عبد علي حسن - النص بين المطابقة والإختلاف

أتاحت المناهج النقدية السياقية ماقبل البنيوية واعني بها النفسي والتأريخي والإجتماعي رؤية النص الأدبي رؤية خارجية اي البحث في علاقة النص بالمؤلف والسياقات الاجتماعية والتأريخية التي انتج فيها النص ، وفي هذه الحالة فإن الرؤية النقدية حريصة على تقديم رؤية مطابقة لرؤية النص ، اي سيكون للنص معنىً واحداً هو ماثبّته النص ، فيما ذهبت البنيوية إلى تقديم رؤية داخلية للنص لتجيب على سؤال كيف انتج النص؟ قاطعة علاقته بكل ماهو خارجه وهو ما ذهبت إليه مناهج مابعد البنيوية لتؤكد أن (لاشيء خارج النص) لتجيب عن سؤالٍ مزدوج وهو كيف كتب النص وماذا أراد أن يقول؟ على أن الإجابة مرهونة بما يثيره النص ومايتيح للناقد المساهمة بإنتاج النص عبر فعالية التأويل التي اقترحتها مناهج مابعد البنيوية ارتباطاً بمقولات التفكيك الدريدي التي ركّزت على لانهائية المعنى بفعل تعدد القراءة التي تؤول إلى تعددية المعنى الذي تنتجه القراءات المختلفة ، لذا فليس أمام الناقد المعاصر سوىٰ التماهي مع صيرورة المناهج التي وجدت في صيرورة النص البحث عن مناهج تتناسب وتلك الصيرورة .
لذا فإن أية مطابقة بين الرؤية النقدية ورؤية النص المنقود تعني إدارة الظهر للخطاب النقدي الحديث والمعاصر كما انه قصور في استكناه النص وضعف الناقد في استدعاء مرجعياته لإعادة إنتاج النص ، إذ لاوجود لرؤية واحدة إلّا إذا كان الناقد حريصاً على تقديم رؤية ذوقية أو انطباعية عفا عليها النقد وشرب ، فهي تدور مدار رؤية النص وتتجه صوب شرحه دون تشريحه ، فالنقد المعاصر خوّل الناقد بعدّه قارئاً مثالياً إمكانية تقديم رؤية مختلفة وقدرة لتحليل النص وتأويله ليدخل النص في جدلية تعدد المعنى ، إذ أن جوهر التفكير النقدي يكمن في القدرة على تحليل وتقييم النص من زوايا مختلفة حتىٰ لو كانت تتقاطع مع وجهة نظر المؤلف ، كما أن التفكير النقدي يستلزم الموضوعية التي تنجز الفصل بين التحيز الشخصي والتحليل الموضوعي للنص ، حيث أن المطابقة التامة بين رؤية الناقد ورؤية النص تُضعف وتعيق هذه الموضوعية ، وبما أن النقد يهدف إلى تقديم فهم أعمق للنصوص فهو لايقتصر على الاعلان عن الرفض أو القبول بل إثارة الأسئلة التي تتعلق بنقاط قوة أو ضعف النصوص وسياقها وٱثارها المحتملة ، فضلاً عمّا توفره الرؤىٰ المختلفة من عوامل إثراء النقاش وفتح ٱفاق جديدة للفهم .
نعم قد تكون المطابقة بين رؤية الناقد ورؤية النص ذات فائدة في الإجرائين الأولين اللّذين حدّدتهما نظرية التلقي وهما القراءة الذوقية وفهم النص وعادة ماتُنجز هاتان الخطوتان قبل عملية النقد التي تكون ساحتها التأويل ، كما أن هذه المطابقة تسهم في تحديد الافتراضات التي يقوم عليها النص والتي لم تكن واضحة في البداية ، فجميع هذه الإجراءات تسبق عملية إلنقد الذي سيكّرس هذه الدعامات بغية الدخول الىٰ منطقة تأويل النص ، وقد تتقاطع الرؤية النقدية مع موجهات ورؤية النص عبر تقديم المغزىٰ الذي تنتجه القراءة النقدية ، وهذا المغزى هو الذي يشكّل عندي رؤية مابعد النص .

عبد علي حسن
12/5/2028

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى