عبدالرحيم التدلاوي - "الوشم صوتاً": مدخل إلى عوالم سردية مربكة ومكثفة

يستقبلنا غلاف مجموعة "الوشم صوتاً" لعبد اللطيف الهدار كبوابة بصرية أولى، حيث يتجلى التناغم بين جاذبية العنوان المكتوب باللون الأحمر الداكن وبين طبيعة النصوص الداخلية التي تبدو عصية على التدوين المباشر، وكأنها لحظات مقتطعة بعنف من صميم الوجود وشظايا الذات المتأملة فيما هو خفي وغير مُعلن. فبدلاً من أن تكون حكايات تقليدية، تُقدم هذه النصوص نفسها كآثار لسرديات محتملة، كأطياف عابرة تترك خلفها صدىً خافتاً يشبه نوستالجيا صوت قديم في زقاق منسي. ويعد العنوان نفسه، "الوشم صوتاً"، تجسيداً لهذا التوتر، فهو يجمع بين ثبات العلامة البصرية وعُبور التجربة السمعية، مُشيراً إلى محاولة فريدة لتثبيت اللحظة الزائلة وتجسيد اللامرئي.

1746561796312.png

يُقدّم غلاف المجموعة مدخلاً بصرياً وجمالياً مكثفاً ينسجم مع طابع النصوص التي يحتويها، إذ يتصدره العنوان بخط عربي جذاب ولون أحمر داكن، محدثاً انطباعاً أولياً بالغموض والدهشة. "الوشم" بما يحمله من دلالات بصرية وثبات جسدي، يتقاطع لغوياً وتخيلياً مع "الصوت" بما هو عابر ومجرد ولامرئي، في مفارقة تثير تأويلاً داخلياً عن الذاكرة، الأثر، والتعبير. هذا التوتر بين الديمومة والتلاشي يمنح العنوان طاقة رمزية عالية، توحي أن المجموعة لا تقتصر على الحكاية، بل تتخطى ذلك إلى مقاربة تأملية وفلسفية.

يعلو العنوان اسم المؤلف "عبد اللطيف الهدار" بخط أسود بسيط، متوارٍ قليلاً خلف جمالية العنوان، وهو ما يعكس توجهاً يمنح النص صدارة المشهد دون إغفال حضور صاحبه. في قلب الغلاف، تتراءى صورة عازف كمان مغمض العينين، غارق في نغمه، في إحالة حسية مباشرة إلى "الصوت" باعتباره حالة شعورية تتجاوز الأذن، وتنبع من الداخل. العزف لا يُرى لكنه يُستشعر، كما أن الوشم لا يُسمع لكنه يُحكى؛ هذه المفارقة تتجسد في التكوين الفني لصورة العازف المرتدي بدلة رسمية، ممسكاً بكمان أحمر داكن، بما يعزز دلالة الشغف والانفعال المضمر.

الخلفية المموهة بألوان دافئة متدرجة ما بين الأخضر الداكن والبني الذهبي، تُضفي عمقاً بصرياً يوازن بين الغموض والحميمية. لا تطرح هذه الخلفية عناصر واضحة بقدر ما تفتح المجال للتأمل، كأنها تمثيل بصري للذاكرة الضبابية التي تسكن النصوص. كل عنصر في الغلاف يوحي بعناية تكاملية في التصميم، حيث يبرز التوازن بين النص والصورة، بين الجذب والإيحاء، بين الصوت والصمت.

أما على مستوى المتن، فتتألف المجموعة من ستين قصة قصيرة جداً موزعة على اثنين وسبعين صفحة، في بنية تنظيمية تمنح معظم النصوص صفحة كاملة، بينما تُجمّع بعض القصص شديدة القصر في صفحة واحدة وفقاً لمعيار الطول وعدد الأسطر. هذا التوزيع يعكس وعياً بصرياً وسردياً يمنح كل قصة حيزاً مستقلاً يتيح للقارئ التوقف، التأمل، وربما إعادة القراءة. تنوع طول النصوص يكشف عن نزعة إلى المفاجأة والتكثيف، حيث تتفاوت القصص بين اللمحة السريعة والومضة ذات البنية الكاملة.

العناوين بدورها تعزز طابع الاختزال، إذ تسود العناوين المفردة النكرة، فيما تظهر العناوين المضافة والموصوفة والمعطوفة بشكل أقل، في تنويع محسوب يوازن بين البساطة والدلالة. هذا التبسيط الظاهري لا يعني فقراً دلالياً، بل على العكس، يكشف عن رغبة في توجيه القارئ إلى جوهر النص دون تحميل العنوان وظيفة تفسيرية مباشرة.
عتبة العناوين:
عند تأمل عناوين قصص مجموعة "الوشم صوتاً" لعبد اللطيف الهدار، يبرز بوضوح انسجامها مع طبيعة النصوص التي تغلب عليها الكثافة والتكثيف والدلالات الرمزية. فالعناوين هنا لا تؤدي دوراً تعريفياً فحسب، بل تنسج جزءاً من النسيج التأويلي للنصوص، وتفتح أفقاً أولياً للقراءة. يغلب عليها الطابع المفرد النكرة، أو شبه الجملة، أو التركيب الإضافي، في انسجام واضح مع اقتصاد لغوي يحكم البناء العام للمجموعة، حيث تصبح الكلمة الواحدة حاملاً دلالياً مكثفاً يشي بموضوع النص دون أن يفصح عنه بالكامل.

يمكن ملاحظة أن العناوين تتوزع بين ما هو شعوري/نفسي ("محبط"، "احتراق"، "استعبار"، "انطفاء"، "التياع"، "نكوص"، "خيبة"، "وحدانية"، "شتات")، وما هو وجودي/فلسفي ("تيه"، "غياب"، "انكتاب"، "انزواء"، "عبور"، "صراط"، "إجهاض")، وما هو اجتماعي/سياسي ("حملة انتخابية"، "سفور"، "وطن كريم"، "التويزة"، "جراد"، "حرب العملات"، "القارة العجوز")، بالإضافة إلى حضور لافت لعناوين تتصل بزمنية باهتة أو مفارقة ("بعد الوداع"، "بعد الزفاف"، "بعد انزواء"، "حسب الفصول")، كما تظهر عناوين تتسم بالطابع المجازي والشعري مثل ("زهرة الملح"، "سنبلتان وأغنيتان"، "ظل"، "بعض حلم")، وأخرى تحتفي بالتقابل أو المفارقة كـ"خرج ولم يعد" أو "شيزوفرينيا".

هذه العناوين، بما تحمله من حمولة دلالية وبلاغية، تعمل كعلامات أولى على المحتوى النصي، وتمهد لبنية تثير التساؤل لا تجيب عنه، بل تفتحه. بل إن بعضها يأتي كمفردات مجتزأة من سياقات أوسع ("واديب"، "صلاح"، "وطنجيس")، مما يمنحها طابعاً توليدياً يمكن تأويله من زوايا عدة. كذلك، هناك نزوع نحو التجريد والتكثيف، فالكلمة المفردة تصبح عتبة لنص غالباً لا يتجاوز خمسة أسطر، ما يضفي على المجموعة اتساقاً أسلوبياً ونفساً شعرياً عميقاً.

بهذا المعنى، تلعب العناوين دوراً جوهرياً في إثراء أفق التلقي، حيث تتقاطع مع الطابع الفلسفي والعبثي العام للمجموعة، كما تعكس النزعة التأملية التي تميز سرديات الهدار. فهي ليست مجرد تسميات، بل علامات مفتوحة، تتقاطع مع الصور، وتتجاور مع مفارقات اللغة، لتشكل مدخلاً أولياً للدهشة والغموض، وتؤسس لقراءة تمضي من العنوان لا إليه.
جانب الموضوعات:
من حيث الموضوعات، تتنوع القصص بين الاجتماعي والسياسي والثقافي والإبداعي، لكنها تتوحد تحت مظلة وجودية قاتمة تتقاطع فيها الأسئلة الكبرى للإنسان المعاصر. تحضر العبثية كموضوع محوري، حيث تتكرر الأفعال بلا غاية واضحة: "يعبث"، "يعبر"، "يستشرف"، وغيرها من الحركات التي تنتهي إلى اللاشيء. الصراعات الوجودية، سواء داخلية أو خارجية، تُصاغ بلغة دائرية، جمل فعلية سريعة، وعبارات محملة بمفارقات تخلق توتراً شعورياً لا يُفضي إلى قرار، بل يترك القارئ في حالة ذهول.

يتجلى القمع، والحتمية، وفكرة الحرية الوهمية في عدد من النصوص، حيث تُغلق الأبواب وتُراقب الذوات وتُغرق الأمم، في إحالات رمزية توحي بالرقابة الاجتماعية والسياسية والدينية. الرموز واضحة لكنها مشحونة بالتباس، كما في وصف المقدسات بأنها "مستديرة"، أو "الصمت يتكلم"، في مفارقات تفتح التأويل وتمنع الحسم.

أسلوب الهدار يقوم على الإيجاز الحاد، والرمزية الكثيفة، والتكرار الإيقاعي، مما يمنح القصص طابعاً شعرياً تتسرب فيه المعاني عبر طبقات من الإيحاء. الجمل الفعلية المتتابعة تخلق شعوراً بالحركة، لكنها حركة عبثية، مغلقة، لا تقود إلى خاتمة بقدر ما تعيد القارئ إلى نقطة البدء. النهايات المفتوحة والملتوية تعزز هذا الإحساس بالمراوغة، حيث لا تنتهي القصة بل تتوقف فجأة، مخلفةً أثراً يتجاوز النص.

في مجموعها، تتجاوز "الوشم صوتاً" كونها مجموعة قصصية قصيرة جداً إلى كونها مشروعاً تأملياً في الكتابة والحياة والمصير. لا تقدم القصص أجوبة بقدر ما تطرح أسئلة بلغة رمزية مفخخة، تقترب من الشعر، وتنأى عن المباشرة. هي قصص لا تُروى، بل تُسمع من الداخل، كأنها أصوات موشومة في وجدان القارئ، تحثه على الإصغاء لما لا يُقال، والانتباه إلى ما لا يُرى.
عبد الرحيم
الزمن والهشاشة في فضاءات التمثيل

يشكّل عنوان الرواية "الكُحْكُح" مدخلاً دلاليًا لعالمٍ تتصارع فيه الشيخوخة مع إرادة البقاء، حيث يتحوَّل ذلك الصوت الجسدي إلى استعارةٍ للصراع بين وهن الجسد وصلابة الروح. لا يقتصر العنوان على الإشارة إلى التقدّم في العمر، بل يعكس عالمًا تمتزج فيه أصوات الشخصيات العجوز بضحكاتها المرّة، كأنهن يُردِّدنَ احتجاجًا صامتًا ضد النسيان.

تتجسّد الشخصيات كعوالم رمزية تحمل أبعادًا اجتماعية ونفسية متشابكة. "إنعام"، بخبرتها المسرحية الطويلة، تعيد صياغة ذكرياتها عبر مشاهد تمثيلية مع صديقاتها، وكأنها تحوِّل غرفتها إلى مسرحٍ دائم تُعيد فيه كتابة سردية حياتها. أما "سلوى"، المنعزلة في صمتِها، فتبدو كلوحةٍ فنية ناقصة، حيث يتحول الاكتئاب إلى فرشاة ترسم ملامح العزلة بألوان قاتمة. بينما "إخلاص"، الباحثة عن الحب في أفلام الماضي، تجسِّد حنينًا متحوِّلًا إلى طقسٍ يومي، كمن يُحاول إشعال عود ثقاب في غرفة مظلمة، ليبعث في الحياة بصيص دفء مفقود.

المكان في الرواية يتجاوز كونه إطارًا جغرافيًا ليصبح شريكًا في تشكيل الهوية. البيت العتيق، بزواياه المظلمة وستائره المثقلة بالغبار، يتحوّل إلى أرشيف ذاكرةٍ حيّ، تُخبِّئ بين جدرانه حكاياتٍ عن زمنٍ كان للجسد فيه رونقه. هنا، تتوسط الطاولة الغرفة لتغدو فضاءً لتبادل الأدوار المسرحية، حيث تُعيد العجائز تمثيل لحظات من ماضيهن، وكأنهن يحاولن ترميم شرخ الزمن بأداءٍ جديد. أما الشارع، فيبدو كنصٍّ مبهمٍ لم تعد الشخصيات قادرة على فك شفراته، مما يجعله رمزًا لاغتراب الإنسان عن عالمٍ يتسارع من حوله.

يعد الزمن بنية مرنة تخضع لإعادة التشكيل. فالانتقال بين الماضي والحاضر لا يهدف إلى استعادة الذكريات فحسب، بل إلى استكشاف كيف تعيد الشخصيات اختراع ذاتها مع تقدّم العمر. حين تُجسِّد "إخلاص" مشهد انتحار جولييت، فهي لا تستحضر الموت المسرحي فقط، بل تعيد تعريف البطولة في حياتها الراكدة، مما يجعل الزمن في الرواية مادةً أولية تتلاعب بها الشخصيات، بدلاً من أن تكون ضحاياه.

الثيمات تنسج شبكة معقدة من الدلالات؛ فالشيخوخة تتحول إلى مشروع مقاومة يومي، حيث تمارس الشخصيات فنونًا صغيرة للبقاء: من تمثيل الأدوار إلى اختراع الحكايات. الوحدة هنا ليست مجرد فراغ، بل مختبرٌ لتفكيك الذات، كما يتجلى في شخصية "رتيبة" التي تكتشف أن إخلاصها لزوجها الميت كان محاولةً لملء فراغ وجودي. أما الذاكرة فتصير أرشيفًا حيًا، تُحرِّكه "إنعام" عبر تحويل ذكرياتها إلى سيناريوهات مسرحية، وكأنها تؤرشف وجودها قبل أن يطويه النسيان.

الأسلوب السردي يعتمد على حوارات تُذكِّر بنصوص مسرح العبث، حيث يتحوّل الكلام اليومي إلى تعليق على الوجود. استخدام اللغة العامية، كما في جملة "أنا عموماً مجنونة.. وأعشق المجانين"، يتحوّل إلى أداة تمرّد على قوالب اللغة الرسمية، مما يسمح بانكشاف تناقضات الشخصيات دون زيف. الوصف الدقيق للتفاصيل، كالملابس الفضفاضة أو العرائس الخشبية، يقدم نقدًا بصريًا لدور المرأة في المجتمع، وكأن الكاتب يجسد فكرة تحول النساء إلى دمى تُزيَّن ثم تُهمَل حين تفقد بريقها.

تغدو العناصر المسرحية في الرواية وسيلة لإعادة بناء الواقع وتحرير الأحلام المكبوتة. الأقنعة التي ترتديها "إنعام" ورفيقاتها أثناء التمثيل تتيح لهن التعبير عن مشاعرهن بحرية، حيث يجدن في الأداء المسرحي منفذًا للبوح غير الممكن خارجه. حتى مشهد رغبة "نادية" في ارتداء "ميني جيب" والرقص يعكس تحديًا للأعراف الاجتماعية التي تحاصر الجسد الأنثوي مع تقدّم العمر.

في الختام، إن الرواية تقوم بكشف هشاشة الإنسان أمام الزمن، لكنها في الوقت ذاته تسلّط الضوء على قدرة الفن على مقاومة التلاشي. كل عنصر سيميائي – من المرآة المشروخة إلى الرسائل غير المُرسلة – يضيف طبقةً إلى سرديةٍ ترفض الاستسلام. العجائز في الرواية لا يظهرن كضحايا، بل كفنانات يعدن تشكيل حياتهن عبر لحظات التمثيل، حيث يظل الزمن مفتوحًا على احتمالات جديدة لا تنتهي بانتهاء العرض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى