عبد علي حسن - ( الراوي) وصيرورة السرد

يُعرّفُ الراوي بأنه هو الذي يتولّىٰ عملية الحكي أو القصّ ، فهو يعرف الحكاية وينقلها إلى المروي له ، ، وبدونه لن تكون هنالك عملية قص ، لذا فالراوي مكوّن أساسي في عملية السرد ولايمكن الإستغناء عنه ، وعلى حد قول سيزا قاسم فإنه (يأخذ مهمة سرد الحوادث ووصف الاماكن , وتقديم الشخصيات ، ونقل كلامها ، والتعبير عن أفكارها ومشاعرها واحاسيسها ، وهو قد يكون صورة عن الروائي أو ذاتاً ثانية له .... سيزا قاسم /بناء الرواية ص 185)
ومن بين انواع الرواة النمطية / الدراسية هو( الراوي العليم) الذي حاز على اهتمام بالغ من قبل الروائي والقاص نزار عبد الستار وخصّهُ في مقاله الموسوم ( العليم المظلوم والمتكلم البليد ) المنشور في ثقافية جريدة (الصباح) للعدد 6133 / الإثنين 24/3/2025 ، وأجد في مناقشة الرأي الٱنف الذكر للروائي نزار عبد الستار مناسبة للنقاش وتبادل الرأي في واحدة من الموضوعات المهمة في النظرية السردية واعني بها (الراوي) ، اذ يخلص الكاتب نزار عبد الستار في نهاية مقاله إلى أن ( الراوي العليم هو فنّ الرواية في أسمى أشكاله ، ويتطلب مقدرة هائلة من الكاتب ودراية واسعة بعلوم السرد والبناء ومزج العناصر ، وهو الفارق الأساس بين الأدب والشخبطة ، وكل مانحن فيه من تشويهٍ ومٱسٍ أدبية مردّه إلى ذلك المتطفل الذي يثرثر ويظن نفسه روائياً ) ولعلّ من معطيات هذه الخلاصة أن (الراوي العليم) هو افضل نوع من أنواع الرواة لكتابة رواية تتصف بالأدبية والفن الروائي المؤثر ، وماعداه هو محض ثرثرة ونقص في معرفة الفن الروائي حتى عدّه (شخبطة) لاتمت إلى الرواية الناجحة بصلة ، وانّا لنعجب أن يطرح هكذا رأي من كاتب روائي في عصر ذابت فيه الحدود بين انواع الرواة وتعددت مؤثرات هذا الراوي أو ذاك ، إذ شهدت الرواية المعاصرة التي تماهت وموجهات تقنيات رواية مابعد الحداثة التي اتّسمت بالنزوع إلى تخليق الرواية المفكّرة التي تجاوزت كثيرا موجهات رواية الحداثة التي وجدت في (الراوي العليم) ضالتها للإحاطة بمجريات الواقع حتى منتصف القرن الماضي ، فالكاتب في مقاله ٱنف الذكر يقدم (الراوي العليم ) وكأنه وصفة جاهزة للرواية الناجحة متغافلاً عن طبيعة الرواية التي تنتقي من أنواع الرواة ماتراه مناسباً لضمان عمق اكبر في السرد ، ولايمكن القول بأن أحد أنواع الرواة هو الأفضل بشكل مطلق ، لأن الاختيار بينها يعتمد على نوع الرواية وطبيعة الرسالة / وجهة النظر التي يريد الروائي توصيلها ، ولتوضيح أهمية هذا الإختيار ارىٰ لزاماً علينا المرور على انواع الرواة النمطية المألوفة ، إذ ان لكل نوع من أنواع الرواة ومايتّصف به من مواصفات وسمات قد لانجدها في نوع ٱخر تبعاً لطبيعة النص واختيار مايناسبه من راوٍ .
ف(الراوي العليم) (ضمير الشخص الثالث هو /هي/ هم )الذي تحيّز له الكاتب نزار عبد الستار وفضّله على الأنواع الأخرى هو نوع من ألرواة في السرد الروائي أو القصصي الذي يمتلك معرفة شاملة عن الأحداث والشخصيات ، ولكنه قد لايعرف كل شيء عن المشاعر الداخلية للشخصيات أو الأسباب الكامنة وراء تصرفاتهم وسلوكياتهم الخارجية ، ويمكن أن يقدم وجهات نظر متعددة حول الاحداث ، أما الراوي (كلّي العلم)باستخدام ضمير المتكلم (أنا أو نحن) الذي وصفه عبد الستار بالبلادة فدرجة قربه من الأحداث والشخصيات بكونه مشاركاً في الوقائع تتيح له إمكانية امتلاك المعرفة الكاملة بكل شيء ، بما في ذلك الأفكار والمشاعر الداخلية للشخصيات ، وهذا النوع من الرواة يمكنه أن ينقل للقاريء تفاصيلاً دقيقة عن دوافع الشخصيات وأفكارهم ، وهو ما أشار إليه الروائي والناقد الأمريكي هنري جيمس الذي استهجن استخدام ضمير الغائب واضعا الخطوة الأولى في طريق رواية القرن العشرين منذ مطلع القرن الماضي متجاوزاً اسلوب سرد الحداثة ، إذ سعىٰ (إلى إخفاء (الروائي) وإظهار (الراوي) على أساس أنه المعبر عن رؤية الكاتب الفكرية والفنية من خلال موقعه المحوري في الخطاب الروائي .....الراوي والمنظور في السرد الروائي / نجاة علي / موقع ديوان العرب للثقافة والفكر ) ولن يكون ذلك إلّا باستخدام ضمير المتكلم ليكون الراوي في موقع محوري من السرد ، وقد يكون هذا النوع أكثر ملائمة في الروايات التي تتطلب تعقيداً عاطفياً أو فلسفياً ، حيث تحتاج الشخصيات إلى أن تُفهم بشكل كامل ، فهل يتصف هذا الراوي بالبلادة كما ذهب عبد الستار بعد معرفتنا بالدور الذي ينهض به لتعميق السرد ؟ وهنالك نوع ثالث لايشهد هيمنة الراوي العليم أو الراوي كلي العلم وهو راو يتنقل بين النوعين الٱنفي الذكر من الرواة ويتطلب احداث توازناً دقيقاً وفهماً لإحتياجات القصة أو الرواية وعلى الكاتب أن يكون واعياً للغرض من كل نوع من ألرواة وكيف يؤثر على تجربة القاريء ، ولعل الرواية البوليفونية التي تستخدم تعددية الأصوات تقع في هذه المنطقة البينية ، على أن هنالك اجتراحات عديدة لأنواع أخرى من الرواة أفاد بها عدد من نقاد مابعد البنيوية ، إلّا أنها لاتخرج عن إطار الأنواع الثلاثة التي أشرنا إليها ٱنفاً ، إذ أن تلك الاجتهادات في اجتراح انواع الرواة كالرؤية من الخلف والراوي المصاحب والراوي من الخارج ، كان نتيجة لصيرورة السرد نفسه الذي اتسعت مدياته بفعل ظهور علم السرد منذ منتصف القرن الماضي على يد تودوروف وجينيت والعديد من نقاد مابعد البنيوية ، ونظرة سريعة إلى ماتحقق من منجزات روائية أو قصصية منذ منتصف القرن الماضي الذي شهد بفعل ظهور ملامح مابعد الحداثة الإنتقال إلى اعتماد ضمير المتكلم توصيفاً للراوي كلي العلم تجعلنا أمام مشهدٍ سردي متسع ذابت فيه الحدود بين طرق السرد واستخدام الرواة و خرق التتابعات الكرونولوجية وتقويض النمط الخطي في السرد وغيرها الكثير من التقنيات التي رافقت سرد مابعد الحداثة باتجاه تفعيل وتنشيط وعي المتلقي ووضعه في منطقة المساهمة في إنتاج النص وتمكينه من تكوين وجهة نظر ورؤية فكرية وجمالية ينتجها وعيه المتقدم الذي شكّلته مرجعيته الفكرية والجمالية ، وبهذا الصدد يشير الناقد الأمريكي واين بوث في كتابه المهم (بلاغة السرد) إلى أنه من السخف أن نتصور أن أنماط الراوي من الممكن أن تحدّ بثلاثة أو أربعة ، لأنها مئات وربما ٱلاف من الأنماط التي من الممكن اجتراحها ، ويعتمد ذلك كما يشير واين بوث على المسافة بين الراوي والشخصيات والأحداث ، فقرب أو بعد الراوي من الوقائع والشخصيات ستقترح أنماط جديدة من الرواة .
وتأسيساً على ماتقدّم نرىٰ أن ماخلص اليه الكاتب نزار عبد الستار من انحياز للراوي العليم واشارته ببلادة الراوي المتكلم لايعدّ الزاماً للأخذ به من قبل الروائيين بعده الأسمى من بين انواع الرواة ، إذ أن وجهة نظر عبد الستار من الممكن عدها وجهة نظر خاصة به ، إذ أن ماوصل اليه الجهد النقدي والروائي على حد سواء لم يعد يسمح بتفضيل راوٍ على ٱخر ، ويبقى نوع الرواية وماتحتاج اليه لتفعيل وعي القاريء هو المعيار السليم لاختيار الراوي ، فضلاً عن ماشكّلته مقالة الكاتب نزار عبد الستار من ردّ انفعالي على من وصفه ب ( المتطفل الذي يثرثر ويظن نفسه روائياً ) وجاعلاً إياه السبب في (مانحن فيه من تشويه ومٱسٍ أدبية) إذ لا أجد علاقة وثيقة بين ماطرحه الكاتب من رأي خاص به وماوجده من (شخبطة) في منجز الٱخرين الروائي وتفضيلهم الراوي كلي العلم / السارد بضمير المتكلم (انا، نحن) الذي وصفه بالبلادة ، والمعروف أن وجهة النظر أياً كانت قوة مصدرها من الممكن مناقشتها بموضوعية خارج الشخصنة والانفعال ، كيما نصل من خلال تلك المناقشات الموضوعية إلى قناعات تكرّس النافع والمفيد في تقدم المشهد السردي العراقي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى