محمد بشكار - ميكا حرام، ميكا حلال..!

لا ترتقي الثقافة أحياناً إلا إذا اضطررنا للإنحدار بالتفكير حضيضاً حيث الأوبئة هي الشُّغْلُ النَّاغِلُ في عقول الناس؛ و ليست الثقافة دائما ما اكتمل من أفكارٍ في سبائك لغوية منشورةٍ في كتبٍ أنيقة تحمل تجنيسات مختلفة من قبيل؛ الرواية و الفلسفة و الشعر..إلخ، بل الثقافة ما نعيش كوابيسها يقظين في مستنقع واقعنا السفلي و يجعل أيامنا سوداً في وضح النهار؛ الثقافة ليست دائما زبدة في ضِرعٍ تنتظر من يزدردها بشهية مغمض العينين، إنما لبنٌ يمخُضنا برجاته القصوى عسى نستعيد مع زبدة المفاهيم و عينا؛ لذلك دعوني اليوم أفكر في هذه الرائحة الصاعدة من أسفلنا جميعاً بعد أن حاول من يدَّعون الحكمة في بلدنا و هُم في التَّسَلُّطِ حكومة، أنْ يقلبوا مزاج عيشنا رأساً على عقِبٍ، لتصير حياتنا ضَنْكاً؛ ألسنا نُكرِّرُ الأمثولة الشعبية "سقطتْ الصومعة فعلَّقوا الحجّام" التي مازال يجدها بعض سياسيينا ناجعة في الضحك على الذقون مهما طالت لحاها مع قِصَرِ العقل، وهم بذلك إنما يمسكون بالريح بدل اللجام في حكمهم الجائر للناس؛ و إلا ما معنى أنْ تُحرِّم حكومة بنكيران الميكا (الأكياس البلاستيكية) في انتظار ربما تصنيع "ميكا حلال"، لدواعي الحفاظ على نظافة البيئة، بينما تَقْبَلُ في ذات وقت منع استعمال المواطنين للميكا، تفريغ أطنان النفايات القادمة من البلدان الصناعية الأوروبية فوق رؤوس هذا الشعب المستضعف الذي لا حول له إلا أن يأكل قلبه غمّاً و ألماً..!

أجل لا ترتقي الثقافة أحياناً إلا إذا انحدرنا بالتفكير حضيضاً؛ و قد نقفُ مع الزَّغَبِ في رؤوسنا مشدوهين في أحايين كثيرة لما ينفرز عن رحم الثقافة الشعبية لهذا الحضيض من حِكَمِيَّاتٍ لا نستطيع أن نشيح عن معانيها البليغة بنظرنا و نشْزُرها بعين ميكا التي لا تحتاج هذه الأيام تعريفاً، بعد أن صارت في مجتمعنا المغربي أشهر من نيوتن الذي لو رآها طائرة بالعقول في الهواء، لَفَقَدَ الثقة في جاذبية الأرض..!
لا تَغُرَّنَّكَ خِفّة الميكا، لقد ثقُلَ شأنها في بلادي و عظُمَ حتى غدت بعد منعها و تجريم من يستعملها أو يشتريها أو يروجها بالبيع سراً و علانية، بأقصى الغرامات والعقوبات قد تصل للحبس، و صارت لدى البعض عنواناً للنضال، و غدا من يحملها كمن يصرخ بشعار سياسي خطير يمسُّ بأمن الدولة؛ كيف لا تكون ممارسة "الميكا" في بلادي نشاطاً سياسياً و قد شرَّدت أُسراً بعد إقفال الشركات التي تصنعها و حرمان العاطلين عن العمل من بيعها في الأسواق و محلات بيع الثياب و الشوارع، حتى صَدَق عليها المثل و هي تُنْعش كل من سكت قلبه اقتصادياً؛ رُبَّ ضارَّةٍ نافعة..!
تُرانا بعد أن غدونا من فرط استعمال الميكا عقودا طويلة كائنات بلاستيكية، و سرى مفعولها السحري في دمنا بعد أن امتزجت بسماد أرضنا في الحقول، و صرنا نأكلها في صلب القمح و ترائب الخضار؛ و نشرب الميكا بعد أن ذابت ماءً مُنزَّلاً أجاجاً و ليس فُراتاً من سمائنا التي أصبحت بطبقاتها أكثر من سماء بفعل التلوث، و صارت أثقل على كاهلنا بسياط الأمطار التي تنهال مدراراً طيلة السنة دون أن تنضبط في الفصول لفصل كان يُسمى و احسرتاه شتاءً؛ كيف يمكن فطام أجيال تركيبة خلاياها الجسمانية و حتى الروحية تغذت على مادة الميكا حتى أصبحت مصحاتُ البلاد رائجةً بكل أنواع الأمراض التي بقدر ما تُدِرُّ ربحاً غزيراً على بعض التجار من الأطباء، فهي تُكبدنا خسائر فادحة في صحتنا؛ بربكم قولوا؛ كيف سنعيش بدون ميكا بعد أن أصبحنا في أجسامنا أكياسا بشرية أو بلاستيكية، ننتظر فقط من ينفخُ لنطير..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 14 يوليوز 2016)


1746340946510.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى