من السُّخرياتِ التي قد نصادفها على قارعة الطريق، و تلكز مخيلتنا بعيداً في الشرود، أن تجد من ما زال يُقَوِّسُ ظهره و كأنه يستحثُّ من أقصى الضوء ما تبقَّى في عينيه من بَصَرٍ كَلِيلٍ، كي يُصلِحَ الساعات الرخيصة؛ رأيتُهُ و لم يرني، و تساءلتُ دون أن يسمع في حيرتي صوتاً؛ لِمنْ يُصلح هذا الرجُل ساعاتٍ بخْسة يُمكنُ بثمن إصلاحها شراء أخرى جديدة؟؛ و أكْمَلْتُ في شُرودي المشي بخطى لا تلمسُ أرضاً، و أنا أفكِّرُ في الزمن الذي نحصي أنفاسه بساعاتٍ فاسدة لا تُعير للوقت أي قيمة، إلا هذا الرجل الذي يتَّخذ من كرسي و مظلة دكانا في الشارع، ما زال يِؤمن أن الوقت قابلٌ للإصلاح و لو وُضِعَتْ عقاربه في أجهزة ساعات رخيصة ؛ هذا الرجُل أملي في بلدي بكل أجهزة مؤسساته السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية المهترئة في عظمها حَدَّ التَّسَوُّس، كي يعود العقرب إلى نبضه بالسرعة التي قد تَلْحَقُ ما أحرقتهُ البلدان المُتقدِّمة من أزمنة، عسى نُواكِبُها دون ركوب في أبسط الديمقراطيات التي تستعيدُ للإنسان المغربي بعض آدميته و لو من تُراب.. !
أجل هذا الرجُل أملي في إصلاح كل وقتنا المهدور في أجهزة ساعاتنا الفاسدة، و الأجمل أنه لم يحتكر ثروته في صناعة الوقت بالإنعزال خلف إحدى الواجهات المؤسساتية التي لا تبيع بزجاجها البرَّاق إلا السراب، بل نزل إلى الشارع بمتاع لا يتجاوز مظلة و كرسيا لِيُقَدِّمَ خدماتهُ في إصلاح الوقت للعموم؛ أنا أيضا ساعتي فَسَدَتْ و صارت تأتي تارة بالزيادة و أخرى بالنُّقْصان، فلا يعرف المرء حين يُداهمه الموت في أي ساعة كانت ساعته الأخيرة؛ لا يعرف لماذا يفرك العقربان الساق بالساق كما تصنع الجرادة حين تريد أن تُسجِّلَ قفزتها الكُبرى في الهواء، لكنَّ القفزة التي تُسجِّلُ انحطاطها ساعتي لا تكون إلا بإيقاع الماضي في الهاوية؛ أصبح العقربان يدوران خَلْفاً، و لا يحْصيان من الدقائق إلا ما انْبَثَّ رميماً و غباراً في مقبرة الذاكرة؛ أليس من العقل الذي لا تكسبُ من حكمتهِ ساعتي حيِّزاً زمنيا معدوداً بالثواني، أن تَنْعَتِقَ من إسار التاريخ الذي اسْتَلَبَنا ببكائياته على حضارة بائدة مع أمجاد الأندلس، كي نرى المُستقبل أوضح من الشمس في هذا الغروب الكبير الذي يُعمِّشُ أجفاننا..؟ !
فَسَدَتْ ساعتي، و لكن أملي في هذا الرجل الذي يُصْلِحُ كل الأوقات على قارعة الطريق، أوسع من أن يضيق في فُسْحَةٍ خدَّرونا طويلا بأمثالها لِكَبْحِ جِمَاحِ الغضب في النفوس؛ سأمضي للرَّجُل لِيُصَحِّحَ في ساعتي الحقيقة و يعرف الناس معي كم تَخَلَّفْنا من الوقت في مسافة الزمن و كم جَرْياً بالعقارب نحتاج كي نُدرك أنفسنا التي ما زالت تعاني في سُكْرَتِها المَوْتَيْنِ بين حاضر لا نعيشهُ و ماضٍ يعيشنا بكلِّ ما أوتي من غيبوبة في العقل هي حائطنا في البكاء و سقفنا في الشتاء..!
من ينكُرُ أن ساعتهُ تعزفُ دقَّاتها خارج الطَّرب، و لا تُحاكي ما يَعُمُّنا جميعاً من فساد؟؛ من يدَّعي أن ساعتَهُ تأتي في القول و الفعل بالتحقيق و لا تُخْلِفُ موعداً مع مصلحة المواطنين و لو بقطْعِ العُنُق، علماً أن الوقت في بلدي لا يُعْتبر سيفاً أو حُمُّصاً فبالأحْرى أن يكون ثمنه باهظ الذهب..!
الرَّجُلُ الذي يُصْلِحُ وقتنا على قارعة الطَّريق، زاغ برأسه عن المظلة ليُمسك ما تبقَّى من الظل في ساعة الشمس، ثم سألني: مالكْ؟
-لم أُجِبْهُ بالقول إنَّهُ في جيوب الآخرين، بل هَمَسْتُ: ساعتي فَسَدَتْ.
-فقال: في أي ساعةٍ أنتَ؟
-قُلتُ: في الساعة التي وَصَلَ عقربُها للعَظْم..!
-فعاد و نَكَأَ الجُرح بالسُّؤال: أما زالَ العقْرَبُ يدور؟
-قُلتُ: يدورُ إذا لم أُصَبْ بفقْرِ الدم، و حين أنزع الساعة من معصمي، تَقِفُ العقارب؛ هي حية تسعى كأفعى بحياتي و ميِّتةٌ بمماتي؛ فقُلْ أيها السَّاعاتيُّ هل فَسَدَتْ ساعتي أم أنني ابتُليتُ بداءٍ غيَّرَ في دمي إيقاع الحياة؟؛ كان أجْدَرَ أن يصْنعوا ساعة ليست رهينةً في اشتغالها بالدَّوْرة الدمويَّة للبشر، لأنَّ مِنَ الناس مَنْ يستطيع أن يحيا بدون دم؛ عموماً سأعيد بيْعَ ساعتي و لو بالخسارة، يكفي أنَّ ثمَّةَ من يمْتَصُّ دمي بضرائب و خرائب تجعلني مع أجرتي شاحباً آخر الشهر، و لن أحتفظ بساعةٍ تُقاسِمُني دمي بالوتيرة التي تُسَرِّعُ من ساعتي الأخيرة..!
-نَظَرَ إليَّ و يَدُهُ لا تَنْفَكُّ تُصْلِحُ في الساعة وقتنا المهدور على الطريق، و قال: بِكَمْ تبيع..؟
-قلتُ: أبيعُها مُقابل أن تصلح نبضها ليس لأستردَّ ما ضاع من عمري، بل لتصبح عقاربها بالسُّرعة القمينة بأن تجعل آخر الشهر في متناول جيبي لكي نستمر
فقط في الحياة.. !
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 28 أبريل 2016)
أجل هذا الرجُل أملي في إصلاح كل وقتنا المهدور في أجهزة ساعاتنا الفاسدة، و الأجمل أنه لم يحتكر ثروته في صناعة الوقت بالإنعزال خلف إحدى الواجهات المؤسساتية التي لا تبيع بزجاجها البرَّاق إلا السراب، بل نزل إلى الشارع بمتاع لا يتجاوز مظلة و كرسيا لِيُقَدِّمَ خدماتهُ في إصلاح الوقت للعموم؛ أنا أيضا ساعتي فَسَدَتْ و صارت تأتي تارة بالزيادة و أخرى بالنُّقْصان، فلا يعرف المرء حين يُداهمه الموت في أي ساعة كانت ساعته الأخيرة؛ لا يعرف لماذا يفرك العقربان الساق بالساق كما تصنع الجرادة حين تريد أن تُسجِّلَ قفزتها الكُبرى في الهواء، لكنَّ القفزة التي تُسجِّلُ انحطاطها ساعتي لا تكون إلا بإيقاع الماضي في الهاوية؛ أصبح العقربان يدوران خَلْفاً، و لا يحْصيان من الدقائق إلا ما انْبَثَّ رميماً و غباراً في مقبرة الذاكرة؛ أليس من العقل الذي لا تكسبُ من حكمتهِ ساعتي حيِّزاً زمنيا معدوداً بالثواني، أن تَنْعَتِقَ من إسار التاريخ الذي اسْتَلَبَنا ببكائياته على حضارة بائدة مع أمجاد الأندلس، كي نرى المُستقبل أوضح من الشمس في هذا الغروب الكبير الذي يُعمِّشُ أجفاننا..؟ !
فَسَدَتْ ساعتي، و لكن أملي في هذا الرجل الذي يُصْلِحُ كل الأوقات على قارعة الطريق، أوسع من أن يضيق في فُسْحَةٍ خدَّرونا طويلا بأمثالها لِكَبْحِ جِمَاحِ الغضب في النفوس؛ سأمضي للرَّجُل لِيُصَحِّحَ في ساعتي الحقيقة و يعرف الناس معي كم تَخَلَّفْنا من الوقت في مسافة الزمن و كم جَرْياً بالعقارب نحتاج كي نُدرك أنفسنا التي ما زالت تعاني في سُكْرَتِها المَوْتَيْنِ بين حاضر لا نعيشهُ و ماضٍ يعيشنا بكلِّ ما أوتي من غيبوبة في العقل هي حائطنا في البكاء و سقفنا في الشتاء..!
من ينكُرُ أن ساعتهُ تعزفُ دقَّاتها خارج الطَّرب، و لا تُحاكي ما يَعُمُّنا جميعاً من فساد؟؛ من يدَّعي أن ساعتَهُ تأتي في القول و الفعل بالتحقيق و لا تُخْلِفُ موعداً مع مصلحة المواطنين و لو بقطْعِ العُنُق، علماً أن الوقت في بلدي لا يُعْتبر سيفاً أو حُمُّصاً فبالأحْرى أن يكون ثمنه باهظ الذهب..!
الرَّجُلُ الذي يُصْلِحُ وقتنا على قارعة الطَّريق، زاغ برأسه عن المظلة ليُمسك ما تبقَّى من الظل في ساعة الشمس، ثم سألني: مالكْ؟
-لم أُجِبْهُ بالقول إنَّهُ في جيوب الآخرين، بل هَمَسْتُ: ساعتي فَسَدَتْ.
-فقال: في أي ساعةٍ أنتَ؟
-قُلتُ: في الساعة التي وَصَلَ عقربُها للعَظْم..!
-فعاد و نَكَأَ الجُرح بالسُّؤال: أما زالَ العقْرَبُ يدور؟
-قُلتُ: يدورُ إذا لم أُصَبْ بفقْرِ الدم، و حين أنزع الساعة من معصمي، تَقِفُ العقارب؛ هي حية تسعى كأفعى بحياتي و ميِّتةٌ بمماتي؛ فقُلْ أيها السَّاعاتيُّ هل فَسَدَتْ ساعتي أم أنني ابتُليتُ بداءٍ غيَّرَ في دمي إيقاع الحياة؟؛ كان أجْدَرَ أن يصْنعوا ساعة ليست رهينةً في اشتغالها بالدَّوْرة الدمويَّة للبشر، لأنَّ مِنَ الناس مَنْ يستطيع أن يحيا بدون دم؛ عموماً سأعيد بيْعَ ساعتي و لو بالخسارة، يكفي أنَّ ثمَّةَ من يمْتَصُّ دمي بضرائب و خرائب تجعلني مع أجرتي شاحباً آخر الشهر، و لن أحتفظ بساعةٍ تُقاسِمُني دمي بالوتيرة التي تُسَرِّعُ من ساعتي الأخيرة..!
-نَظَرَ إليَّ و يَدُهُ لا تَنْفَكُّ تُصْلِحُ في الساعة وقتنا المهدور على الطريق، و قال: بِكَمْ تبيع..؟
-قلتُ: أبيعُها مُقابل أن تصلح نبضها ليس لأستردَّ ما ضاع من عمري، بل لتصبح عقاربها بالسُّرعة القمينة بأن تجعل آخر الشهر في متناول جيبي لكي نستمر
فقط في الحياة.. !
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 28 أبريل 2016)