مقتطف علي مفتاح - بيني و بين الكتابة مسافة انتقام... من سيرة روائية : "أمي.. نحيب الصامتين"

من سيرة روائية : " أمي .. نحيب الصامتين

القلم رمح و الكتابة كتيبة إعدام، و هذه الأوراق كلها التي كتبتُ هنا تجيد الوشاية و تشهد زورا من أجل موت يطل علي من عقل أفرغ من محتواه، لم يحن بعد وقت الاستسلام للموت، مازال الطفل الذي كنته يتمتع بقدرات لكي يحملني بعيدا عني و عنكم و عن كل هذه الأوراق التي جعلتُ منها حقل ألغام، و لا أعرف .. في زحمة هذه الحرب المعلنة بيني و بين الكتابة إن كان لي الحق في طلب إقرار هدنة من أجل الاستشارة مع كل الشخوص التي قتلتها في هذا النص لكي يجدوا لي مكانا آمنا بين القبور، لا أعرف .. إن كان لي الحق أن أجهر بالحق، و أعترف أمام كل هذه الأمة من الأموات أن الكتابة قتل للكاتب و للوقت، لست مجبرا أن أمشي بينكم مطأطأ الرأس أحمل هذا النص جثة متحللة تنبعث منها رائحة حقدي عليكم و كراهيتي لفكرة الانتساب إليكم، فأنا مقبرة قديمة لكل تلك الكتب القديمة التي أحرقها الانسان للهروب من شر الانسان، أنا مجسد صغير لفكرة كبيرة وضع أسسها كاتب متدرب، كان يكتب مقالاته، و عندما يصدر العدد يأخذ نسخة يمزقها لقطع صغيرة يوظفها في المرحاض و في تدوين الأفكار الكبيرة، لا أعرف إن كنت سأستطيع العيش بدون هذا النص الذي تخلصت منه و تخلص مني، لقد تحملني طويلا و تحمل حقدي كثيرا، فكنا مرات عديدة نهرب من بعضنا البعض، و عندما كنا نلتقي كان يأتيني في صورة صبية جميلة عارية تطلب أن تلبسني و ألبسها فما إن أقبلها القبلة الأولى المشتعلة، حتى تتحول إلى عجوز بوجه بشع تطالبني بثمن القبلة و سعر الغواية، لا أعرف إن كانت الحياة ستعود إلى سابق حياتها، و أن الطفل الذي كتب هذا النص سينام بداخلي قرير العين و الروح، و أنه سيتسلى بنبضات قلبي لوقت طويل دون أن أسمعه "يدق جدار الخزان" و يطالبني بالإفراج عنه و ينطلق في سماء النضال لتحرير روحي التي استوطنها كيان يجيد كتابة العبث و التبول على الحيطان و الجلوس في مقهى تبث مباريات كرة الندم و ملئ الكلمات المتقاطعة و إحصاء كم تبان "سترينغ" و رافعة صدر مرت من أمام المقهى، و كم من المصلين دخلوا المسجد و كم من سكير خرج من الحانة و لم يخرج بعد من شر نفسه، لا أعرف .. كل ما أعرفه أني قتلت هذا النص بدم بارد، و جلست بالقرب منه أفكر في كيفية التخلص منه دون أن تتابعني وزارات ثقافتنا بتهمة الكتابة، و يقاضيني القارئ بجرم تسريب خطابات التسيب، و يحكم علي الكُتّابُ بسرقة موصوفة لصور إنسانية مستهلكة في الأدب و في اللاأدب، نعم .. لقد فكرت طويلا قبل أن أتخذ قرار تحويل هذا النص إلى مقبرة لكل كاتب لم يجد بينكم و في أرضكم قبرا، و لم يجد فرصة لكي يصعد منصاتكم و يأخذ مكبر الصوت في يده و يتكلم باسمكم مستعيرا أصواتكم، يطالبكم بشيء من الصمت لكي يعيد للصوت صوته، لكن هذا الصوت الجماعي كشفت الحفريات أنه مسكون بالصمت و قتل كل اللغات، وضع المكبر على الأرض و انسل من وسط الجمع، و طلب حق اللجوء إلى مقبرة الكتابة التي اختارها أن تكون مجهولة القبر و مجهولة الهوية لكي يجنب حروفه و كلماته، و يجنب نفسه ويلات المتابعة، و في الختام أعترف أن هذا النص لم يُكتب ليُقرأ، بل كُتب لينتحر، كي يُجنّبني ويُجنّبكم ويلات التفكير في الكتابة، وخطر أن يكون للصمت صوت، وداعا أمي و معها كل المنتحبين في صمت .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى