انشغل الفلاسفة والمفكرون بمفهوم (الزمن) منذ هيراقليدس وحتى بول ريكور ، فإغتنى الجهد المعرفي بشتى المفاهيم حول طبيعة الزمن وكينونته وتعالقه مع الظواهر الذاتية والموضوعية عبر توالي العصور والمراحل والصيرورات المستمرة للأبستمولوجيا ، وقد تمكن ذلك الجهد المعرفي من تأشير انواع من الزمن مردف بتعريفات تسوّغ محاولة الوصول إلى فهم دقيق للزمن وأثره فيما بعد بالمنجز الأدبي والفكري على حد سواء ، وخلُصَ ذلك الجهد إلى فرز ثلاثة أنواع وهي الزمن الفيزيائي الذي يمكن قياسه بالأدوات العلمية ، ويعبر عنه بوحدات كالثواني والدقائق والساعات ، وزمن سردي وهو طريقة استخدام الزمن في السرد الروائي والقصصي الذي تجري فيه الأحداث والوقائع السردية بأنواعه المختلفة كالزمن المتسلسل والخطي والزمن الداخلي والخارجي ، ومن الممكن عدّه زمناً افتراضياً يرتبط بأركان السرد الأخرى ، والثالث هو الزمن النفسي الذي يدرك بها الفرد الزمن ، ويشمل المشاعر والتجارب الذاتية المرتبطة بالوقت ، ويتأثر بالحالة النفسية والعواطف ، مما يعني أنه ذاتي وان تجربته تختلف من شخص لٱخر ، لذا فإنه غير قابل للقياس كما الزمن الفيزيائي ، كما أن إدراكه يعتمد على العوامل النفسية والمشاعر الذاتية مما يجعله غير متسلسل دائما ، وبهذا المعنى فإن هيمنته في النص السردي لاتنفي تعالقه مع أنواع الزمن الأخرى الافتراضية ، ومن هنا سنتقصّىٰ تحولات الزمن بأنواعه المختلفة وتأثير الزمن النفسي في بنية النص السردي ( السحور) للقاص العراقي محمد خضير المنشور في كتاب ( العقود) الصادر عن دار الجمل /2020 . والمنشور على صفحة القاص ليوم 4/3/2028 وهو نص من تسعة نصوص سردية كوّنت مادة وتجربة الكتاب التي أشارت كلمة الغلاف الثاني للكتاب إلى أنها ( بروفايلات متقلبة لاتلبث أن تزول ، لكن عمري المديد يلتقط جانبها الظليل كما يلتقط وجه الحياة الخاطف كبرق لامع لايدوم أمام النظر سوى لمحة ... جمعت مالايقل عن تسع صور جانبية ، ظهرت وراء مصاريع دوّارة ، في مكان هو أشبه بمتحف طبيعي ، مالبثت وان انسحبت وخلّفت وراءها ظلالاً كاسفة ) .
يشير زمن النص إلى أن وقوع الحدث هو وقت السحور ، ومنذ السطر الأول يتجه النص إلى تفعيل خاصية الزمن النفسي الذي يفترض فيه النص الدخول الى عالمٍ ٱخر يكرّس الإنفصال عن الواقع الخارجي الذي شكّل الإطار السردي ، إذ تتجه المجموعة البشرية المختلطة الجنسيات بين فارسية وتركية وافغانية وتركية ومستعربين من روس وصينين مسلمين يجمعهم هاجس البحث عن باب الشام حيث المطعم السوري ، ( وكأننا نسير في عالم ٱخر غير عالمنا ) وما العالم الٱخر الذي يفرضه النص سوى ذلك العالم الذي تؤثثه المشاعر والأحاسيس الذاتية محتكمة إلى الزمن النفسي الذي يأبىٰ مواضعة الزمن السردي ، وتتبدىٰ نيّة السارد لتهيئة ذهن المتلقي ودعوته إلى معاينة عجائبية لحركة الشخصيات في بحثها عن المطعم السوري عبر توصيف وتخليق رؤية مشهدية تكوّنها المشاعر والأحاسيس ، إذ يستدعي النص طقوساً أولية وبدئية تقترن بالنشأة الأولى في رحم الأمهات ، ( فكأننا مازلنا نعوم في سوائل امهاتنا ، لانفقه شيئاً حولنا ) فيضعنا النص أمام وضع بشري يندمچ وحالة النقاء الموزّعة بين طقس السحور وذوات المجموعة المختلطة الجنسيات التي تتخلى عن خصوصيتها كانتماء لهذه الجنسية أو تلك إلى موقف عمومي انساني يتكلم فيه الجميع وبطلاقة اللغة العربية ، وبما أن الزمن النفسي قد مارس هيمنته على مجريات القص الإفتراضي فإن المكان قد حاز على توصيف عائم خرج عن سلطة واقعية القص المرتهنة بالزمن الفيزيقي ، فلم يكن بالإمكان قياسه أو تكوين وجهة نظر واقعية عنه ، وظهر هو الٱخر محتكماً إلى المشاعر والأحاسيس الذاتية التي تكفّل ببثّها الراوي عبر انتمائه للمجموعة البشرية التي تنشد باب الشام ،
وبالإمكان رصد تحولات الزمن في النص المذكور عبر عدة محاور منها تجربة الزمن الغائم ، إذ أن احساس الشخصيات بأنهم في ( عالم ٱخر) حيث الزمن يبدو سائلاً وغير محدد ، يخلق تجربة زمنية غير تقليدية تشبه اللحظات التي تسبق الفجر ، وتتجلىٰ هذه التجربة من خلال تداخل الزمن الشخصي لكل فرد من أفراد المجموعة ذوي الخلفيات الثقافية المختلفة مع الزمن الجماعي لرحلة البحث عن المطعم السوري ، كما أن الحركة بين الماضي والحاضر عبر الإشارة إلى (الفقاعة) التي تشبه حالة الطفولة كانت تعكس شعوراً بالحنين إلى الماضي / نستولوجيا ، فقد كانت الشخصيات تتنقل بين ذكريات الطفولة وبين تجربة السحور الحالية ، مما أظهر التحولات الزمنية في حياتهم ، وعبر الإحساس بالزمن المنقضي فقد تبدت مشاعر القلق وعدم اليقين مع اقتراب الفجر ، حيث تزداد الحاجة إلى الطعام ، فقد كشفت هذه المشاعر عن كيفية تأثير الزمن على الحواس والرغبات ، كما تمكن النص من ربط الزمن بالمكان من خلال بعض التفاصيل ك ( باب الشام) و (المطعم السوري) و ( المسحراتي) فقد أسهمت هذه المواقع في تشكيل تجربة زمنية خاصة تتعلق بالشهر الفضيل ، فقد تداخلت هذه العناصر ٱنفة الذكر لتخلق شعورا معقّدا بالزمن ، يعكس كيفية تأثير السياق الاجتماعي والثقافي على إدراك الشخصيات التي تكفّل الراوي كلي العلم للكشف عنها .
لقد تمكنت لغة النص -- وبما عُرف عن القاص محمد خضير من قدرة في تأثيث النص القصصي داخلياً وخارجياً -- من تخليق استعارات زمنية فاعلة الإشتغال على تنويعات الزمن من خلال جملة من العناصر منها اللغة التصويرية التي قدّمت وصفاً فنياً لتصوير الزمن كشيء سائل ، مثل ( فقاعة شفافة) مما يخلق إحساساً بالزمن الذي يتلاشىٰ أو يتبدد ، كما أن الاستعارات الحسية التي تمثّلتها تعابير مثل ( نعوم في سوائل امهاتنا) التي تشير إلى العودة إلى الحالة الجنينية الاولى لتجعل الزمن يبدو كحلقة متصلة بين الماضي والحاضر ، كما أن بعض الصور السردية قد امتلكت بعداً دلالياً لتكشف عن كوامن الأفعال السردية في حركة الزمن المتداخل ، مثل ( خيوط الصبح ) إذ تشير هذه الإستعارة إلى لحظات الفجر التي يتم فيها الانتقال من الليل إلى النهار ، فمفردة (خيوط) تعكس هشاشة الوقت ومروره البطيء لتدلّ على شعور الشخصيات بتوتر الانتظار ، أما صورة (عرايا كأبينا) فإنها أعادت الشخصيات إلى حالة الطفولة البدئية حيث ارتباط الزمن بالبراءة والافتقار الى الحماية ، فقد عمّقت دلالة هذه الجملة الإحساس بالخسارة في عالم معقّد ، وفي جملة ( الحيرة الكبرى) التي عبّرت عن عدم اليقين الذي رافق الزمن بكل أشكاله ، فقد أظهرت الكيفية التي أثّرت فيها الظروف على فهم الشخصيات لماضيهم ومكانهم في الزمن .
لقد أسهمت هذه الاستعارات واللغة الحسية وغيرها في تكوين شعور عميق بالزمن والتغيير ، وعكست التوترات النفسية والوجودية التي عاشتها الشخصيات ، فقد تمكنت اللغة السردية من تخليق البنى الداخلية الجزئية المكونة لبنية دالة كبرى ذات وجوه متعددة شكّلت رؤيا النص للعالم التي تمثّلت حسب قراءتنا في الحاجة الإنسانية للانتماء والتواصل مع الٱخرين ، والاحتفاء بالتنوع الثقافي واللغوي ، وكذلك الحاجة إلى الهروب من الواقع .
يشير زمن النص إلى أن وقوع الحدث هو وقت السحور ، ومنذ السطر الأول يتجه النص إلى تفعيل خاصية الزمن النفسي الذي يفترض فيه النص الدخول الى عالمٍ ٱخر يكرّس الإنفصال عن الواقع الخارجي الذي شكّل الإطار السردي ، إذ تتجه المجموعة البشرية المختلطة الجنسيات بين فارسية وتركية وافغانية وتركية ومستعربين من روس وصينين مسلمين يجمعهم هاجس البحث عن باب الشام حيث المطعم السوري ، ( وكأننا نسير في عالم ٱخر غير عالمنا ) وما العالم الٱخر الذي يفرضه النص سوى ذلك العالم الذي تؤثثه المشاعر والأحاسيس الذاتية محتكمة إلى الزمن النفسي الذي يأبىٰ مواضعة الزمن السردي ، وتتبدىٰ نيّة السارد لتهيئة ذهن المتلقي ودعوته إلى معاينة عجائبية لحركة الشخصيات في بحثها عن المطعم السوري عبر توصيف وتخليق رؤية مشهدية تكوّنها المشاعر والأحاسيس ، إذ يستدعي النص طقوساً أولية وبدئية تقترن بالنشأة الأولى في رحم الأمهات ، ( فكأننا مازلنا نعوم في سوائل امهاتنا ، لانفقه شيئاً حولنا ) فيضعنا النص أمام وضع بشري يندمچ وحالة النقاء الموزّعة بين طقس السحور وذوات المجموعة المختلطة الجنسيات التي تتخلى عن خصوصيتها كانتماء لهذه الجنسية أو تلك إلى موقف عمومي انساني يتكلم فيه الجميع وبطلاقة اللغة العربية ، وبما أن الزمن النفسي قد مارس هيمنته على مجريات القص الإفتراضي فإن المكان قد حاز على توصيف عائم خرج عن سلطة واقعية القص المرتهنة بالزمن الفيزيقي ، فلم يكن بالإمكان قياسه أو تكوين وجهة نظر واقعية عنه ، وظهر هو الٱخر محتكماً إلى المشاعر والأحاسيس الذاتية التي تكفّل ببثّها الراوي عبر انتمائه للمجموعة البشرية التي تنشد باب الشام ،
وبالإمكان رصد تحولات الزمن في النص المذكور عبر عدة محاور منها تجربة الزمن الغائم ، إذ أن احساس الشخصيات بأنهم في ( عالم ٱخر) حيث الزمن يبدو سائلاً وغير محدد ، يخلق تجربة زمنية غير تقليدية تشبه اللحظات التي تسبق الفجر ، وتتجلىٰ هذه التجربة من خلال تداخل الزمن الشخصي لكل فرد من أفراد المجموعة ذوي الخلفيات الثقافية المختلفة مع الزمن الجماعي لرحلة البحث عن المطعم السوري ، كما أن الحركة بين الماضي والحاضر عبر الإشارة إلى (الفقاعة) التي تشبه حالة الطفولة كانت تعكس شعوراً بالحنين إلى الماضي / نستولوجيا ، فقد كانت الشخصيات تتنقل بين ذكريات الطفولة وبين تجربة السحور الحالية ، مما أظهر التحولات الزمنية في حياتهم ، وعبر الإحساس بالزمن المنقضي فقد تبدت مشاعر القلق وعدم اليقين مع اقتراب الفجر ، حيث تزداد الحاجة إلى الطعام ، فقد كشفت هذه المشاعر عن كيفية تأثير الزمن على الحواس والرغبات ، كما تمكن النص من ربط الزمن بالمكان من خلال بعض التفاصيل ك ( باب الشام) و (المطعم السوري) و ( المسحراتي) فقد أسهمت هذه المواقع في تشكيل تجربة زمنية خاصة تتعلق بالشهر الفضيل ، فقد تداخلت هذه العناصر ٱنفة الذكر لتخلق شعورا معقّدا بالزمن ، يعكس كيفية تأثير السياق الاجتماعي والثقافي على إدراك الشخصيات التي تكفّل الراوي كلي العلم للكشف عنها .
لقد تمكنت لغة النص -- وبما عُرف عن القاص محمد خضير من قدرة في تأثيث النص القصصي داخلياً وخارجياً -- من تخليق استعارات زمنية فاعلة الإشتغال على تنويعات الزمن من خلال جملة من العناصر منها اللغة التصويرية التي قدّمت وصفاً فنياً لتصوير الزمن كشيء سائل ، مثل ( فقاعة شفافة) مما يخلق إحساساً بالزمن الذي يتلاشىٰ أو يتبدد ، كما أن الاستعارات الحسية التي تمثّلتها تعابير مثل ( نعوم في سوائل امهاتنا) التي تشير إلى العودة إلى الحالة الجنينية الاولى لتجعل الزمن يبدو كحلقة متصلة بين الماضي والحاضر ، كما أن بعض الصور السردية قد امتلكت بعداً دلالياً لتكشف عن كوامن الأفعال السردية في حركة الزمن المتداخل ، مثل ( خيوط الصبح ) إذ تشير هذه الإستعارة إلى لحظات الفجر التي يتم فيها الانتقال من الليل إلى النهار ، فمفردة (خيوط) تعكس هشاشة الوقت ومروره البطيء لتدلّ على شعور الشخصيات بتوتر الانتظار ، أما صورة (عرايا كأبينا) فإنها أعادت الشخصيات إلى حالة الطفولة البدئية حيث ارتباط الزمن بالبراءة والافتقار الى الحماية ، فقد عمّقت دلالة هذه الجملة الإحساس بالخسارة في عالم معقّد ، وفي جملة ( الحيرة الكبرى) التي عبّرت عن عدم اليقين الذي رافق الزمن بكل أشكاله ، فقد أظهرت الكيفية التي أثّرت فيها الظروف على فهم الشخصيات لماضيهم ومكانهم في الزمن .
لقد أسهمت هذه الاستعارات واللغة الحسية وغيرها في تكوين شعور عميق بالزمن والتغيير ، وعكست التوترات النفسية والوجودية التي عاشتها الشخصيات ، فقد تمكنت اللغة السردية من تخليق البنى الداخلية الجزئية المكونة لبنية دالة كبرى ذات وجوه متعددة شكّلت رؤيا النص للعالم التي تمثّلت حسب قراءتنا في الحاجة الإنسانية للانتماء والتواصل مع الٱخرين ، والاحتفاء بالتنوع الثقافي واللغوي ، وكذلك الحاجة إلى الهروب من الواقع .