محمد بشكار - حين يرْكبُ الوزير قفا الشاعر.. !

ما زلتُ لا أستطيع ابتلاعاً للمرارة التي تجرَّع حنظلها الشاعر المغربي الكبير محمد علي الرباوي، حين انْقلبَ تكريمه بأبي الجعد إلى استغفال يجعلنا جميعا نُعيد النظر بأعين القلب في حُسْن النية التي نضعها في القصيدة، حتى لا نجد أنفسنا يوما ضحايا مواقف ثقيلة الوزن و التفعيلة أيضا و لا تقدر أرجلنا على تحمُّلها من شدة الحرج..!
حين يرْكبُ الوزير قفا الشاعر.. !
لم أكتب وقتئذ عن حدَث ركوب القفا الذي مارسه وزير السياحة و هو يحاول عبثا سرقة الأضواء من الشاعر محمد علي الرباوي، حتى أصابته هذه الأضواء و هو يهذي بشعر ليس شعراً بضربة شمس في عز الليل؛ أجل لم أكتب لسببين؛ أولا بسبب وعكتي الصحية التي شلَّتْ بألمها مع قدمي اليسرى قلمي في يدي اليمنى، فما عادت الكتابة تأتيني بحرف؛ و ثانيا لأن نفسي سوَّلتْ لي وسواساً أمَّاراً بمكر جعلني أتساءل؛ كيف بلغ الإتفاق بالصدفة هذه الدرجة من الكمال بين رئيس وزرائنا الذي صرح أن المغرب ليس في حاجة للشعراء، و بين وزير السياحة الذي فند مقولة الرئيس و اقترف في ما يشبه النكاية شِعْراً؛ أنّى لهما أن يتخذا من الشعر حماراً يمتطيانه في حملة انتخابية قبل الأوان؛ اليوم فقط أيقنْتُ أن للشعِّر قيمة أنفس من الوبر الذي تكتسيه الدببة، و يمكن بالشعر أو بما يشبهه الحفاظ على منصب وزير إلى أرذل كرسي في العمر..!
أعترف أن نرْد حظي لم ينكفىء يوماً في أوجهه الأربعة على الجهة الرابحة، لأحظى بأحد التكريمات في عملتها الرائجة ببلدنا؛ ربما لأني عكس النرد أملك وجهاً واحداً لم أعوِّدْهُ الأقنعة مخافة أن لا أتعرَّف على نفسي في المرآة و أنا أحلق ذقني؛ أو ربما لأني مَرْضِيُّ الوالدين لم أسْعَ أو يسعى إليَّ أي تكريم ينتهي في غالب الموائد بهدايا الصِّينية و البرّاد و دزينة من كؤوس حياتي، لأعيش بقية مماتي في أنخاب الشاي..!
لِنقُلْ إن عطباً جسيماً أصاب بطارية أرواحنا فانطفأ النور في العقول و الوجوه، و نحن ننظر إلى (البهْدلة) التي تعرَّض لمصيبتها جميع الشعراء المغاربة بسبب الإستبخاس الذي طال شاعرا أصيلا و له مكانته الوازنة في التاريخ الثقافي و الإبداعي المغربي مثل محمد علي الرباوي؛ لم أسكتْ و لن أسكُتْ و أنا أستبْدِلُ لساني بقلبي لأقول بأضعف الإيمان؛ نحن أحوج في هذا البلد إلى ترشيد الفعل الثقافي الذي ما فتئت تنْتَهِزُهُ أشباه مؤسسات سيّان عندها و هي تُلبي مصالحها الشخصية الضيقة، أن تضع الكلمة موضع الحذاء لتدوس على كل القِيم و المكتسبات الأدبية التي راكمناها في ذاكرتنا الثقافية، لكنها للأسف ظلت جليدية كالعشب الذي وجدوه طازجا في بطن آخر ماموث يعود لملايين السنين في قطبنا البارد؛ أجل يجب تنظيم مهنة الثقافة من طرف الجهة المختصة حتى لا يصيبنا من شرار التسيُّب عورٌ في العيون، ويغدو التكريم من نصيب التجارب التي صنعت برصيدها المعرفي تميُّزا فارقاً، يُمثله مثقفون و أدباء و مفكرون و فنانون يتوفرون على معيار الإستحقاق؛ أليس التكريم في ذاته قطاعا حيويا في الحقل الشمولي لمفهوم الثقافة، يحتاج بدوره لتدبير اقتصادي يجدر أن تساهم في إنعاشه أكثر من جهة عليمة بدواليب الإبداع حفظاً للتراث الإنساني من أعطاب الذاكرة..؟
نكاد ننسى أنفسنا من فرط ما نكتب و لا أحد يهتم بما نكتب، و مع ذلك أقول لشاعرنا الصوفي محمد علي الرباوي، كدتُ أنغمس لآخر ذبالة في شمعة جسدي حُزناً على ما أصابك من حيف لو أصاب شاعرا في الجاهلية لتأبط بدل الشر أو الشعر سيفاً، و لكن وجدتني بدل أن أستسلم لثورة الغليان في فنجان نحسوه زبداً، أهدأ و ئيداً و أستكين و أنا أنظر للشعر المغربي يستعيد في شخصك الكريم، أوج عنفوانه بعد أن أصابت لوثتهُ رئيس الوزراء بمعية وزير السياحة علماً أنهما لايستطيعان أن يوقدا في بيت الشعر فتيلا..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 23 يونيو 2016)


1746338451389.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى