مصطفى فودة - قراة فى ديوان "باب خلفى ..للسما" للشاعرة حنان شاهين سمات فنية وأسلوبية

لا بد أن يلفت عنوان الديوان نظر القارئ، لما به من غرابة بعض الشئ ويمكن تأويله إلى عدة معانٍ، فقد يعنى طريقا آخر للسمو أو الارتقاء أو للقرب من الله تعالى بطريق غير تقليدى أو مختلف وغير معروف لكثير من الناس مثل الاهتمام بالباطن وأعمال القلوب، وقد يعنى المعانى السامية بالدين أو الفن أو غيرها من المعانى المحتملة للعنوان، فدلالة السماء تعنى كل ما يعلو على سطح الارض بما فى ذلك الغلاف الجوى والفضاء الخارجى وقد يكون لها دلالة معنوية مثل الارتقاء أو السمو أو رمزية إلى الله تعالى، وقد بدأ عنوان الديوان بعبارة باب وهى نكرة تفيد التعدد والكثرة وتكررت كلمة باب عدة مرات بقصائد الديوان وانتهى بذكر باب ثلاث مرات فى ختام القصيدة الأخيرة من الديوان "صلاة" :
واقفة على باب الرجا
أبغى الوصول
افتح لى باب القصيدة
افتح لى باب الدخول ص121
فكأن الديوان يدور ويحاكى دوران الأفلاك فى السماء أو الرقص الدائرى عند بعض طوائف الصوفية أوالرقص عند راقصة الباليه (الباليرنا) والمرسومة على غلاف الديوان وهى كانت عنوان القصيدة الأولى منه :
ترقص وتدور
ويادوبك بس تلامس طرف الأرض بخفة
ف كأن قانون الجذب استسلم من فرط الرقة.
وقد عبرت البالرينا عن دلالة الرقة والرشاقة وتجاوز ثقل الجسد البشرى والجاذبية الأرضية وكانت المثل الأعلى للفن بالديوان، كما أنها مصدر الفرح والبهجة فهى مثل الفراشة فى الرشاقة والرقة والجمال : "باليرنا بترقص/ فى مساحة مترx متر/ محتاجة براح/ محتاجة تنفض عن جناحيها الخوف وتطير/ محتاجة إيقاع / ..وتحاكى الفلك الساير فى دواير/ ..ويادوبك بس تلامس طرف الارض بخفه/ ف كأن قانون الجذب استسلم من فرط الرقة/..وترش جهامة هذا العالم بالفراشات" ص9
عبرت الشاعرة عن تجربتها الذاتية فى البحث عن إجابة لتساؤلاتها أثناء طفولتها وفى قرض الشعر وإخفاؤه عن أمها :
"مشهد صعودك كل يوم ساعة المسا
على أعلى حتة ف سطح بيتكم
تبحثى عن أجوبة
مشهد نزولك
وانتِ بتخبى قصيدتك
خايفة أمك تضربك ..
وكنتِ بتخبى القصايد جوا طاقة فى جدار" ص53
كما عبرت من خلال تجربتها عن براءة الطفولة وسذاجتها وعن محاولة التعرف على الله تعالى بالنظر إلى السحاب من أعلى سطح بيتها :
وحاولت مرة ألمسك من فوق سطوح بيتنا
كان سنى ست سنين ..
وبكيت، وطلعت فوق السطوح أنده لك
شفتك سحاب بيمر" .
كما عبرت عن حبها الشديد للفن من خلال تجربتها الذاتية وعن زميلها الفنان فى الدرسة فى قصيدة جرافتى وهى من أجمل قصائد الديوان عن الفن " أمجد عاشق فن الرسم/..أمجد فنان / مؤمن أن الفن إله/ ممكن يشفى الأعمى/ ويحى الموتى/ ويخلق من خشب التخته حياه " ص44، كذلك عبرت عن تمردها وتحررها من خلال تجربتها فى قصيدة مونولوج ص47 " حساك ليه مستسلمة، ما بتنطقيش/..قومى اخرجى / تمردى/ قولى أنا/.. ذرة تمرد عالعدم / ..محتاج لجو من التحرر/ محتاج سما / محتاج مجال شفاف"ص47 " .
حفل الديوان بكثير من التناص مع آيات القرآن الكريم مثل قصة الخلق فى قصيدة بداية " فكان الطين وقصة الانسان..والهبوط للأرض"ص35 وقد تناصت مع عدة أيات بالقرآن الكريم تحدثت عن قصة خلق الأنسان وهبوطه إلى الأرض، كما تناصت قصة الغراب فى قصيدة (سوءة) مع قصة الغراب فى القرآن الكريم التى جاءت حتى يتعلم الانسان أن يوارى سوءة أخيه ويدفن جثمانه بعد موته، غير أن تناص الغراب فى القصيدة مختلف حيث علمها الحرية والطيران عكس اتجاه الريح " ما علمنيش يومها الغراب/أوارى سوءتى عنكم/ ..لكنه للاسف سابنى وما علمنى غير إنه / بسط جناحيه/ وطار عكس اتجاه الريح " ص57 ، كذلك بالنص تناص مع نعيم الجنة فى القرآن الكريم مثل" ويبقى له جنان خضره / وأشجار/ وأنهار/ وغلمان/ وحور عين "ص105 ، "واعرج بقلبى لحد سدرة المنتهى/ لعلى أبلغ مأمنى وياك "ص120 ، وكذلك كلمتى صلاة والقلم تناص مع آيات كثيرة فى القرآن الكريم تتحدث عن الصلاة وعن القلم فى سورة القلم ، كما ورد تناص مع الكتاب المقدس " فى البدء كان الرب / كان العرش / كان الماء / وكان الطين " ص38 ،كذلك قصة الصلب" وكيف ظلموه/ وكيف صلبوه لحد ما مات"ص59 تناص مع قصة الصلب فى العقيدة المسيحية .
كان للأسطورة حضور لافت بالديوان وخاصة أسطورة شيطان الشعر وهو من يلهم الشاعر الشعر حسب ما كان يُعتقد فى العصور الأولى، وقد ورد شيطان الشعر فى عدة مواضع بالديوان مما يعبر عن إلحاح تلك الفكرة على الذات الشاعرة فبدأ الديوان بالإهداء إلى شيطان الشعر"إلى شيطان شعرى"ص5 كما ورد فى عدة مواضع بالديوان مثل :
"شيطان شعرى جرئ جدا
ولا يعرفش معن العيب
"ويتخطى حدود المنطق المسموح"ص93
ومثل "شيطان شعرى أكيد شاطر" ص95 ،..اجمع شياطينك هنا" ص119 كذلك أسطورة وادى عبقر "الليلة خدنى وادى عبقر"
كذلك كان الغول من الأساطير الذى ذكر فى عدة مواضع بالديوان، وقد قُرن دائما بالخوف عند الذات الشاعرة "كم غول خرج م العتمة خوفنى"ص11 "الغول الواقف آخر السكة "ص72 ، كذلك من الأساطير الرغبة فى معرفة المجهول مثل فتح الأبواب المغلقة فى الحواديت والأكل من الشجرة المحظورة "شجرة أكيد محظورة عليك / تستغرب ليه كل الحواديت/ فيها باب مقفول / تستغرب ليه فيه دايما غول "ص73 كما فى حكايا ألف ليلة وليلة .
حفل الديوان بتقنية السرد فى بعض القصائد منها قصيدة "صدفة" ص79 والتى قد تكون قصة قصيرة أو القصة الومضة بإمتياز، فقد أجل الأب قرار سفره وتجملت الأم لزوجها فمال عليها وأنجبا ابنتهما "فمال عليها وقال كلمتين / ضحكت برقة / وغابوا سوى../ ولكنى جيت/ مصادفة وتكررت تلك الصدفة فى لقاء الذات الشاعرة مع من ستقابله صدفة أيضا وستتزوجه حيث قدم لها المساعدة حين صدمتها سيارة وكأن الحياة كلها صدفة "ودار بعد منها ما بينا كلام/ ونظرة ومحبة، وشبكة وفرح/ وبنت وولد/ ولد شكل أبوه / فى بعض الملامح/ وبنت بتشبه عيونها عيونى/مصادفة يجوز/ ويمكن قدر"ص83 فالقصيدة بها نفس سردى وقصصى واتسمت بالتكثيف والإيجاز والحذف والكناية فى المسكوت عنه فى الحدث والايقاع السريع .
مظاهر الطبيعة الريفية فى الديوان :
حفل الديوان بحشد كبير بألوان الجمال فى البيئة الريفية مثل اللون الأخضر والشجر والغيطان والقمر والبراح والقمح والتوت والطين والبرتقان(البرتقال)
كان أكتر لون ب تشوفه فى يومها اللون الأخضر
والعالم بالنسبة لها..البيت النى
وغيط القمح
وشجرة التوت
تاكل منها لحد ما تشبع ص66
وكذلك"يمكن حفيف الشجر/ يمكن صهيل الريح فى غضبتها / ..شفتك خضار فى الغيطان/شفتك قمر مكتمل"ص13 /عارفاك بتعشق فى الحياة لون الخضار"ص115، عروسة الطين التى تعملها الطفلة فى الريف وتلعب بها، وسيدنا والكُتَّاب.
مظاهر الحب الرومانسى :
كان للحب الرومانسى حضور لافت فى الديوان فى بواكير الطفولة والشباب وقد اتسم بالمشاعر الرومانسية الرقيقة ففى قصيدة "منهج" ص27 سبعة دروس فى الحب الرومانسى فى مقتبل العمر"رسم كروكى لقلب وسهم/ واصل بين حرفين عاشقين/ رسمة بسيطة بشوفها كتير/ مرسومة على جلد كتاب/منحوتة على خشب التختة/ وبقصص الحب الأشبه بالقصة الومضة/...البنت العاشقة فن الرسم/بتفتح علبة ألوانها/ وبتسحب علبة ألوانها / وبتسحب منها اللون الأخضر"، وفى قصيدة "ضى" ص39 وفى مظاهر كثيرة لهذا الحب الرومانسى الرقيق .
الفنون فى الديوان :
حفل الديوان بالعناية بالفنون عامة وبالفن التشكيلى خاصة فقد أشارت القصائد إلى العديد من مفردات الفن التشكيلى وأهمها الألوان مثل الأخضر والأسود والأزرق والأبيض والأحمر وقوس قزح"وراح يواصل شهوة الألوان/بقى قوس قزح/..ويحلله ألوان" ص19 ، وذكر العتمة والضوء وهما من عناصر الفن التشكيلى ، رسم كروكى لقلب وسهم ، كشكول الرسم ، وفى نص جرافيتى شغف كبير بالفن وبزميلها الفنان فى المدرسة أمجد سليمان الفنان التشكيلى كما ذكرناه سابقا ، كما حفل الديوان بالفنون الأخرى مثل الباليه فى نص باليرنا والموسيقى واللحن والسيمفونية والعزف والنغم ص59 ، الناى ، الصورة، الكاميرا ، والقصة والقصة الومضة وكان عناوين بعض قصائده لفنون سردية مثل قصيدة مونولوج، وسينمائية مثل قصيدة سيناريو .
النزعة الروحية اللافتة بالديوان :
رغم نزوع الذات الشاعرة بالتمرد ونزع الخوف وتساؤلاتها الوجودية عن الموت والحياة، إلا أنها كانت ذات نزعة روحية وإيمانية قوية ولافتة فى الديوان عبرت عنها من خلال تجربتها مما أكسبها طابع العمق والصدق وكانت قصيدة "وصول" ص11 معبرة عن تلك التجربة الروحية فى التعرف على الله تعالى فى السحاب من فوق سطح بيتها ببراءة الطفلة الصغيرة ذات السنوات الستة .
"أنا كنت بيك مؤمنة من أول القصة
من قبل ما اتهجى الحروف
واتعلم الأسماء
من قبل ما أسمى البراح الازرق سما
من قبل ما احفظ أسماءك الحسنى
من قبل ما أسميك أنا عرفتك ..
وحاولت مرة ألمسك من فوق سطوح بيتنا
كان سنى ست سنين ..
وبكيت، وطلعت فوق السطوح أنده لك
شفتك سحاب بيمر" .
اللغة :
كانت اللغة فى الديوان باللهجة العامية الفنية الصافية والخالية من خشونة العامية المتداولة وكانت مزيجا من العامية والفصحى البسيطة فى مواضع كثيرة ، بلغة فنية جميلة، كما احتوت على صور جمالية فاتنة مثل:
"ويدق قلبه فرح
إن مرت البنت الجميلة اللى بتغير مسار الريح
إذا حلت ضفائرها واتبسمت بحنان" ص20
ومثل "ترقص وتدور/ وتضم بخفة جناحيها / وتطلع من دانتيل أحلامها ورود وزهور / ..وترش جهامة هذا العالم بالفراشات"ص9 ، "وتزوق كرانيش فساتنها بورود وزهور"، وغيرها كثير من الجمال الفاتن ، كما تميزت قصائد الديوان بالإيقاع الموسيقى اللافت، والقافية الموزعة بين السطور دون التزام وذلك لضبط الإيقاع ، كما كانت السطور الشعرية غير متساوية تنتهى حيث ينتهى المعنى .
كان التميز الأكبر للديوان هو التعبير عن التجربة الذاتية للذات الشاعرة تجاه القضايا الكبرى كالموت والحياة والبحث عن المعنى وعن الجمال فى البحث عن الله تعالى فى البيئة الريفية القريبة منها مما أكسبها البساطة والصدق، كذلك التعبير عن الحب والفن والخوف والتمرد من خلال تجربة الذات الشاعرة فى الطفولة والشباب بلغة فنية راقية وصور جمالية فاتنة .
May be an image of ‎text that says '‎باب خلفي. للسما حنان شاهين‎'‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى