نادر السماني - دراسة نقدية في نص "قديسةُ الماء" للشاعرة أريج محمد أحمد

نحن أمام نص يذوب رقة ويتدفق عذوبة عنوانه :
"قديسةُ الماء"
منذ البداية يدمج النص بين القداسة والماء ومن المعروف تلك العلاقة العميقة بين الماء والطهر والقداسة والطهر فبإضافة القديسة للماء يكمن انتماء القديسة للماء فتصادر على الشيطان تحكمه بالماء (بناء على تصور أن إبليس عرشه الماء) والنص بكامله يختار الماء مكونا له ولنا أن ننظر في مفردات الماء في النص فسنجد :
(حين ناداني بقديسةِ الماء)
فالبداية تحيل للنداء من آخر للذات الناصة فنصل لأن اللقب لبس للذات الناصة لكنها تتبناه تماما فتقول:
(ارتوت سنواتُ عمري
الماضية و القادمة)
فتأتي الاستجابة ارتواء وهو بالماء وما تحورت إليه ويغطي العمر بما مضى وما هو آت مما يشير ضمنا لحالة الظمأ السابق ولا يغيب عن البال ارتباط الشوق بالظمأ مما يمثل اللقاء بالارتواء والنداء حوار والحوار لقاء بما فيه من تبادل على المستويات جميعا لذا يكون الانطلاق في العشق فيقول النص الذي يعتمد ضمير المتكلم للدلالة على الذات الناصة :
(وعلى صهوةِ العِشقِ المُسطر ِفي الحكاياتِ العتيقة
تبرجتْ كُل المفاتن)
معتمدة الجملة الفعلية التي تؤخر الفعل تبرجت مراهنة على تخصيصه على شبه الجملة(على صهوة العشق) والذي يستدعي الخيل التي بنواصيها الخير لكن خيلنا هنا هي العشق فينتقل للعشق كل ما في الخيل من جموح وجمال ووفاء وسرعة وصول للهدف بالإضافة للخير المذكور سابقا فتصبح الصهوة المسيطَر عليها تحت إمرة الناصة لذا يأتي الفعل تبرَّج مضعفا ليحمل دلالات التكرار على مستوى الشكل ودلالات الفتنة والجمال بالتجاور والتحدي واستعمال (كل) التي تدل على الاستغراق لذا تحمل المفاتن التحدي المذكور أعلاه ومن ثم تعطف بالواو لدلالة المصاحبة أن الأفعال تأتي في وقت واحد مما يكشف درجة الانفعال فيقول النص :
(وتسارعَ النبضُ المُسافرُ في شراييني إشتهاء )
معتمدا الفعل هنا صيغة تفاعل ثم تختار النبض والشرايين والأول دلالة تحرك الدم وهو سائل أغلبه ماء والشرايين مكان جريانه والجريان من لوازم السوائل والاختيار للشرايين (وليس الأوردة) لأنها تحمل الدم القادم من القلب وليس العائد إليه مما يتناسب مع فعل الإيجابية وليس الاستجابة فقط ولنا في المشاركة إشارة التي تشير للمشاركة والتواصل ولا يكون العشق إلا شراكة ولا يكون إلا انفعال لا يستكين لذا لا يأتي التمييز إلا اشتهاء وله علاقة بالسوائل فإشباعه سوائل ومقدماته سوائل وبينهما تسيل المشاعر والنص يسيل عذوبة ولا يستكين للسكون . فيأتي الفعل الثالث مشتملا على الحركة على مستوى الخيال :
(وسرحتُ
كم كانتِ الأيام ُ
قبلكَ قاحلة)
في ماضٍ يناسبه الجفاف لذا توصف الأيام بأنها قاحلة لذا تكون الحسرة المحسة منسجمة مع الحالة الشعورية تحتاج ارتواء فتبدو في
(كم أنني أزهقتُ عشراتَ القُبل)
والقبلة امتصاص للسوائل أيضا ' لذا يكون التراكم الذي تستخدم له الفعل :
(وتكدستْ) فوقَ الشِّفاه ِ
مناجمٌ من بوحِ حرفي)
وفي مناجم كانت منابع أكثر اتصالا. بالنص ولما فيها من قدرة على التدفق أقوى من مناجم المستهلكة في إشارتها للمعادن والسياق سياق سيولة وليس صلابة وها هو النص يعود لقوته سريعا ليدمج بين المضاف قديسة فيعبر بـ
(ما ابتهلتُكَ في صلاتي) والعاقة بين الابتهال والصلاة من جانب والقداسة مما لا يحتاج لبيان' والمضاف إليه الماء فـ :
(ما ارتويتُ) فالماء يروي وكلا الفعلين منفيات لكن الارتواء ( مِن ملامِح دهشتي
حين التقائِكَ فجأةً بين طياتِ الحنين) ومكان اللقاء طيات فتقز السحب للمخيلة والسحب أصلها ماء ونتيجتها ماء لذا لا يعبر عنها منسجما غير :
(وتبخرتْ كُل المشاعر ِ)
والتبخر للماء /المشاعر تبخره حرارة الشمس وهنا تأتي هاجرةالمضي
(في عِز هاجِرةِ المُضي عبثاً)
وبذا يصبح التوجه نحو مركز الماء :
(نحو بحرٍ لا يُبشرُ الشّطآن
الا بالمزيدِ مِن زبدِ الوجوم ) والبحر مع كونه مصدر الماء فهو رمز العطاء لذا يقابل أو تقابله
(نحو روحكَ سِرتُ دوماً
عكسَ تيارِ الوصول)
والمقاومة تيار مائي معاكس كذلك الفراق ومن هنا تأتي:
(وتفاجأتْ
غيماتُ فرحي
بالهطولِ مُبكراً )
فالفرح يصبح غيمات تسقط مطرا وهو الماء لكن النص يقفز على ذلك فيختار الهطول المصدر وما فيه ضخامة الفعل دون زمنه المقيد فالمصدر مجرد من الزمن لذا السير المغادرة لا يناسبها ـ في هذا السياق من النص ـ إلا الجفاف :
(لأسيرَ عُمراً في جفاف )
فيكون اللقاء للقديسة من نبي لكن لك أن تتأمل تغير حرف العطف إلى ثم التي تفيد الترتيب مع التراخي وكنا في ذروة الحدث مع الواو المصاحبة لكن الانتظار يجعل اللهفة أقوى والغريبة الساعة جنبك تبدو أقصر من دقيقة والدقيقة وانت ما في مرة ما بنقدر نطيقا (الكتابة بنطق الدارجة حفاظا على النص
(ثُم تخرجُ مِن ضبابِ المرحلة
مثل النبي ّ
مُبشراً
هادياً للنورِ لقداسةِ القدر ِ
المُسطر على جبيني
لألتقيك)
ولا مكان لهذا اللقاء إلا قمة تناسبه فكانت :
(في ذروةِ الشوقِ إنصهرنا)وفي تدل على العمق بينما لو استخدم على لكان سطحيا والانصهار تحول الصلابة لسيولة واستخدام المصدر لدلالة الحدث دون تقيد بزمن مقابل انصهرنا أو حتى ننصهر ويكون الختام :
(التقينا الماءَ في عُمقِ الوداد
وتعمدتْ أجسادنا ) والماء وسيلة للتعمد والتعمد يمنح القداسة للجسد ويطهره لذا تأتي
(بيضاءَ ناصعةً مِن غيرِ سُوء) وما تحيل إليه في النص القرآني يد موسى الذي يغرق عدوه في البحر وينجو هو بغير سوء لذا يكون البعث أي الحياة أي الماء مقترنا بااقداسة
(وانبعثنا مِن جديد
مِن تحتِنا نبتَ البنفسجُ)والإنبات يحتاج الماء
(و القبةُ الزرقاءُ تُهدينا
دِثاراً مِن دمقس
وملائكة مِن حولنا
تعزفُ الحانَ الخُلود) والسماء تؤتي الماء والملائك يمنحون القداسة فلابد للعزف من الخلود . وبعد هل من شيء يُقال?
نعم لكني لست القائل على الأقل الآن.

1748323390489.png

النص

قديسةُ الماء ...

حين ناداني بقديسةِ الماء
إرتوت سنواتُ عمري
الماضية و القادمة
وعلى صهوةِ العِشقِ المُسطر ِفي الحكاياتِ العتيقة
تبرجتْ كُل المفاتن
وتسارعَ النبضُ المُسافرُ في شراييني إشتهاء
وسرحتُ
كم كانتِ الأيام ُ
قبلكَ قاحلة
كم أنني أزهقتُ عشراتَ القُبل
وتكدستْ فوقَ الشِّفاه ِ
مناجمٌ من بوحِ حرفي
ما ابتهلتُكَ في صلاتي
ما ارتويتُ مِن ملامِح دهشتي
حين التقائِكَ فجأةً بين طياتِ الحنين
وتبخرتْ كُل المشاعر ِ
في عِز هاجِرةِ المُضي عبثاً
نحو بحرٍ لا يُبشرُ الشّطآنَ
الا بالمزيدِ مِن زبدِ الوجوم
نحو روحكَ سِرتُ دوماً
عكسَ تيارِ الوصول
وتفاجأتْ
غيماتُ فرحي
بالهطولِ مُبكراً
لأسيرَ عُمراً في جفاف
ثُم تخرجُ مِن ضبابِ المرحلة
مثل النبي ّ
مُبشراً
هادياً للنورِ
لقداسةِ القدر
المُسطر على جبيني
أن التقيك
في ذروةِ الشوقِ إنصهرنا
التقينا الماءَ في عُمقِ الوداد
وتعمدتْ أجسادنا
بيضاءَ ناصعةً مِن غيرِ سُوء
وانبعثنا مِن جديد
مِن تحتِنا نبتَ البنفسجُ
و القبةُ الزرقاءُ تُهدينا
دِثاراً مِن دمقس
وملائكة مِن حولنا
تعزفُ الحانَ الخُلود ...


أريج محمدأحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى