حسن الرحيبي - من ذكريات آسفي الجَميلة

وصَلتُ لآسفي مساء أواخر شهر شتنبر سنة 1969 رفقة خالتي المرحُومة فّيْطنة بنت السكّاف . وكانت ذات شخصية قوية ومرحة في نفس الوقت . تتزعم كل نساء قبيلة أيّير الشّاطئية . والتي تعتبر سيدي كرّام الضّيف جدها الأعلى . بضَريحه الذي تتكسر أموَاج البحر المحيط على أسفل جدرانه التي تآكلت بفعل رياح اليم الثائر في كل فصُول السنة . وأيضاً بسبب ملوحة رذاذ الأموَاج التي لا تكف عن نثر غثائها الأبيض النّاصع على واجهته البحرية . كما حطمت الخلوة التي كان يختلي فيها هذا الزاهد الناسك القادم من أعماق صَحراء زاݣورة لعبادة ربه . وحيث كنا نستمتع بالسباحة صيفاً لما نصحب أمّنا التي كانت تعشق ماء البحر فتستحمّ كل صَباح بين الصّخور الناتئة لعلاج داء اليرقان أو بوصَفّير . بينما السبب الحقيقي هو قضَاؤها لطفولتها الجميلة في هذا المكان الرّائع الذي لا زلت أتردد عليه إلى اليوم لفتنته وسحره التاريخي . حين سيطر البرتغاليون على القرية حتى سنة .1617 بعد أن طردهم السعديون . لا زالت آثارهم بارزة إلى اليوم . وتفجيرهم للسور ليبقى باب تاريخي يلجون منه نحو البحر . بينما أرسل سيدي ناجي أو سيدي "معشّي ضيفانه" دفين محاميد الغزلان والمتوفى سنة 1708 ابنه سيدي ابراهيم الذي اتبع نفس السيرة بإقامة زاوية يعلم فيها الدين . ويطعم الجياع . فنال هذا اللقب وهذه الشهرة . وأحيطت أخباره بأساطير .. أي سيدي كرّام الضّيف ! والذي ظلّ غريباً عن المنطقة ولم يُكوّن بها أُسرة ولا أولاداً ..
انبهرتُ أول وهلة بالمدينة الشاطئية الجميلة . كما انبهرتُ قبل ذلك بالطريق الشاطئية المارة من الوليدية عبر البدوزة أو رأس قنط cap cantin الذي نُسجت حوله أساطير تُرجع وجوده للعصر اليوناني ولطواف حنون le périple de hannon الفينيقي في 600 قبل الميلاد . بل هناك من يعتبره مكاناً غامضاً يضم ألغاز قارة أطلنتيد atlantide الأفلاطونية المغمورة في أعماق بحر الظلمات السحيقة والساحرة . كما ضمت طنجة رفاة الإله الأسطوري طنجيس tangis المُغتال !
لأول مرة أركب حافلة راقية يسوقها يهودي يسمى الصّبّاغ . يحمل بائعي البقول والبوزروك والترفاس الوافدين على" لمدينة" كما تعوّدَ الأهالي على تسميتها لأنها حاضرتهم الأساسية حيث يسوقون منتوجاتهم الفلاحية وينفثون فيها مكبوتاتهم النفسية والجسدية . قضينا الليل في منزل المرحوم المختار ولد السياري الذي ذكرني بكبار رجال دوار الصّديݣات بلباسه الأنيق . وجلابيبه المحترمة مما أضفى عليه مسحةً من الوقار أعطتني بعض الثقة حول مستقبلي المجهول في مدينة لا أعرف عنها الكثير رغم وجود بعض المعارف من أهل أيير وناس الصّديݣات . تعرفتُ في تلك الليلة على أبنائه المرحوم عبد القادر الذي قتل فيما بعد في بداية مشكل الصّحراء . وأصبحتُ أرافقه لثانوية الإدريسي الراقية بأساتذتها الفرنسيين المتميزين . وأيضا المصطفى وسي هدي . ساعدوني ببعض الملابس الجميلة كي ينسجم مظهري البدوي ولو قليلاً مع أطفال مدينة متحضرة وراقية . لا تخطئ فيها العين مظهر طفل قادم من أعماق قرية نائية زادها الفقر واليتم جرحاً عميقاً لا يمكن رتقه . وإحساسٌ بالنّقص ظلّ يلازمه أينما حلّ وارتحل إلى اليوم . رغم كلّ الجهود المبذولة لردم الهوّة بين عالميْن متوازييْن لا يلتقيان إلاّ ما شاء اللّه !

1746871764002.png


كي لا نثقل كاهل أسرة بدورها مهاجرة للمدينة وقد تعدد أفرادها . انتقلت بي خالتي التي كانت تطمح لتسجيلي في الخيرية . أو في أي مكان يؤويني ويساعدني على مواصَلة دراستي . عند امرأة ثكلى تسكن في غرفة علوية ببيّاضَة تدعى لالة يامنة . مع ابنيها الشابين اللذين يعملان في تلّة الفخار . المتميز في آسفي بأشكاله ونقوشه التي جعلته ينال اسم" العملي" تبركا وتيمنا بالأستاذ الجزائري الذي أعاد إليه الاعتبار والرّونق وجمالية المظهر : سي بوجمعة العملي !
لم يكن مشكل المرأة المسنة الوقورة والفقيرة فقط ضَيق المكان الذي كان عبارة عن غرفة واحدة لا زلت أرى أطلالها وقد اندرست لهشاشة البناء وقدمه . بل أيضا كانت تشتكي لخالتي من سلوك ابنها الأكبر الذي يشرب مثل أغلب شبان المدينة زجاجة خمر أحمر رخيص كل مساء سبت . رغم أن ثمنها لم يكن يتجاوز آنذاك درهما واحدا ! ورغم كوني كنت أتظاهر باللامبالاة فقد كنت أصغي لكل كلمة تنطق بها المرأة العجوز . خاصة حين اقترحت عليها خالتي وضع فأر في القنينة خلسة حتى يعافها ويمجها إلى الأبد ! لم أنتظر نجاعة ومفعول الوَصفة السحرية للإقلاع عن السكر . بل كان علي تدبر أمري قبل أن يبلغ السيل الزبى ويضيق بوجودي المكان وأهله رغم طيبوبتهم وكرم خالتي الحاتمي . لأفوز بحذاء جميل لم أكن أنتظره أعوّض به صَاندالتي البلاستيكية المهترئة والمتلاشية بفعل حصائد مودنان المرملة والمشوكة .
في اليوم الموالي بدأت خالتي تطوف بي على أضرحة المدينة الأساسيين خاصة ضريح في كدية الفخارين لا أعرف اسمه لكن عرفت قوته ومفعوله من خلال كثرة مرتاديه من نساء المدينة يلجأن إليه بهدف التوسل لقضَاء أغراضهن بعد أن عجز المخزن الطاغي واهتمامه فقط بالمناسبات مثل أعياد العرش والشباب . ونسيانه لحاجيات الرعايا البؤساء . دون نسيان عزم محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق وفريد الأطرش والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ .. بينما نتضور نحن بؤسا وجوعا وإهمالا .. ثم المرور لمفتاح المدينة الصّوفي الكبير سيدي بوامحمد صَالح . الذي نظم طرق الحج حتى الحجاز . بعد أن يئس المغاربة واعتبروا هذه الفريضة مستحيلة لخطورة الطريق . تضرعنا وذرفنا دموعا ساخنة كي نلقى الترحيب وجعل مع العسر يسرى . وهو ما حدث بالفعل حين عثرت على أصدقائي في سيدي بنور : الغواص عبد السلام والغواص عبد الرحيم لتتخذ مغامرتي مسارا جديدا وجميلا لم يكن منتظرا ولا متوقعا! فانخرطنا في تخطيطات ورسم لطرق يمتزج فيها الخيال بالجد والهزل . ونهج نفس سلوكنا في سيدي بنور حين كنا نجرد سيوفنا وندخل في مبارزة ثنائية أو ثلاثية تطبيقا لأحد حلقات سيف بن ذي يزن أو عنترة العبسي أو الأميرة ذات الهمة كما تلقيناها في حلقات أبي محمد البطال المتسلسلة والمشوقة .
تنقلنا من مكان إلى آخر في كل أرجاء المدينة العريقة التي وضع الفاتح عُقبة بن نافع الفهري حوافر فرسه على حافة أمواجها المتلاطمة ملوحاً بسيفه في اتجاه ما سمي بأمريكا حالياً . وقد رددت صوته القوي والغاضب الحصُون والقلاع والروابي المجاورة : والله لو علمتُ أن وراء هذا البحر بشراً لقطعته جهاداً في سبيل اللّه ! لكنه عدل عن فكرته وتراجع نحو الجزائر ليتلقى سيف كسيلة البربري الغادر بعد أن أهانه وأمره بذبح نعجة وسلخها وربما شويها وتقديمها لضيوفه من العرب الأجلاف . لكنه ترك خليفته شاكر ينشر تعاليم الدين الجديد قرب الشماعية وجبل إغود الذي يختزن أول إنسان على وجه الأرض ! سكنا في بيت على حافة السكة الحديدية لقطار الفوسفاط بتراب الصًيني . الذي لا يكف عن زعزعتنا بعجلاته الحديدية المتينة . وصافرته التي لاتنتهي ليلا أو نهارا . لننتقل لبيت جميل مع صياد راق يتحفنا كل صباح بسلة سردين طري . ثم ضاق بنا المكان لنقطن في بيت علوي بسوق الغزل بجوار طائفة من حمادشة يضربون الدفوف والطبول ليل نهار . مرددين أهازيج صوفية متجانسة لا نعرف مغزاها . لكنهم ينهونها بضَرب رؤوسهم وتكسير الدفوف عليها حتى تسيل دماؤهم . لا نعرف كيف نتابع دروساً مهمة إلى جانب تلاميذ يسكنون ڤيلات رَاقية بالمدينة الجديدة أو حي البلاطو الراقي le plateau . من طينة الوزاني وبليزيد والتهامي لبريسل والحاج باكّا وغيرهم من أغنياء المدينة البحرية المعروفة بمنتوجها من صيد السرديل الأول عالمياً ! صعدنا نحو حي جنان الشقوري وواد الباشا لنستمتع برحابة المكان وسعة كرم السكان .إذ لم يبخلوا عنّا بطبخهم اللذيذ بسب أصُولهم الأندلسية الراقية . لكن سرعان ما توظف الأصدقاء وتفرقت بنا السبل لأبقى وحيداً لكن متجنداً للتقدم في دراستي . فأستيقظ يومياً قبل الفجر للمذاكرة . دون نسيان الإسراع لإطفاء المصباح الكهربائي خوفا من غضَب صَاحب البيت الذي يذهب قبل الفجر لسياقة حافلات المدينة . رغم لطفه وكرمه . ومساعدته لي رغم كوني لا أدفع سوى ثمن هزيل شهرياً مقابل الكراء لا يتجاوز ال 15 درهما . ثم أنتظر حوذي عربة النصراني ماي mahé صَاحب المخبزة الشهيرة . وهو يحث بغله الهرم على السير محملاً بكل أنواع الكومير والباريزيان . أسمع حوافر البغل من بعيد يتردد صَداها عبر الشوارع والزناقي المتراصّة . وصوت الحوذي البادي على الصّورة مخاطباً بغله بلطف وتتابع : سير زيد ! سير زيد ..! يتوقف مقابل بيتي البئيس . أخرج لشراء "بتي بانة "un petit pain معجونة بالحليب عوض الماء لم أتذوق حلاوتها ولذتها منذ ذلك الزمن البعيد . لم يكن يتجاوز ثمنها قرشين أو جوج ريالات . ثم أمضي مع أذان الفجر عند الشفناج القريب لأشتري رابعة شفنج بخمس ريالات والحصُول على هدية سيدي بلعباس المجانية أو العباسية . ثم ألتحق بثانوية ابن خلدون المطلة على شعبة آسفي السحيقة والموحشة . في الغذاء تنتظرني حصة من الزيتون الأسود أو الأبيض بالحرور ونصف لتر من حليب سنطرال المثلث الشكل . لا يتجاوز ثمن هذا الغذاء الفاخر عشر ريالات . في المساء "شركة" ساخنة من سرديل آسفي الطري بربعدريال : شرْكة بجوج ريالات ونصف خُبزة بنفس الثمن .
تحية لأصدقائنا الأعزاء بآسفي . وشكراً لكل من ساعدنا على تجاوز عقبات الفقر وعوائق الجهل والظلام بالمدينة التاريخية العريقة . مَدينة الصلاّح والأولياء والطرب الحصباوي الأصيل والنساء الرائعات !
حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى