بعد زوجة أتعبتها الحياة برفقته، مرغما إياها بأن تسمح و تتخلى عن طفلها، لتنجو بنفسها بعيدا عن معتقله العلني، و بعد عروس تعاني التبول اللاإرادي، توقف لمدة عن التفكير في الزواج، و ركز اهتمامه كله في التفكير في الوطن المحتل و السليب، انخرط في العمل الفدائي و المسلح في سن مبكرة من حياته، بنيته الجسمانية القوية و صلابة شخصيته، و استعداده الدائم لنصرة الحق و رفع الظلم على كل من يصادفه من أهل "الحي المحمدي"، عوامل جعلت منه مرشحا فوق العادة للانخراط اللامشروط في العمل الفدائي، كان أهل الحي يلقبونه ب "ولد العونية" نسبة إلى والديه المنحدران من منطقة "أربعاء العونات"، فعندما قدمت والدته إلى البيضاء، و تحديدا "كاريان سانطرال"، الكل كان يناديها ب "العونية"، كانت قد هربت من جفاف الأرض و جفاف العواطف و الأحاسيس، فقد تركها جدي "علي"، الذي حَمَلْتُ اسمه ظلما و بهتانا وحيدة تصارع الحياة، و تكافح لإطعام الأفواه الثمانية التي تركها في عهدتها، و اختار الزواج من امرأة أخرى تقطن قرية مجاورة، عمل جبان يا "علي" الأكبر، فرجال أسرتنا يجيدون التنزه في حقول و بساتين الأنوثة، و لا يرضون إطلاقا بالاكتفاء بالزوجة الوحيدة الواحدة، مخلصون للتعدد و ما ملكت الأيمان، يطبقون شرع الله بكل إخلاص و تفان، أعمامي و عماتي متشابهون في نزعة استبدال الجسد بجسد آخر، يكرهون الروتين الليلي، و يميلون للتجديد اليومي لطاقتهم الليبيدية، لقد سبقوا "فرويد" و "رايش" في نظرياتهما حول : الجنس و معطى التجديد الليبيدي، لقد تركوا لنا إرثا مخجلا في علاقتنا بالمرأة عموما، و بالفعل الجنسي خاصة.
ضاقت عليهم سبل الحياة بالبادية، فقررت "العونية" الهجرة إلى البيضاء، و إلى "كاريان سانطرال" تحديدا، على ظهر حمار حملوا متاعهم، و مشوا سيرا على الأقدام و على الأحلام، قافلة من الجياع ينشدون الخلاص من جوعهم البدوي و استبداله بجوع متمدن و متحضر، عشرة أيام من السير كانت كافية ليتحولوا من رعاة و فلاحين، إلى عاطلين عن العمل و عن الحياة بين دروب و أزقة مدينة أتعبتها هجرة أمثالهم، فهجرة الديار، تصيب الظهر بعدوى الانحناء، بقعة أرضية صغيرة و بعض الألواح الخشبية و قصدير يقيهم لفحة الشمس و هطول المطر، كانت كافية لتمنحهم بطائق الانتماء لعالم المدينة، و يتخلصوا نهائيا من طمي المسافات العالق بأقدامهم و بأرواحهم المنكسرة جراء الجفاف، و هجرة الأب الذي خرج و لم يترك كلمة أو وصية، و رحل يبحث عن إغراءات أخرى و غزوات جسدية جديدة تنسيه تفاصيل و جغرافية جسد جدتي التي هدها الإنجاب المبكر و المتعدد، و فقدت معهما ملامح الأنوثة المغرية، اتسع الحوض و ضاقت الرؤيا، فكان قرار الرحيل صوب جسد آخر ينسيه صراخ الجياع من أولاده، و ينسيه، و هذا هو الأهم، جسد امرأة تخلى عن ملامحه، و اتخذ لون و شكل الأجساد التي لا تصلح سوى للأعمال الشاقة المؤبدة بعيدا كل البعد عن وظيفته الجوهرية في الإغراء و الإمتاع، ف "علي الأكبر" لا يشبه "علي الأصغر" في شيء، القاسم المشترك بينهما اسم لا يعكس قيمتهما الحقيقية في فعل الحياة، العلو و الشموخ خاصيتان لا تتماشيان و وقع خطواتهما، و هما يسيران لتحقيق الذات و النجاح في الحياة، مات جدي بداية الستينات من القرن المنقضي، فقرر والدي و بدون أن يدرك كيف سيكون ثقل و وزر هذا الاسم علي في حياتي كلها، منحني اسم والده، كان بعد موت جدي يذهب دوما لزيارة زوجة جدي الثانية بإحدى قرى "دكالة"، و يقول لها: " مات علي الكبير، و جلبت لك علي الصغير"، إني يا والدي العزيز قارئ جيد للعبارات المسكوت عنها، كان يجب عليك أن تتحلى بالصدق و الوضوح و بالشجاعة كذلك لتقول لها : "مات زوجك الشيخ الكبير، و ها هو زوجك الصغير الجديد"، و بحكم أني لم أرث عن جدي سوى هذا الاسم التافه البليد، كان ممكننا لو تمتعتَ بالجرأة اللازمة أن تمنحني زوجة جدي كإرث خالص لي لوحدي، فأصبحُ زوج زوجة والدك، و في هذه الحالة كنت سأفرض سلطتي عليك، و سنقلب الأدوار كلها. ما أقبح ما أكتب و يا لقسوة الصورة، سأتوقف هنا لأني لو استمررت في نسج الصور، لتخيلت و كتبت صورا أكثر قبحا، كأن أتخيل الطفل الذي كنته، عاريا إلا من جسد زوجة جده ما أقبحني و ما أتفهم شيطان كتابتي .
في سن الثامنة من عمري، كنت أقضي الشهور الثلاثة للعطلة الصيفية ببيت جدي بالبادية، كانت من أجمل لحظات حياتي، كنت مدللا عند زوجة جدي، كيف لا و أنا أحمل اسم حبها الأول و الأخير، فالاسم سلطة، و أنا هناك كنت أحسن ممارسة هذه السلطة، أقود العربة إلى السوق الأسبوعي، أستحم في الساقية الكبيرة للقرية، أقطف كل ما أشتهيه من فواكه، أتجول في القرية على ظهر فرس بيضاء، و أما الليل فقد كان عصارة لكل هذا الجمال الذي كان يحيط بي، إنها "فاطمة" حبيبة طفولتي، و التي على يديها الكريمتين عرفت مغزى الاختلاف في أوضاع التبول بين الذكور و الإناث، وصلت للجواب على سؤال حيرني طويلا، لماذا الذكر يبقى واقفا أثناء التبول، و الأنثى تجلس؟ بالاقتراب أكثر من "فاطمة" و من جسدها الصغير و الجميل عرفت السر، و على يديها و كذلك رجليها مشيت خطواتي الأولى على درب إدراك الاختلاف العضوي ما بين ذكر و أنثى، و تعرفت على تلك البوابة المؤدية إلى المتعة و تفريخ بني البشر، من النطفة إلى الصرخة الأولى، "فاطمة" ابنة عمي كانت حبي الطفولي الصادق، كنا نحب بعضنا بجنون تحت سماء "دكالة" الملتهبة حرارة في الصيف، كنا نبيت في فناء البيت، أنا و هي و زوجة جدي، الأخيرة كانت ترتدي ملابس خفيفة، أما أنا و "فاطمة" فقد كنا ننام بسروال قصير فقط، في هذا السياق الزمني لم يكتشف بعد المغاربة التبان، هذا الاختراع التافه فهو سجن لأعضاء تحب الحرية و تكره أن تقيد حركيتها و ميلها الفطري للانعتاق و التنزه في بساتين و مروج الأنوثة، كنا ننام متعانقين ملتصقين ببعضنا البعض، و كانت زوجة جدي كلما رأتنا بهذا الوضع تبتسم، لقد كانت تعي جيدا أن القرصان الذي كان معي آنذاك، لم يصل بعد إلى عنفوانه و لم يعانق بعد عنفه و شراسته و حدته في غزو البقاع، كانت تنام مطمئنة فالمشهد لن يتجاوز بعض القُبَلِ، و انسلال الأصابع خلسة لاكتشاف الفرق الجميل بيننا، كانت "فاطمة" لا تخجل مني في نزع سروالها القصير أمامي، آه كم كان مشهدها جميلا و هي عارية، جرحها الغائر بين رجليها كان أبيض و أصلع، عندما شاهدته لأول مرة، و وقفت على الفرق الواضح بين عضوينا، انتابني شعور غريب، إنه شعور بالضياع الجميل، اقتربت أكثر وضعت يدي فوقه، فضربتني على رأسي و هي تبتسم، قالت لي : " اخرج من هنا أيها الماسخ"، كنت قد أقسمت يومها أني لن أتزوج سوى "فاطمة"، عند نهاية العطلة كنت كلما رأيت والدي قادما بدراجته النارية ليعود بي إلى بيتنا بالبيضاء و إلى جحيم المدرسة، أبكي بحرقة شديدة على فراق "فاطمة"، و مغادرة هذا المكان الذي يختصر لدي الحياة بكل مواصفاتها الجميلة و الرائعة، كبرت و قتلت المدينة بداخلي ذلك الطفل الصغير، لكن ظلت صورة فاطمة و هي عارية أمامي توقظ دوما بداخلي الحنين للحظة عناق بريء و عفوي دون حسابات الرغبة، و دون متاهات الذكورة و الأنوثة، و أما العهد الذي قطعته على نفسي بأن أتزوجها فقد تبخر، ذلك لأن المدينة ابتلعت كل أحلام طفولتي الجميلة، و ابتلعت معها ذلك الحب الجميل و البريء ل"فاطمة"، و ابتلعت براءة ذلك الطفل الصغير الذي كان يستوطن كياني، لكن المدينة الفاجرة منحتني في المقابل "فاطمات" عديدات، جرحهن الغائر غير أصلع و جريئات أكثر بكثير من "فاطمة"، و مع ذلك قلت في نفسي، أن من يقتل الطفل الصغير بداخله، يعيش أبد الدهر بلا ذاكرة .
ضاقت عليهم سبل الحياة بالبادية، فقررت "العونية" الهجرة إلى البيضاء، و إلى "كاريان سانطرال" تحديدا، على ظهر حمار حملوا متاعهم، و مشوا سيرا على الأقدام و على الأحلام، قافلة من الجياع ينشدون الخلاص من جوعهم البدوي و استبداله بجوع متمدن و متحضر، عشرة أيام من السير كانت كافية ليتحولوا من رعاة و فلاحين، إلى عاطلين عن العمل و عن الحياة بين دروب و أزقة مدينة أتعبتها هجرة أمثالهم، فهجرة الديار، تصيب الظهر بعدوى الانحناء، بقعة أرضية صغيرة و بعض الألواح الخشبية و قصدير يقيهم لفحة الشمس و هطول المطر، كانت كافية لتمنحهم بطائق الانتماء لعالم المدينة، و يتخلصوا نهائيا من طمي المسافات العالق بأقدامهم و بأرواحهم المنكسرة جراء الجفاف، و هجرة الأب الذي خرج و لم يترك كلمة أو وصية، و رحل يبحث عن إغراءات أخرى و غزوات جسدية جديدة تنسيه تفاصيل و جغرافية جسد جدتي التي هدها الإنجاب المبكر و المتعدد، و فقدت معهما ملامح الأنوثة المغرية، اتسع الحوض و ضاقت الرؤيا، فكان قرار الرحيل صوب جسد آخر ينسيه صراخ الجياع من أولاده، و ينسيه، و هذا هو الأهم، جسد امرأة تخلى عن ملامحه، و اتخذ لون و شكل الأجساد التي لا تصلح سوى للأعمال الشاقة المؤبدة بعيدا كل البعد عن وظيفته الجوهرية في الإغراء و الإمتاع، ف "علي الأكبر" لا يشبه "علي الأصغر" في شيء، القاسم المشترك بينهما اسم لا يعكس قيمتهما الحقيقية في فعل الحياة، العلو و الشموخ خاصيتان لا تتماشيان و وقع خطواتهما، و هما يسيران لتحقيق الذات و النجاح في الحياة، مات جدي بداية الستينات من القرن المنقضي، فقرر والدي و بدون أن يدرك كيف سيكون ثقل و وزر هذا الاسم علي في حياتي كلها، منحني اسم والده، كان بعد موت جدي يذهب دوما لزيارة زوجة جدي الثانية بإحدى قرى "دكالة"، و يقول لها: " مات علي الكبير، و جلبت لك علي الصغير"، إني يا والدي العزيز قارئ جيد للعبارات المسكوت عنها، كان يجب عليك أن تتحلى بالصدق و الوضوح و بالشجاعة كذلك لتقول لها : "مات زوجك الشيخ الكبير، و ها هو زوجك الصغير الجديد"، و بحكم أني لم أرث عن جدي سوى هذا الاسم التافه البليد، كان ممكننا لو تمتعتَ بالجرأة اللازمة أن تمنحني زوجة جدي كإرث خالص لي لوحدي، فأصبحُ زوج زوجة والدك، و في هذه الحالة كنت سأفرض سلطتي عليك، و سنقلب الأدوار كلها. ما أقبح ما أكتب و يا لقسوة الصورة، سأتوقف هنا لأني لو استمررت في نسج الصور، لتخيلت و كتبت صورا أكثر قبحا، كأن أتخيل الطفل الذي كنته، عاريا إلا من جسد زوجة جده ما أقبحني و ما أتفهم شيطان كتابتي .
في سن الثامنة من عمري، كنت أقضي الشهور الثلاثة للعطلة الصيفية ببيت جدي بالبادية، كانت من أجمل لحظات حياتي، كنت مدللا عند زوجة جدي، كيف لا و أنا أحمل اسم حبها الأول و الأخير، فالاسم سلطة، و أنا هناك كنت أحسن ممارسة هذه السلطة، أقود العربة إلى السوق الأسبوعي، أستحم في الساقية الكبيرة للقرية، أقطف كل ما أشتهيه من فواكه، أتجول في القرية على ظهر فرس بيضاء، و أما الليل فقد كان عصارة لكل هذا الجمال الذي كان يحيط بي، إنها "فاطمة" حبيبة طفولتي، و التي على يديها الكريمتين عرفت مغزى الاختلاف في أوضاع التبول بين الذكور و الإناث، وصلت للجواب على سؤال حيرني طويلا، لماذا الذكر يبقى واقفا أثناء التبول، و الأنثى تجلس؟ بالاقتراب أكثر من "فاطمة" و من جسدها الصغير و الجميل عرفت السر، و على يديها و كذلك رجليها مشيت خطواتي الأولى على درب إدراك الاختلاف العضوي ما بين ذكر و أنثى، و تعرفت على تلك البوابة المؤدية إلى المتعة و تفريخ بني البشر، من النطفة إلى الصرخة الأولى، "فاطمة" ابنة عمي كانت حبي الطفولي الصادق، كنا نحب بعضنا بجنون تحت سماء "دكالة" الملتهبة حرارة في الصيف، كنا نبيت في فناء البيت، أنا و هي و زوجة جدي، الأخيرة كانت ترتدي ملابس خفيفة، أما أنا و "فاطمة" فقد كنا ننام بسروال قصير فقط، في هذا السياق الزمني لم يكتشف بعد المغاربة التبان، هذا الاختراع التافه فهو سجن لأعضاء تحب الحرية و تكره أن تقيد حركيتها و ميلها الفطري للانعتاق و التنزه في بساتين و مروج الأنوثة، كنا ننام متعانقين ملتصقين ببعضنا البعض، و كانت زوجة جدي كلما رأتنا بهذا الوضع تبتسم، لقد كانت تعي جيدا أن القرصان الذي كان معي آنذاك، لم يصل بعد إلى عنفوانه و لم يعانق بعد عنفه و شراسته و حدته في غزو البقاع، كانت تنام مطمئنة فالمشهد لن يتجاوز بعض القُبَلِ، و انسلال الأصابع خلسة لاكتشاف الفرق الجميل بيننا، كانت "فاطمة" لا تخجل مني في نزع سروالها القصير أمامي، آه كم كان مشهدها جميلا و هي عارية، جرحها الغائر بين رجليها كان أبيض و أصلع، عندما شاهدته لأول مرة، و وقفت على الفرق الواضح بين عضوينا، انتابني شعور غريب، إنه شعور بالضياع الجميل، اقتربت أكثر وضعت يدي فوقه، فضربتني على رأسي و هي تبتسم، قالت لي : " اخرج من هنا أيها الماسخ"، كنت قد أقسمت يومها أني لن أتزوج سوى "فاطمة"، عند نهاية العطلة كنت كلما رأيت والدي قادما بدراجته النارية ليعود بي إلى بيتنا بالبيضاء و إلى جحيم المدرسة، أبكي بحرقة شديدة على فراق "فاطمة"، و مغادرة هذا المكان الذي يختصر لدي الحياة بكل مواصفاتها الجميلة و الرائعة، كبرت و قتلت المدينة بداخلي ذلك الطفل الصغير، لكن ظلت صورة فاطمة و هي عارية أمامي توقظ دوما بداخلي الحنين للحظة عناق بريء و عفوي دون حسابات الرغبة، و دون متاهات الذكورة و الأنوثة، و أما العهد الذي قطعته على نفسي بأن أتزوجها فقد تبخر، ذلك لأن المدينة ابتلعت كل أحلام طفولتي الجميلة، و ابتلعت معها ذلك الحب الجميل و البريء ل"فاطمة"، و ابتلعت براءة ذلك الطفل الصغير الذي كان يستوطن كياني، لكن المدينة الفاجرة منحتني في المقابل "فاطمات" عديدات، جرحهن الغائر غير أصلع و جريئات أكثر بكثير من "فاطمة"، و مع ذلك قلت في نفسي، أن من يقتل الطفل الصغير بداخله، يعيش أبد الدهر بلا ذاكرة .