هشام ناجح - مملكة القطط...

"في البداية والنهاية يستلهم الإنسان حيله من الحيوانات لكنه سيبقى طوال حياته مدينا للقطط التي شاركته الحياة نفسها".
( هـ. ن)


مرجح أن تؤول مدن الاتحاد الهندي وضواحيها إلى منارات توجه الإنسان الزائر، أو المقيم، بالوفادة صوب دواعي الاكتشاف المختلف عما يؤمن به ويعتقده. ومرجح كذلك أن تقع فيكتوريا الشابة الوسيمة، التي ورثت الملامح الباسكية عن أجدادها، تحت تأثير الفلسفات الشرقية؛ خاصة أن والدها مارشينا جيلبير كان مبعوثا مسيحيا في ضواحي داكا بتوصية من بابا الفاتيكان، السيد المكرم بيوس الثاني عشر، لما أشكل عليه الملف الديني في بنغلاديش، متذرعا بالحيف الذي يطال الفضاء المسيحي المغري بالنقصان، وممتعضا من هيمنة الإسلام والهندوسية باستفرادهما بتأثيث الفضاءات الدينية، كالمساجد المزخرفة، وتمجيد اسم الله الأكبر ببحات الأذان الرخيمة، المنتشية بجلال صوادح الارتداد، أو المعابد العطرة التي تنهل من رمزية معبد داكشواري بتمثال الإله شيفا المتربع في جلال ووقار يراود سحائب الأبخرة المتصاعدة، ويسعف بالنبوءات، حيث ينتظر الاحتفال بموسم دورغا بوجا طبقا للتقويم الهندوسي المستجاب.
يؤكد بابا الفاتيكان نافلة: "لا يجب على المسيح أن يصلب مرتين. إن بنغلاديش تعلن صلبها الثاني المسيحَ إذا لم نعد ترميم روحه، ونوجه عيون العطف إلى صليبه حتى ينقشع وهج الثالوث الأعظم. إن مياه نهر بوريغانغا كفيلة بأن تبعث روح المسيح، إذا بادرنا بتوظيفها ومباركتها في الحيز الذي يغري بالمواءمة مع طقوس المعمودية. وبعد أن يُجْلى وجه المسيح ويتربع على عرش صليبه سندعو بكل حزم إلى تطويب العذراء سلطانة للسماء والأرض".
ثم يقبل مارشينا جيلبير نص الرسالة كلما أنهى قراءته على أسماع محيطه، حيث تتضوع منه روائح الختم التي تلين لها الأفئدة، وتسعى إلى شد الرحال عبر كل الطرق إلى روما، فاتحا عينيه مغلبا البياض على السواد من أجل تفعيل الإغراءات الاستفزازية المعمول بها أثناء الملاحقات الميتافيزيقية. فيدرج سؤاله المعتاد لابنته فكتوريا بنبرة تلمس شغاف الأرواح المهزوزة: "أليس كذلك يا فكتوريا؟" فتومئ برأسها مؤكدة صحة طرحه. هذا ما سيدفع مارشينا إلى أن يلح، بذلك العطف الأبوي الذي يراعي مصلحة أقانيم الثالوث، على أن تتعلم فيكتوريا اللغة السنسكريتية من أجل تقويم المجابهات اللطيفة والتدخلات المقنعة من خضم اللغة نفسها.
لهذا يمكن أن نقول إن تعلمها هذه اللغة سيمكنها من مصاحبة الجدة كاجوليا إلى ضفاف نهر بوريغانغ، متتبعة مسلك الكلأ لعنزاتها الثلاث. وبدافع غريزي نحو الميل إلى الجدات وإلى تجاربهن، وأساليبهن المغرية بالدفق الذي لا ينضب، تستحوذ الجدة كاجوليا على كل كيانات فيكتوريا حيث تسبل بصرها نحو الآفاق الممتدة، كأنها ترغب في أن تجمع الوجود كله في قبضة يدها، إذ تكرس الصيغة المنفصلة عما هو عادي إلى وجهات التمثلات العالقة، التي يحتفظ بها الإنسان في خاطره دون أن يبوح بها، وكمن يتلقى الإجابة الدانية حين يتعلق الأمر بتحريك الخوارق أمام البصر الشاخص والممعن في ربط السياقات بالنتائج.
كانت فيكتوريا ترى أن الجدة كاجوليا قديسة بمعنى الكلمة، من خلال توالي أحداث الخوارق اللانهائية. ففي المرة الأخيرة، على سبيل الوله المبطن، طفق العسل يسيل بين أصابعها وهي تدمدم دمدمات يقف لها شعر الرأس، ويحس المستمع أنه أضحى أداة من أدوات الجدة كاجوليا تقلبه كيف تشاء. وحالما تتكئ شمس الغروب على كتف الأفق الغربي، تتيقن الجدة أن العنزات الثلاث يناشدن الشبع الطافح، فتلوذ حتما إلى امتحان ذاكرتها مستحضرة بعض الأبيات من ملحمتي مهابهاراتا ورامايانا، حيث تدور المعارك بين أبناء العمومة القوروش والباندو. ثم يموت الكلام في حلقها مدرجة الصمت الفجاءة، كأنها تسترعي الخوف المكنون في الحدوس لحظة اختفاء اللطمة الأخيرة من شمس الغروب.
ثم تربت على كتف فيكتوريا في حنو كأنها ستفشي لها سرا، حين تمد لها العلبة الصغيرة الحمراء التي تحوي بعض حبات الأرز آمرة إياها بفتحها. وتقبض على يد فيكتوريا كما لو أن ذلك منبه ينفرز من حيز الكياسة الذي يؤمنه مراعاة المرأةِ المرأةَ، وفتح بصيرتها قبالة الغريم الأبدي الذي يسمى "الرجل". فتؤكد لها: "إن الحب لا يقبل السذاجة يا عزيزتي، ويأخذ حقه عنوة. بحق الإله شيفا، إن أكل حبيبك هذه الحبات مخلوطة بطعام آخر، شريطة أن يمتزج بالحلاوة، سيحبك إلى الأبد، ذلك الحب الذي نسمع عنه ولا نراه".
ويُشاء أن يصادف يوم الخميس من أسبوع الآلام انتصار الحلفاء واستسلام ألمانيا، فأمر مارشينا جيلبير الكل بغسل أقدامهم أسوة بخميس الأسرار وأهمية عيد الفصح في الكشف عن الندم والبعث معا. ويبكي مارشينا حتى تبتل لحيته أمام العشاء الأخير، وهو يثني على ما قاله الزعيم شارل دوغول في راديو بي بي سي: "لا يمكن تحقيق أي شيء عظيم دون عظماء، ولا يكون العظماء عظماء إلا إذا كانوا عاقدي العزم على أن يكونوا كذلك". وطفقت فيكتوريا تنصت لإيقاع هذه اللحظات التي تنطوي على إشارات العودة إلى البلد الأم، خاصة عندما أشار بأنه يرغب في أن يموت في مسقط رأسه ويدفن إلى جانب أهله في بلدة أورت.
تعانق مدينة بايون الحرية كباقي المدن المتعطشة، وتعانق العائدين إليها. وتقتضي الحياة الجديدة البحث عن الدفء المرجو، فتشترط فيكتوريا على خطيبها كليمان أن يعيشا معا إلى جانب والدها المحتاج إليهما في أتون الشيخوخة المثيرة العطفَ والرحمة. وعمدت إلى تطبيق وصفة الجدة كاجوليا، تحضير الأرز المخلوط بطعام حلو، حتى ينسجم كليمان مع كلمة نعم الأبدية من خلال منسوب الحب الدافق في قلبه والمسيطر على ردود أفعاله الموجهة إياها.
كان العشاء مغريا للغاية، حيث تظاهرت فيكتوريا بأن شهيتها لم تسعفها في الأكل من جراء روائح الطبيخ النفاذة، بدعوى أنها ستستحم لإزالة ما علق بها من شوائب. وكما لو أن مواء القطط في الخارج ألهم كليمان أن يقدم لها الطعام حتى يداري الأكل خفية عند والدته، فأفرغ لها الطعام مبتهجا في سره: "ما أجمل أن تنعم القطط كذلك بعشاء فاخر.. يا للحظ أيتها القطط.. دام لك الحظ.. دام لك الحظ".
وبما أن القطط هي من استأثرت بوصفة الجدة كاجوليا، فقد أحست بالامتلاء العاجل من الحب تجاه فيكتوريا، ذلك الحب الذي نسمع عنه ولا نراه. إذ ستلاحقها في كل مكان مقتفية أثرها، حتى قيل إن روح فيكتوريا آلت إلى روح قط. ستجلب كل قطط العالم إلى مدينة بايون وتملؤها، وانتشر المواء المعلن عن الحب الكامل. وشرع الناس المتذمرون والفئران الهلوعة يهجرون المدينة تاركين إياها لسكانها الجدد، الذين ألحوا على إقامة مملكة مطالبين ببيعة فيكتوريا ملكة عليهم. وحسب التجاوب الخاص مع توقعات النتائج من فرط الاحتكاك الذي يدعم الأفكار الكبرى، فقد ارتأت فيكتوريا أن تقبل التعيين وأن تعجل في الوقت نفسه بتفعيل المشروع السياحي الأكبر: «كيف تقضي يوما في مملكة القطط»، حتى تضمن المملكة دخلا يوفر المتطلبات والضرورات للرعايا.
حتما إن المملكات الحقة تقوم على أساس العدل، وأول بند من الدستور أقرته المملكة بأمر حاسم كتب على باب المدينة: "تولد القطط متساوية في الحقوق والواجبات، لا فرق بينها في اللون والشكل والمواء. ودين المملكة هو الإخلاص للحب الأبدي". وطبيعي سيولد النظام والانضباط لمساعي المملكة الازدهار المرجو، فقد نتج عن ذلك انتشار الوعي العام بين القطط. ودعت الضرورة إلى تشكيل أحزاب ستحاسب الملكة أول مرة، حيث أقر الزعماء الجدد، بعد أن كشروا عن أنيابهم، على أن القط حيوان سياسي كذلك، وعليه ألا يخضع للتوصيات الجاهزة والتفويضات المغرضة.
بدت الملكة فيكتوريا كثيرة التوجس وقليلة النوم، مخافة أن تلسعها إبر الدسائس. وهمهمت كما لو أنها تحدث نفسها: "الأرواح المُحبة أشد خطورة من باقي الأرواح".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى