انتهى الكلام و صار كلُّ قول من باب استعراض عضلات اللسان الذي يحمل على كاهل مُعجمه من الأوزار المُقْترفة في حقِّ الإنسانية أثقالاً؛ انتهى الكلام
و يَبِسَ في الحلْقِ كلُّ ماءٍ يُيَسِّرُ للروحِ التي ما عادت تجد في أجسادنا مُسْتَقرا مسْراها للسماء، و غَدا كلُّ كلامٍ ينطق من جهة الألسنة المُلْتوية للطُّغاة كذباً، فلا نُقابله من جهة قلبنا إلا وجعاً لا يُجْدي الميِّتَ شيئاً أمام غسَّالِه؛ لِنعُدْ إلى عُكَّاز في رُشْدِنا يُسنِدُ في النفس عرجها الإنساني، و لْنَرْدِمْ هذه الحُفَر المُسمَّاة أعْيُناً في وجوهنا بالتراب، عسى نكُف عن البُكاء الذي لا يُجْدي حَلَباً و هي تحترق برداً و سلاماً؛ لكم أكرهُ لغتي الآن و هي تُرْهِفُ الكتابة بكلماتٍ تبدأ في حفر قبرها بأحرِّ التعازي و أصدق المواساة في انتظار العشاء الأخير الذي سيعُمُّنا بحسناته كُسْكُساً..!
لَكَمْ سأحِبُّ هذه اللغة لو انخرطت بأحرفها التي تجري دماً حاراً بعروقنا في منطق النار و الحديد، لِتَضْرِبَ أو تَقْلِبَ بيدٍ في حجْمِ الجبل، أعلى طاولة مفاوضات في العالم لتتجاوز كل الأمم المُتَّحدة ضدنا و المجالس التي لم يعُد أحدٌ يأْمَنُ عدالتها الميكيافيلية ذات الميكيالين؛ ربما لو تحولت الكتابة بقلمي يداً سأطرُق بضربتها باب الله و أتوسَّلُ؛ يا الله هذي جنازاتُ أطفالنا في حلب قد بدأت منذ صفٍّ سحيقٍ في التاريخ، و أطول من أن تحُدَّها مقبرةٌ في زمن الخراب العربي؛ هذي جنازاتُ أطفالنا تبدأ رحلتها الطويلة من حلبٍ فحماً في أكفان من فرط ما خجلتْ من بياضها، اعْتَلَتْها الحُمْرةُ دماً، فافتحْ بوابة السماء الأوسع بعد أن ضاق في الأرض قلبُ الإنسان و ما عاد يشعُرُ بسواه..!
انتهى الكلام و صارت اللغةُ التي تكتُبُني صوتاً أو موتاً، أشدُّ كُرْهاً إلى قلمي، لأنها تُكرِّرُ في كُلِّ مأْساةٍ ضُعْفَنا غير الصالح حتى لِكُتُبِ التاريخ التي لا تذكر إلا الشجعان و الأقوياء؛ هل تُجدينا في الكتابة شمسٌ لا تؤرِّخُ إلا لأفولنا لنقول مع محمود درويش؛ في كلِّ مئذنةٍ حاوٍ و مُغْتصِبُ، يدعو لأندلسٍ إذا حوصرتْ حلبُ؛ أجل انتهى الكلام عِلماً أن كل كلامنا صار خَرَساً بعد أن كيَّفْنا معجمنا وفق ما يُرْضي أهواء الطٌّغاة لنغدو جميعا في أياديهم ورقا في هواءٍ؛ أليس ثمة من يغضب و لو بجمرة واحدة لنزفر معه بدل الأنفاس الدخان..؟
انتهى الكلام و حتى الشعر الذي نكتبه بخيط الدمع الذي ينساب من أول القصيدة لآخرها، أصبح هو ذاته سخرية العالم مِنَّا؛ يقولون إننا شعوبٌ تُضيِّعُ المستقبل في خرافة كتابة الشعر دون أن نغتنم في هذا الخراب الكبير، حيِّزاً في العقل و القلب لنُفكِّر و نشْعُر بما و منْ حولنا، و دون حاجةٍ لأن يَصْعَقَنا ضميرٌ بكهرباء..!
أنا عن نفسي سأقطع لساني و أحُزُّ معه كل لسان قد ينبري من حيث لا أتكلم أو أدري؛ سأفكِّر في اختراع سِرْبٍ من الطائرات بَدَلَ أن أتخِذَ من الورق لغتي في التوقيعات و الإتفاقيات المبرومة حبلا حول أعناقنا و كل القمم المعقودة في الحضيض؛ سأحشو أنا أيضا كما صنع كل هذا التحالف بأطفال حلب، جوف طائراتي التي سأخترعها بعد أن انتهى كل كلامي، بالبراميل المُتفجرة و أفرغها على كل الأنظمة العربية المُنخرطة في جرائم الحرب بسوريا و العراق و فلسطين و اليمن و ليبيا، إنْ بالصمت لقضاء حاجةٍ تبيع الإنسانية بأبخس الأثمان، أو بالكلام كي تستمر كذبة السلام في مسلسلها الميكسيكي الذي قضى على أجيال في مجازر عربية كُبرى دون أن تصعد مع جنيريك إحدى حلقاته كلمة الأخيرة..!
انتهى الكلام و إذا أراد أحدٌ أن يُحدثني في هذا الإسطبل العربي الكبير الذي لا أحد يتعلم في ذاكرته درْساً، فَلْيَرْفَع بَدَلَ الأصبع، رشاشاً أو مدفعيّةً لأن حلب تحترقْ..!
( افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 5 ماي 2016)
و يَبِسَ في الحلْقِ كلُّ ماءٍ يُيَسِّرُ للروحِ التي ما عادت تجد في أجسادنا مُسْتَقرا مسْراها للسماء، و غَدا كلُّ كلامٍ ينطق من جهة الألسنة المُلْتوية للطُّغاة كذباً، فلا نُقابله من جهة قلبنا إلا وجعاً لا يُجْدي الميِّتَ شيئاً أمام غسَّالِه؛ لِنعُدْ إلى عُكَّاز في رُشْدِنا يُسنِدُ في النفس عرجها الإنساني، و لْنَرْدِمْ هذه الحُفَر المُسمَّاة أعْيُناً في وجوهنا بالتراب، عسى نكُف عن البُكاء الذي لا يُجْدي حَلَباً و هي تحترق برداً و سلاماً؛ لكم أكرهُ لغتي الآن و هي تُرْهِفُ الكتابة بكلماتٍ تبدأ في حفر قبرها بأحرِّ التعازي و أصدق المواساة في انتظار العشاء الأخير الذي سيعُمُّنا بحسناته كُسْكُساً..!
لَكَمْ سأحِبُّ هذه اللغة لو انخرطت بأحرفها التي تجري دماً حاراً بعروقنا في منطق النار و الحديد، لِتَضْرِبَ أو تَقْلِبَ بيدٍ في حجْمِ الجبل، أعلى طاولة مفاوضات في العالم لتتجاوز كل الأمم المُتَّحدة ضدنا و المجالس التي لم يعُد أحدٌ يأْمَنُ عدالتها الميكيافيلية ذات الميكيالين؛ ربما لو تحولت الكتابة بقلمي يداً سأطرُق بضربتها باب الله و أتوسَّلُ؛ يا الله هذي جنازاتُ أطفالنا في حلب قد بدأت منذ صفٍّ سحيقٍ في التاريخ، و أطول من أن تحُدَّها مقبرةٌ في زمن الخراب العربي؛ هذي جنازاتُ أطفالنا تبدأ رحلتها الطويلة من حلبٍ فحماً في أكفان من فرط ما خجلتْ من بياضها، اعْتَلَتْها الحُمْرةُ دماً، فافتحْ بوابة السماء الأوسع بعد أن ضاق في الأرض قلبُ الإنسان و ما عاد يشعُرُ بسواه..!
انتهى الكلام و صارت اللغةُ التي تكتُبُني صوتاً أو موتاً، أشدُّ كُرْهاً إلى قلمي، لأنها تُكرِّرُ في كُلِّ مأْساةٍ ضُعْفَنا غير الصالح حتى لِكُتُبِ التاريخ التي لا تذكر إلا الشجعان و الأقوياء؛ هل تُجدينا في الكتابة شمسٌ لا تؤرِّخُ إلا لأفولنا لنقول مع محمود درويش؛ في كلِّ مئذنةٍ حاوٍ و مُغْتصِبُ، يدعو لأندلسٍ إذا حوصرتْ حلبُ؛ أجل انتهى الكلام عِلماً أن كل كلامنا صار خَرَساً بعد أن كيَّفْنا معجمنا وفق ما يُرْضي أهواء الطٌّغاة لنغدو جميعا في أياديهم ورقا في هواءٍ؛ أليس ثمة من يغضب و لو بجمرة واحدة لنزفر معه بدل الأنفاس الدخان..؟
انتهى الكلام و حتى الشعر الذي نكتبه بخيط الدمع الذي ينساب من أول القصيدة لآخرها، أصبح هو ذاته سخرية العالم مِنَّا؛ يقولون إننا شعوبٌ تُضيِّعُ المستقبل في خرافة كتابة الشعر دون أن نغتنم في هذا الخراب الكبير، حيِّزاً في العقل و القلب لنُفكِّر و نشْعُر بما و منْ حولنا، و دون حاجةٍ لأن يَصْعَقَنا ضميرٌ بكهرباء..!
أنا عن نفسي سأقطع لساني و أحُزُّ معه كل لسان قد ينبري من حيث لا أتكلم أو أدري؛ سأفكِّر في اختراع سِرْبٍ من الطائرات بَدَلَ أن أتخِذَ من الورق لغتي في التوقيعات و الإتفاقيات المبرومة حبلا حول أعناقنا و كل القمم المعقودة في الحضيض؛ سأحشو أنا أيضا كما صنع كل هذا التحالف بأطفال حلب، جوف طائراتي التي سأخترعها بعد أن انتهى كل كلامي، بالبراميل المُتفجرة و أفرغها على كل الأنظمة العربية المُنخرطة في جرائم الحرب بسوريا و العراق و فلسطين و اليمن و ليبيا، إنْ بالصمت لقضاء حاجةٍ تبيع الإنسانية بأبخس الأثمان، أو بالكلام كي تستمر كذبة السلام في مسلسلها الميكسيكي الذي قضى على أجيال في مجازر عربية كُبرى دون أن تصعد مع جنيريك إحدى حلقاته كلمة الأخيرة..!
انتهى الكلام و إذا أراد أحدٌ أن يُحدثني في هذا الإسطبل العربي الكبير الذي لا أحد يتعلم في ذاكرته درْساً، فَلْيَرْفَع بَدَلَ الأصبع، رشاشاً أو مدفعيّةً لأن حلب تحترقْ..!
( افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 5 ماي 2016)