلهن وعلاقاتهن الخاصة منذ الصغر إلا أن لكل شخصية جانبا أو وجها خفيا محجوبا عن الشخصيات الأخرى لا يستطعن التعرف عليه ، كما أن هناك إهداء "إلى زينات الحبيبة التى علمتنى القراءة" وهو نوع من التقدير والإعتراف بالجميل من المهدى إلى المهدى إليه ، كذلك يشير إلى الإعلاء من شأن القراءة والتى هى مفتاح المعرفة وأهميتها فى حياة المهدى، وهى عتبات هامة للرواية تهيئ القارئ للدخول فى فضاء الرواية والاستئناس بها أثناء القراءة .
بناء الرواية :
قام بناء الرواية على أسلوب تعدد الأصوات (1) والمنولوج الداخلى والبوح(2) من خلال وسيلة حديثة من وسائل التواصل الاجتماعى وهو جروب الفور إن (3) وهو يضم أربع شخصيات نسائية تبدأ أسماؤهن بحرف النون نعيمة ونجوى ونادين ونسمة كن زميلات وصديقات منذ طفولتهن ثم تفرقن وهاجر ثلاث منهن إلى عدة دول وبعد عشرين سنة أسست نعيمة التى تقيم بالأسكندرية جروب لشعورها بالوحدة ولجمع شمل الصديقات الأربعة ولتحكى كل واحدة منهن حكايتها وبصوتها، ويفصل صوت ناجى ابن نعيمة -التى اختفت لأسباب مجهولة - بين كل صوت وآخر وتنتهى الرواية بصوت ناجى البديل لنعيمة ليكون البناء السردى دائريا .
تعانى الشخصيات الأربعة من أزمات ومشكلات فى حياتهن فنعيمة (نعومة) تقيم فى الأسكندرية وتعانى من الوحدة بعد أن كبر ابنها ناجىواستقل بحياته عنها وتعانى من أزمة بعد إختفاء قطتها التى كانت تؤنسها مسببة لها خواء، ثم قامت بتأسيس جروب (الفورN) للتواصل مع صديقاتها الثلاثة نجوى(نوجا) التى تقيم بنيويورك وتعانى من الزهايمر المبكر وتعالج عند طبيبة نفسية بأسلوب التداعى الحر حيث تحكى لها قصتها من نشأتها حتى حاضرها د مارلين جونز وقد اختفت ابنتها نورا بعد أن فشلت فى الزواج من زميلها ديفيد الفرنسى ، ونادين تعيش فى فرنسا وتعشق الغناء ومغرمة بترديد عبارات من الأغانى تواجه بها أزماتها "ثمة قوة يمنحها الغناء، أندهش أن يخرج منى هذا الصوت طاردا كدرى وعجزى. يمنحنى الرضا والتصالح مع نفسى وحتى مع خالقى "ص109 ، لديها ولد وابنتان هم لديها أهم ما فى الحياة بل هم الحياة ولكنهم لم يقدرا تضحياتها وواجهت أزمة انحراف ابنها وطلب زوجها بنزولها مصر مع ابنتيها خوفا عليهما من الحياة الفرنسية المتحررة فى العلاقات بين الأولاد والبنات ، أما الشخصية الرابعة فهى نسمة ضرغام سافرت إلى لندن بمساعدة قريب لأمها (خالو فؤاد) وهى مصابة بمتلازمة تيرنر وهو وجود نقص فى جين الأنوثة أكس مما يحرمها من الدورة الشهرية والحمل والأطفال وتزوجت مرتين وكان لها موقف من الحياة عبرت عنه بلازمة وهى عبارة (عادى عادى) واجهت بها أزمتها ، أما شخصية ناجى ابن نعيمة فكان صوتا ذكوريا ربما لكسر رتابة توالى الأصوات النسائية الأربعة وفى نفس الوقت يكمل صوت أمه ليكمل دائرة السرد ، كان لناجى تساؤلات وجودية عن معنى الحياة وجدواها "لماذا أعيش أصلا ؟ ما معنى حياتى ؟ أو حياة أى أحد، سنموت سواء عشنا قليلا أو كثيرا، نحن كائنات بلا معنى فى كل الأحوال"ص23، وبالرواية بصفة عامة نفس وجودى تظهر فى عبارات متناثرة على لسان شخصياتها فى مواضع عدة بالرواية على سبيل المثال عبارة كل شئ يبدأ لينتهى وغيرها .
المكان :
يحضر المكان بقوة فى الرواية خاصة مدينة الأسكندرية ، حيث بدأت الرواية بعنوان يا إسكندرية، ومن مفردات المكان بالإسكندرية مقهى Freedom عند كورنيش محطة جامع إبراهيم ،المدرسة والجامعة وكتابة مجلة الحائط ، كذلك قطار أبو قير ومترو الرمل حيث مزحاتهن ونوادرهن مع كمسارى القطار ومحاولاتهن الهروب منه ، كذلك كان الإحتفاء بالبحر كبيرا وهو أكثر ما يميز الإسكندرية تقول نسمة "كنت استلهم من البحر طاقتى" ص240، وتردد نجوى "صَدفة كبيرة عتيقة أقربها من أذنى فينساب صوت البحر" ، وتردد نسمة فى مهجرها " عندما يفاجئنى البرد ، أفكر بدفئ شوارع الأسكندرية، دفء عميق مجهول المصدر حتى فى أشرس النوَّات، ثمة أنفاس دافئة كنت فى طفولتى أتخيلها ، تخرج من البحر كائنات عابرة لتحرس المدينة "ص224 ، تحلم الشخصيات الثلاثة بزيارة الاسكندرية بعد غيبة عشرين سنة ، كذلك هناك قرية منية عاصم حيث نشأت نجوى حيث الخرافات والاساطير والممارسات الشعبية الأسطورية مثل العمل والجان والسحر والحسد ودفعه بعبارة (خمسة وخميسة) وتظهر بالقرية أسطورة الجدة سندس حلالة العقد بالقرية " احكى عن أهلها المسكونين بالطيبة والكرم وتبجيل الخرافة "ص84 ، أما المكان فى المهجر فكان أقل حضورا فى الوصف نظرا لعزلة المهاجرين وعدم الإندماج فى موطن المهجر حيث حمل المهاجرون أوطانهم وعاداتهم وتقاليدهم معهم حتى جرائم القتل (جريمة قتل بنت لأنها أحبت شابا مغير دينها) ص72 تقول نسمة "حين وصلت باريس شعرت أننى لم أغادر مصر فأغلب الجارات ونساء الحى محجبات"ص118 وإن قادت فيما بعد المظاهرات ضد منع الحجاب وهو تغير حتمى يحمل ثقافة الموطن الجديد .
السخرية والفكاهة :
اتسم السرد بالرواية بجانب كبير من السخرية والفكاهة والحوار الباسم أضفى على الرواية الجمال والمتعة فعلى سبيل المثال السخرية من حزب الكنبة التى أطلق على القاعدين فى بيوتهم فى ثورة 25 يناير تقول"حتى الكنبة لم يعطونى إياها..لوكنت معهم لأشعلت النار فى الكنبة..واو جامدة أنا هاهاها"ص240 ، وعبارات من مسرحية ريا وسكينة مثل "هييه ماحدش بياكلها بالساهل هل أنا ريا أم سكينة ؟ هههه"ص18 ، ومثل "وتعود بخفى حنين ، يا ترى من هو حنين هذا ؟ ولمَ يترك خفيه يتسللان عبر التاريخ من قدم إلى أخرى ويحيرنا وراءه "ص 195 ، " واااو هذه تستحقين عليها إيموجى إنبهار " ، ومثل حكاية البنت التى بينها وبين الأرض عمارعلى لسان الجدة سندس" لو المتكلم مجنون يبقى المستمع عاقل. البنت الأرض مخاوياها . هل لنا نعترض!! – عمار يا أرض وكل واحد يلم لسانه ، ومثل الحوار الباسم بين نسمة وزوجها الباكستانى عن قضية أزلية هل الإنسان مخير أم مسير ورغم عمق القضية وجديتها إلا أنها تكون فى حوار بسيط ومرح :
- تفتكر الإنسان مسير ولا مخير يا عمورى؟
- طيب مسير ومخير بالرز والملوخية والفروج ، أضحك من خلطته العجيبة فيفسر مثلما أجسامنا تحوى نسبا متباينة من الكربوهيدرات والبروتين والدهون .. فهناك أمور محددة حتما نكون فيها مسيرين بخلاف باقى الأمور، أصفق له على فلسفته"المتبلة بالكسبرة والتقلية" فيطلب استبدال التصفيقة بقبلة أو بضحكة إن شحت القبل "ص220 ، كما تضمن السرد كثيرا من مقاطع الأغانى وأسماء كثير من المطربين مثل شادية وعبد المطلب وسعد عبد الوهاب وغيرهم على لسان شخصية نادين خاصة ، كما اتسم السرد بالتشويق إذ يظل القارئ يتساءل ماذا حدث وماذا بعد ، كذلك كان إختفاء شخصية نعيمة ثم العثور عليها بأحد المستشفيات فى العناية المركزة مثيرا للتشويق وقد تُرك للقارئ مساحة من الفراغ لمشاركته فى وضع نهاية لها . وقد تنوع التعبير بالضمائر الثلاثة ،الأنا والغائب والمخاطب وغلب استعمال ضمير الأنا بسبب غلبة أسلوب المنولوج عند شخصيات الرواية عند حكيهن فى جروب الفور إن القائم على البوح لكل شخصية .
اللغة :
كانت اللغة بسيطة وجميلة وباسمة فى كثير من المواضع وكانت اللغة محكية عند استعمال وسائل التواصل الإجتماعى مثل استخدام حروف(هههه، واااوو) وكذلك استخدام كلمة الإيموجى ورموزها ( 5)، كما كانت اللغة مزيجا من الفصحى والعامية فى السرد والحوار وتفصحت بعض العبارات العامية مثل "كله هنا بالبلدى وعلى المكشوف ومن يشترى ، لا مانع أبدا أن يتفرج .هههه"ص14 ، إلا أن لى على اللغة بعض المآخذ الصغيرة مثل استخدام نون النسوة فى مواضع كثيرة خاصة فى الحوار والمنولوج كما ورد فى الأمثلة السابقة، مما أضفى عليهما بعض الغرابة والثقل، كذلك استخدام اللغة الفصحى واللهجة العامية فى جملة واحدة من الحوار مثل "صحصحى يا غلبانة أنت وهى ..أنتن والله المعوقات بأدمغتكن هذه ..هأهأ "ص250 .
استطاعت الكاتبة تقديم رواية حديثة ومشوقة عن الغربة والإغتراب وبنفس وجودى شفيف وبقدرات فنية وتقنيات سردية عالية، كما اتسمت بالمرح وخفة الظل، وبجمال اللغة والسرد والحوار والمنولوج، وعبرت بشجاعة عن أزمات النساء وما يواجهن من مشكلات وعسف فى المجتمعات العربية والأجنية على السواء . ______________________________________
الهوامش : ( 1) الرواية المتعددة الأصوات و البوليفونية هى سمة من سمات السرد القصصى ونوع أدبى للرواية الحديثة الذى يفسر الواقع من عدة وجهات نظر ولا تعتمد على نظرة وحيدة وتتسم بالديموقراطية فى السرد ، ونرى أن الرواية متعددة الأصوات على موضوع واحد وهو الهجرة والإغتراب وإن اختصت بتجربة كل شخصية .
(2) المونولوج أو حديث النفس أو النجوى هو حوار يكون بين الشخصية وذاتها أى ضميرها أو بمعنى آخر هو حوار مع النفس وقد استخدم كثيرا قديما وحديثا فى المسرح ، والبوح هو كشف الشخص عن معلومات شخصية وحساسة وتسمى شعبيا الفضفضة وهوأسلوب متبع فى العلاج النفسى .
(3) اسم الجروب (فورإن) يستدعى اسم فرقة موسيقية (فورإم )أسسها عزت أبو عوف وأخواته الأربعة منى ومها ومنال ومرفت ظهرت فى السبعينيات وحققت شهرة ونجاحا كبيرا فى ذاك الوقت .
(4) ”إيموجي“ كلمة تستعمل كثيرا فى لغة التواصل الإجتماعى وترمز إلى شعور الشخص تجاه شئ ما، وهى مأخوذة من اللغة اليابانية، حيث ”إي“ تعني صورة، و”موجي“ تعني حرف أو رمز( الجملة الأخيرة من الويكيبيديا) .
بناء الرواية :
قام بناء الرواية على أسلوب تعدد الأصوات (1) والمنولوج الداخلى والبوح(2) من خلال وسيلة حديثة من وسائل التواصل الاجتماعى وهو جروب الفور إن (3) وهو يضم أربع شخصيات نسائية تبدأ أسماؤهن بحرف النون نعيمة ونجوى ونادين ونسمة كن زميلات وصديقات منذ طفولتهن ثم تفرقن وهاجر ثلاث منهن إلى عدة دول وبعد عشرين سنة أسست نعيمة التى تقيم بالأسكندرية جروب لشعورها بالوحدة ولجمع شمل الصديقات الأربعة ولتحكى كل واحدة منهن حكايتها وبصوتها، ويفصل صوت ناجى ابن نعيمة -التى اختفت لأسباب مجهولة - بين كل صوت وآخر وتنتهى الرواية بصوت ناجى البديل لنعيمة ليكون البناء السردى دائريا .
تعانى الشخصيات الأربعة من أزمات ومشكلات فى حياتهن فنعيمة (نعومة) تقيم فى الأسكندرية وتعانى من الوحدة بعد أن كبر ابنها ناجىواستقل بحياته عنها وتعانى من أزمة بعد إختفاء قطتها التى كانت تؤنسها مسببة لها خواء، ثم قامت بتأسيس جروب (الفورN) للتواصل مع صديقاتها الثلاثة نجوى(نوجا) التى تقيم بنيويورك وتعانى من الزهايمر المبكر وتعالج عند طبيبة نفسية بأسلوب التداعى الحر حيث تحكى لها قصتها من نشأتها حتى حاضرها د مارلين جونز وقد اختفت ابنتها نورا بعد أن فشلت فى الزواج من زميلها ديفيد الفرنسى ، ونادين تعيش فى فرنسا وتعشق الغناء ومغرمة بترديد عبارات من الأغانى تواجه بها أزماتها "ثمة قوة يمنحها الغناء، أندهش أن يخرج منى هذا الصوت طاردا كدرى وعجزى. يمنحنى الرضا والتصالح مع نفسى وحتى مع خالقى "ص109 ، لديها ولد وابنتان هم لديها أهم ما فى الحياة بل هم الحياة ولكنهم لم يقدرا تضحياتها وواجهت أزمة انحراف ابنها وطلب زوجها بنزولها مصر مع ابنتيها خوفا عليهما من الحياة الفرنسية المتحررة فى العلاقات بين الأولاد والبنات ، أما الشخصية الرابعة فهى نسمة ضرغام سافرت إلى لندن بمساعدة قريب لأمها (خالو فؤاد) وهى مصابة بمتلازمة تيرنر وهو وجود نقص فى جين الأنوثة أكس مما يحرمها من الدورة الشهرية والحمل والأطفال وتزوجت مرتين وكان لها موقف من الحياة عبرت عنه بلازمة وهى عبارة (عادى عادى) واجهت بها أزمتها ، أما شخصية ناجى ابن نعيمة فكان صوتا ذكوريا ربما لكسر رتابة توالى الأصوات النسائية الأربعة وفى نفس الوقت يكمل صوت أمه ليكمل دائرة السرد ، كان لناجى تساؤلات وجودية عن معنى الحياة وجدواها "لماذا أعيش أصلا ؟ ما معنى حياتى ؟ أو حياة أى أحد، سنموت سواء عشنا قليلا أو كثيرا، نحن كائنات بلا معنى فى كل الأحوال"ص23، وبالرواية بصفة عامة نفس وجودى تظهر فى عبارات متناثرة على لسان شخصياتها فى مواضع عدة بالرواية على سبيل المثال عبارة كل شئ يبدأ لينتهى وغيرها .
المكان :
يحضر المكان بقوة فى الرواية خاصة مدينة الأسكندرية ، حيث بدأت الرواية بعنوان يا إسكندرية، ومن مفردات المكان بالإسكندرية مقهى Freedom عند كورنيش محطة جامع إبراهيم ،المدرسة والجامعة وكتابة مجلة الحائط ، كذلك قطار أبو قير ومترو الرمل حيث مزحاتهن ونوادرهن مع كمسارى القطار ومحاولاتهن الهروب منه ، كذلك كان الإحتفاء بالبحر كبيرا وهو أكثر ما يميز الإسكندرية تقول نسمة "كنت استلهم من البحر طاقتى" ص240، وتردد نجوى "صَدفة كبيرة عتيقة أقربها من أذنى فينساب صوت البحر" ، وتردد نسمة فى مهجرها " عندما يفاجئنى البرد ، أفكر بدفئ شوارع الأسكندرية، دفء عميق مجهول المصدر حتى فى أشرس النوَّات، ثمة أنفاس دافئة كنت فى طفولتى أتخيلها ، تخرج من البحر كائنات عابرة لتحرس المدينة "ص224 ، تحلم الشخصيات الثلاثة بزيارة الاسكندرية بعد غيبة عشرين سنة ، كذلك هناك قرية منية عاصم حيث نشأت نجوى حيث الخرافات والاساطير والممارسات الشعبية الأسطورية مثل العمل والجان والسحر والحسد ودفعه بعبارة (خمسة وخميسة) وتظهر بالقرية أسطورة الجدة سندس حلالة العقد بالقرية " احكى عن أهلها المسكونين بالطيبة والكرم وتبجيل الخرافة "ص84 ، أما المكان فى المهجر فكان أقل حضورا فى الوصف نظرا لعزلة المهاجرين وعدم الإندماج فى موطن المهجر حيث حمل المهاجرون أوطانهم وعاداتهم وتقاليدهم معهم حتى جرائم القتل (جريمة قتل بنت لأنها أحبت شابا مغير دينها) ص72 تقول نسمة "حين وصلت باريس شعرت أننى لم أغادر مصر فأغلب الجارات ونساء الحى محجبات"ص118 وإن قادت فيما بعد المظاهرات ضد منع الحجاب وهو تغير حتمى يحمل ثقافة الموطن الجديد .
السخرية والفكاهة :
اتسم السرد بالرواية بجانب كبير من السخرية والفكاهة والحوار الباسم أضفى على الرواية الجمال والمتعة فعلى سبيل المثال السخرية من حزب الكنبة التى أطلق على القاعدين فى بيوتهم فى ثورة 25 يناير تقول"حتى الكنبة لم يعطونى إياها..لوكنت معهم لأشعلت النار فى الكنبة..واو جامدة أنا هاهاها"ص240 ، وعبارات من مسرحية ريا وسكينة مثل "هييه ماحدش بياكلها بالساهل هل أنا ريا أم سكينة ؟ هههه"ص18 ، ومثل "وتعود بخفى حنين ، يا ترى من هو حنين هذا ؟ ولمَ يترك خفيه يتسللان عبر التاريخ من قدم إلى أخرى ويحيرنا وراءه "ص 195 ، " واااو هذه تستحقين عليها إيموجى إنبهار " ، ومثل حكاية البنت التى بينها وبين الأرض عمارعلى لسان الجدة سندس" لو المتكلم مجنون يبقى المستمع عاقل. البنت الأرض مخاوياها . هل لنا نعترض!! – عمار يا أرض وكل واحد يلم لسانه ، ومثل الحوار الباسم بين نسمة وزوجها الباكستانى عن قضية أزلية هل الإنسان مخير أم مسير ورغم عمق القضية وجديتها إلا أنها تكون فى حوار بسيط ومرح :
- تفتكر الإنسان مسير ولا مخير يا عمورى؟
- طيب مسير ومخير بالرز والملوخية والفروج ، أضحك من خلطته العجيبة فيفسر مثلما أجسامنا تحوى نسبا متباينة من الكربوهيدرات والبروتين والدهون .. فهناك أمور محددة حتما نكون فيها مسيرين بخلاف باقى الأمور، أصفق له على فلسفته"المتبلة بالكسبرة والتقلية" فيطلب استبدال التصفيقة بقبلة أو بضحكة إن شحت القبل "ص220 ، كما تضمن السرد كثيرا من مقاطع الأغانى وأسماء كثير من المطربين مثل شادية وعبد المطلب وسعد عبد الوهاب وغيرهم على لسان شخصية نادين خاصة ، كما اتسم السرد بالتشويق إذ يظل القارئ يتساءل ماذا حدث وماذا بعد ، كذلك كان إختفاء شخصية نعيمة ثم العثور عليها بأحد المستشفيات فى العناية المركزة مثيرا للتشويق وقد تُرك للقارئ مساحة من الفراغ لمشاركته فى وضع نهاية لها . وقد تنوع التعبير بالضمائر الثلاثة ،الأنا والغائب والمخاطب وغلب استعمال ضمير الأنا بسبب غلبة أسلوب المنولوج عند شخصيات الرواية عند حكيهن فى جروب الفور إن القائم على البوح لكل شخصية .
اللغة :
كانت اللغة بسيطة وجميلة وباسمة فى كثير من المواضع وكانت اللغة محكية عند استعمال وسائل التواصل الإجتماعى مثل استخدام حروف(هههه، واااوو) وكذلك استخدام كلمة الإيموجى ورموزها ( 5)، كما كانت اللغة مزيجا من الفصحى والعامية فى السرد والحوار وتفصحت بعض العبارات العامية مثل "كله هنا بالبلدى وعلى المكشوف ومن يشترى ، لا مانع أبدا أن يتفرج .هههه"ص14 ، إلا أن لى على اللغة بعض المآخذ الصغيرة مثل استخدام نون النسوة فى مواضع كثيرة خاصة فى الحوار والمنولوج كما ورد فى الأمثلة السابقة، مما أضفى عليهما بعض الغرابة والثقل، كذلك استخدام اللغة الفصحى واللهجة العامية فى جملة واحدة من الحوار مثل "صحصحى يا غلبانة أنت وهى ..أنتن والله المعوقات بأدمغتكن هذه ..هأهأ "ص250 .
استطاعت الكاتبة تقديم رواية حديثة ومشوقة عن الغربة والإغتراب وبنفس وجودى شفيف وبقدرات فنية وتقنيات سردية عالية، كما اتسمت بالمرح وخفة الظل، وبجمال اللغة والسرد والحوار والمنولوج، وعبرت بشجاعة عن أزمات النساء وما يواجهن من مشكلات وعسف فى المجتمعات العربية والأجنية على السواء . ______________________________________
الهوامش : ( 1) الرواية المتعددة الأصوات و البوليفونية هى سمة من سمات السرد القصصى ونوع أدبى للرواية الحديثة الذى يفسر الواقع من عدة وجهات نظر ولا تعتمد على نظرة وحيدة وتتسم بالديموقراطية فى السرد ، ونرى أن الرواية متعددة الأصوات على موضوع واحد وهو الهجرة والإغتراب وإن اختصت بتجربة كل شخصية .
(2) المونولوج أو حديث النفس أو النجوى هو حوار يكون بين الشخصية وذاتها أى ضميرها أو بمعنى آخر هو حوار مع النفس وقد استخدم كثيرا قديما وحديثا فى المسرح ، والبوح هو كشف الشخص عن معلومات شخصية وحساسة وتسمى شعبيا الفضفضة وهوأسلوب متبع فى العلاج النفسى .
(3) اسم الجروب (فورإن) يستدعى اسم فرقة موسيقية (فورإم )أسسها عزت أبو عوف وأخواته الأربعة منى ومها ومنال ومرفت ظهرت فى السبعينيات وحققت شهرة ونجاحا كبيرا فى ذاك الوقت .
(4) ”إيموجي“ كلمة تستعمل كثيرا فى لغة التواصل الإجتماعى وترمز إلى شعور الشخص تجاه شئ ما، وهى مأخوذة من اللغة اليابانية، حيث ”إي“ تعني صورة، و”موجي“ تعني حرف أو رمز( الجملة الأخيرة من الويكيبيديا) .