إبراهيم محمود - شذرات في الحب الفلسفي

في اللحظة التي أقول فيها، وأعنيك ِ أنت، دون أن أسميّك أنت: أحبك ! لا أعود مسكوناً بـ " أحبك "، لا أستطيع الجزم على أنني قد قلت لك " أحبك " أم لا، ولست بقادر على تأكيد حقيقة أنني بحافز منك، أنت بوصفك امرأة، وكما أنت، وليس كما لُقّنتُ ذات يوم باسمك، من قول ما أو في كتاب ما، أو عبر منبر تعليمي أو سواه، لأنني، ببساطة تامة، وأقولها هنا، بكامل يقيني الخاص، في اللحظة التي شهدت تهجئتي تلك، لم أعد أنا، كما كنت أنا، ولا أنت بقيت كما كنت " هناك.. في مكان ما، بوضعية ما "، إنما ما ينحّي اللغة جانباً كلياً، وما ينهي عمل الزمان في شموليته، لأن اللغة لا تأتي إلا عند اللزوم، ونفاذك إلى الداخل، والامتلاء به، أقصى وجوبها.
أن نحب، وكما يمكن للحب أن يكون، هو أن نتقدم بما يحرّرنا مما يُرى ويُسمَع فيها، أليس لأن الحب أبدية ما، ولأن الأبدية غير مجازة، أو غير مصرَّح بها حقيقة، إلا بامتلاك هذا الحب واليقظة الروحية باسمه؟

1748324210102.png
لوحة " العشاق " للفنان رينيه ماغريت سنة " 1928" : شاهدة في بنيتها على هذا الحب الفلسفي حين يستحيل كبتاً ومنعاً من الظهور والكلام، في تاريخ ليس تاريخاً إلا باسم معرّى من حب يسنده ويظهره بوجهه المباشر كما ينبغي !​

**
أنا لم أحب إلا قليلاً، سوى أن هذا القليل أمدّني بالكثير الذي أقصى عني عما يحجزني في الذي يقلل منه !
لا تحيل الفلسفة، الحبَّ، بالطريقة هذه، إلى موضوع لها، وتمارس فيه توصيفاً، تحليلاً، تشريحاً، تشخيصاً، تفسيراً، تأويلاً، مكاشفة أبعاد وتحرّي جزئيات..إلخ، بقدر ما تجد الفلسفة صدى ما لصوتها، ظلاً ما لطيف رحال يخصها، بعض معلوم لما لا يتناهى من المجهول الذي يشغل عليها ظاهرها وباطنها، ولهذا، كان هذا التركيب في الاسم القائم على مفردتين جمعهما ما يسند قوامه: الفلسفة" فيلوسوفي: حب الحكمة ". لماذا تلتقي المفردتان هنا، واستناداً إلى الحب وما يحدده: الحكمة؟ وما تكونه الحكم معرفة تمد بالباحث فيها بقوى غير مسبوقة في العمق؟
من الذي يتأهل إلى حب كهذا؟ وكيف ينكن تأهيله، وفيه ما ليس فيه حضور قوى مطلوبة؟ لا أحد يستطيع القول أنه بلغ نصاب المعنى في العَصيّ على المعنى فيه. الحب، وإن كان يتجه هنا إلى موضوع، لتكون جملة اسمية" حب الحكمة " إلا أن ثمة فعلاً لا يهدأ يمنحهما ديناميكية، ومساحة عصية على القيام من جهة أكبر مساح أراض. الحب، ما أن يُسمى، سرعان من يتحرر من معنى معطى له. الفلسفة !إن تكون حباً، والحب بدء مما لا بد منه، افتراض بدء للتحرك،فهي حكمة ممنوعة من الصرف!في الحالة هذه، لا تعود الفلسفة إلا تجاوزاً مستمراً لاسمها، الجسد الذي لا يفرد ظلاً، لأنه داخله، لهذا، يكون البحث المستمر في العمق إلى ما لانهاية، وعلى قدْر التعمق، يتسع فضاء المعنى في عملية البحث والتوق إلى المزيد.
نعم، أن نقول الحب، هو أن نكونه، ولكن كيف نكونه، وهو ليس بقابل للقياس، أو التشخيص؟ أليس لأنه يخاطب فينا ما يشدنا إليه، إلى درجة أن الحد الأقصى من الحب مقاماً، هو الغياب عن الوعي، انغماراً به .
تلك هي الفلسفة حين تحقق غيابين في اسمها المعلَن، وفي اسم الذي يمضي عليها بلغته. في الحالة الأولى، ما لا تعود تعرَف بالمتداول فيها أو عنها، وإلا لما كان شغب الانهمام بها، وما لا يعود المعني بها، كما هو لحظة البدء. في الحالتين، يكون الدمج المرتقَب، ولو في اللاشعور: نسيان المتفلسف اللاشعوري لكونه اسماً، ونسيان الفلسفة باعتبارها تسمية لعلاقة، لتقابل معين، وهنا تكمن خطورتها، يكون نبل الحضور المعاش باطنياً.
**
في الحب الفلسفي، ثمة حضور كامل لكل أولئك- هؤلاء الذين عاشوا أو يعيشون حباً فلسفياً، وقد رأوا في الفلسفة، ما أرادوا ولو بلوغ تخومه. لقد قالوا، على طريقتهم، باسمه، وفيه ما عجزوا عن بلوغ المنتهى فيه، لهذا يأتي كل فيلسوف لينبض فلسفياً، ويعيش تجربة الانسكان الفلسفية، وكأنه يتابع ما انتهى عنده سابقه، وقد رحل، وإلى الآن، باختلاف أسمائهم، بتنوع مذاهبهم، لتعيش اللغة تجربة لامرئية لا يتحسسها إلا المأهول بالطاقة الفلسفية، أن تكون اللغة مجرد عتبة مباشرة ليعيش بعدها تجربة اللاتناهي. فالفلاسفة ربما فاشلون في الحب إلى أبعد الحدود، ليس لعجزهم عن تمثيل علاقات حبية، وإنما لفيض هذا الحب الذي يمضي بهم إلى درجة نسيان ما هم عليه، لرؤية الحب على وجوهه، وهو الذي يضمن للفلسفة الديمومة والتنوع، وإنما ليكون لمتكلمها وكاتبها الحضور المجرد من الشهوة العابرة!
وحين يجد القارىء صعوبة في قراءة النص الفلسفي، ويشكو منه، فكونه يعرّف بموقعه الثقافي، ونوعية حبه بالذات، لأن من طبيعة النص الفلسفي الذي ينعجن فيه الحب باللامتناهي، أن يكون فيه ما فيه، بحيث لا يفيه حقه أي قارىء غير مأهول بحب مغاير لهذا الحب الذي يُتغنى به، أو تترنم بهع ألسنة الشعراء. في الفلسفة تتوقف الألسنة عن الكلام، بقدر ما تتراجع اللغة المعتادة إلى الوراء، حيث يكون المتخيل العميق قائماً، وما لا ينفد من هذا الحب الذي يطلب المزيد كلما توغل فيه المصاب بدائه العصي على البرء. فالشفاء انتفاء العلاقة بينهما.
لهذا، فإن النظر إلى الفلسفة بعين الريب أو الشك هنا وهناك، يفسّره ميل الفلسفة إلى مكاشفة الأعماق، إلى إماطة اللثام عما تخفيه اللغة المعتمدة، أو محل الاعتبار، من شبهات، أو تدنّي حياة،حيث تقيم في المحظور إجمالاً.
لهذا، تكون الفلسفة، وبوصفها فلسفة، كمعرفة خاصة، واهبة الحب إقامة مفتوحة في الداخل، في الصمت البليغ، حيث إن التأمل العميق والمطلوب لمن يتحرك على تربة الفلسفة، يعادل قابلية ترجمة الصمت إلى لغة خاصة، مثلما أن الحب، كما هو المفهوم الأعمق له، واهباً الفلسفة قابلية احتواء الوجود بأفانين مشاكله.
إن الحب الذي يصل أحدنا بما هو جسدي نفي لأي حضوري فلسفي، وحدها الفلسفة تقوم بمهام الحب الذي يحرر ما هو موجود مما يحجبه أو يعتّم عليه، بقدْر قدرات المتفلسف وتحمّله لآلام مخاض فكرتها.

**
لقد عشتُ طويلاً نسبياً، وربما قيّض لي، دون ادعاء، أن أعيش لحظات أمكنتني من أن أرى ما لا يرى، وأسمع ما لا يُسمَع، وأتلمس ما يتجاوز المادي، ويعبر الحدود المحكومة بالضوابط والعواقب، في الفكر والروح، وأجد في نفسي، ربما ما لم تتوقعه نفسي منّي، إلا في لحظات كهذه. لحظات كافية، كما هو الحضور البرقي في بحيرة السحاب السماوية والإيذان بولادتها مطراً. الفلسفة تعلّم المرء كيف يمكن أن يكون الآخر لنفسه، أن يكون ما لم يكنه سابقاً، وفي ضوء ذلك يتاح له النظر بحاسته السادسة، ما يرفع عنه الحجاب الحاجز، وهو يعانق قلبه !
وإذ أتكلم بالطريقة هذه، فعليَّ أن أؤكد على حقيقة، أو هكذا أراها، وهي أن قولي هذا لا يعني نزْع اعتراف من " صاحبة النبل : الفلسفة " بي، أي وقد سُجّلت مواطن فلسفة، وجليس الصمت، حيث أتلقى منه المدد تلو المدد. لا قيمة هنا لأي تصريح من هذا القبيل، إن الكتابة ذاتها هي التي تقوم بمهمتها ذات العلاقة، وإجازة أو عدم إجازة ما جرى تسطيره، وإلى أي درجة، وفي مستوى نوعية معرفة وصلاحية بقاء، كتابة تبصر في الخارج داخلها.
إنها شهادة مستقاة من الصمت عينه، والصمت خزّين ما هو محظور، ومتهتك سر، ما كان عليه أن يكون سراً، إلا لأنه يخل بأمن جسد جرى الدفع به، لأن ينظَر في أمره الحيوي، وهو مثقل باللباس، أو بحركة تقيده داخلياً.الصمت ثقافة غير مرخصة في مجتمعات تتهيبه، وتعتبره تأهيلاً لطرح ما هو صادم، وكارثي محتوىً!
لذا، فإنه من المستحيل بمكان، التفكير فلسفياً، دون هذه الإقامة العارية، الإقامة المكشوفة من الجهات كافة، والتي تسمح برؤية ما يلي الجسد المحسوس. إن ليل الفيلسوف لا يعدو أن يكون نهاره على خلفية من عرْيه.
هذا العري ليس الاعتراف بالذنب، أو ارتكاب " إثم " معين، وإنما استنطاق ما يكون إثماً، ومعرفة ما صيّره إثماً، ومن قبل من، وأين وكيف، وهكذا الحال مع كل ما يندرج في خانة " المحظور " والمبتغى منه .لكن مفهوم العري، أو العري كمفهوم يستشرف ما هو اجتماعي، ومن خلال الحب، في المجتمعات التي تحيل قيماً لها محوريتها في الذاكرة الجماعية، وحدودها ونظام علاقات مرسومة، لا يخلو من عواقب، قد تكون مهلكة، طالما أنه لا يحيل السبابة إلى الذات الفردية، وهي في بنيتها العُرفية محكومة بالأنا الأعلى كنظام اجتماعي صارم، أي مراقِب ومعاقب، تجاه أي مس بما يخل بقدسته المعتبرة، إنما يُسمّي هذه الذات وقد استعادت وعيها، وقد منحت القدرةً لنفسها على الكلام الذي يظهرها، قدرة تأكيد الفرد، في مواجهة الجماعة التي تضع يدها الجماعية، وهي تسلطية، أو استحواذية عليه، لتقول في الجماعة هذه، ما تقوم عليه من وهم تمثيل الفرد ، حفاظاً على وحدة الجماعة، وتعبيراً عن تمايزها، أي ما يبقي الحب في ذمتها، باسمها ولونها وصوتها.
حب يدفع بالفرد إلأى أن يرفع صوته، حيث الحب نظير الموج المرتفع، المصطفق، متردد الصدى، الذي ينبه الجماعة" في بحر عاداتها وتقاليدها " إلى سلب مجتمعي للقيم، على طريقتها، وما في ذلك من تأكيد على أن وضعاً كهذا، يهدد المجتمع نفسه، في عماه الذاتي عن ذاته، ولتكون الفلسفة من هذا التوجه تعبيراً حياً، وبالصوت المسموع، عما تكون الحياة عليه، في الزجر والنهْر والضبط القهري للمشاعر.
***
في البحث عن الحب الفلسفي، يمكن لعالَم كامل أن ينفتح على داخله، حيث الحديث عما هو فردي، وقد جرى ويجري قمعه، أو الحيلولة دون ظهوره في التعبير عما يجري، وعلى صعيد العلاقة مع الآخر: الفردي، ضرباً من ضروب الحرية الأكثر تمثيلاً للقوى التي تهبُ الفرد ما يكون له أساساً، وللمجتمع ككل أساساً.تحضر " الثمرة المحرمة " بنسَبها الميثولوجي والديني، بكامل مواصفاتها ومحظورها هذا الذي يشير بجلاء إلى " شجرة القيم الكبرى " المسماة من قبل الجماعة، والتي تشدد على لزوم عدم الاقتراب منها، فثمة " التوتر العالي " أو " خطر الموت ": كما هو المعاش والمحسوس في المجتمع،. إن الثمرة هذه، في لونها وشكلها وطعمها إلهام وجداني، وإرساء لحجر الزاوية الأكبر لمجتمع، يمنَح فيه للتعبير عن الذات، ما يميّزها عن سواها، ما يحرر " الشجرة " ذات الصيت من هوس حماية ما هو مجتمعي بوهم " وحدة الجماعة "، ويجعلها ممتدة في المكان والزمان، وينتقل بالجماعة نفسها من وحدتها الخرسانية " المسلحة، والعمياء روحاً، إلى استبصار حقيقتها، وجهلها لهويتها من الداخل، بقدْر ما تحرص على أن ديمومتها تتمثل في إبقاء الثمرة المحرمة، وهي تسمّي شجرتها، بعيدة عن متناول اليد، وأكثر من ذلك، ضاربة في العنف، وبالطريقة هذه تكون قد حكمت على نفسها وبنفسحها بالتعفن والزوال الذاتي. ألم يبدأ تاريخ البشرية الواعية لذاتها، وتنوعها، وقابلية الفرد لأن يُسمى فيه، وتكون له صورته الحقيقية، وله صوته المتوقف عليه؟
كم شهد الإنسان في مجتمعاته البشرية من تحولات وانعطافات، من ثورات، ومن انتفاضات، وتطلعات عمادها الحرية، من الداخل والخارج، وبتفاوت: مجتمعات تكون قد تهيأت للنظر في داخلها، ومنح قواها فرصة الظهور، بعد دفْع الثمن مقدَّماً، ولو أنه مكلف: في التغغير الجذري لقيم لا تصلح للبقاء، بمعناها ومبناها، ومجتمعات لازالت تعيش هوس الدفاع عن ذاتها، لأنها محكومة بسلطة الجهل " المقدس " ليكون الفرق كبيراً، ومتنامياً، وبما لايقاس، بين مجتمع يكون العري، بمفهومه الاجتماعي، وقد مثّل ثقافياً، بمستويات مختلفة، شاهد صحة نفسية وعقلية، استجماماً في هواء التاريخ الطلق، وتبين الجسد داخلاً وخارجاً، حيث يسهل على الفرد في مجتمعه هذا، وهو يبصر حقيقته في مرآة طبيعته، أن يتهجى حبه الفردي، حبه لمن يستهويه، أو يميل إليه، وما يعزز بذلك وحدة الجماعة عينها، وما تكونه الفلسفة، بناء على هذا الجاري بناء وتجذيراً لما هو قيمي، وقابل للنماء والتحول، من معنى، وقد أصبح للصوت الفردي سلطته المعترَف بها مجتمعياً.
**
دعونا نتحدث قليلاً عن جنون الحب هنا، وكيف ينظَر إليه، تبعاً لمجتمعه، وأي مشهد تتمثل فيه الفلسفة:
في مجنون الحب، ثمة تباين مريع، بين من يشهِر حبَّه للملأ وعلى الملأ، حيث إن ذلك يُعد هتكاً لما هو مرسوم ومحفور في الذاكرة الجماعية، وتمادياً في السلوك المحكوم بالجماعة، ويكون الجنون، حصاد الذات وقد أفصحت عن قواها في رغبة تسمّي المحبوب، رغماً عن الجماعة، خروجاً على سلطتها، كما لو أن الجنون، حكْم مسبق، ومشدَّدة عليه، على عصيان تاريخي واجتماعي وثقافي، في الجماعة عينها، عصيان لا يسمى، جهة المجتمع الذي يتنكر لحقوق أفرادها، لحقوقها التي تسورها من الداخل، وتجعلها عرضة للتفسخ، ومن لا يعود عاشقاً، ويتخوَّف منه، إذ يُسمّي من يحب دون تلكؤ، ويهتَم بأمره، وكيف عمّق في حب مشدَّد عليه واقعاً.
إن صوت المجنون حباً ليس أكثر من المنجرح بـ" سلاح الجماعة " الأبيض طبعاً، المسموم والقاتل أو المهلك طبعاً في الكثير مما يعني المجتمع نفسه مصيراً، وتشهيراً لتلك الذهنية التي تهذي في نومها، كما تهذي على مدار الساعة، بما هو تقليدي وطقوسي قيماً وثقافة معبّرة .
إن الصاعق ليس من تعبير عن الضغط الملموس والمتنامي في ذلك الجسم المعدني المحكوم بالإغلاق، وما تفجيره إلا شهادة الجسم نفسه على نفسه، واستحالة استمراريته، وهو مضغوط من الداخل .
في مجتمع " صواعقي " كمجتمعاتنا، حيث نشهد يومياً " سقوط " شهداء غير معترف بهم طبعاً، لأن هناك ما جرى رسمه باسم " العصيان " أو " العقوق " أو " المس بما هو جماعي "، حيث الأحكام جاهزة، ومرحَّلة في تاريخ هو نفسه، والزمن معدوم القيمة، لأنه مختزل، بحركة موجهة دورانية في الدخل المؤطر، أو المنمط، والشهادة تتوقف على كل ما صلة بما هو اجتماعي وثقافي وسياسي... إلخ .
ليس من حديث عن الحب كجنون، أي الخروج إلى العري وقد أبان عن نفسه صحة وعافية، وليس تشهيراً، كما هو المسموع باسم سلطة تؤبد اسمها، باسم حق نافذ، يمنَع فيه السؤال عن حقيقته. لأن الحب لا يعود مقرَّراً باسم الجماعة، في مجتمع يعرَف بـ" المدني " جهة المرأة والرجل، حيث نتلمس حضوراً بارعاً لكليهما في وضح النهار، ولتكون الجماعة في نطاق علاقات أخرى، ولا يعود الجنون، كما هو المأثور عنه، شقاً أو صدعاً ضارباً في العمق المجتمعي إقراراً بخطأ يتعاظم في خطره، إنما ما يصبح تحولاً في صميم الفرد، وقد يعيش فردية الذات، ويكون لكلامه، والذي يُسمي فيه خاصيته، اعتباره المحفوظ جماعياً.
تكون الفلسفة، ومن منظور الحب، هذا التمثيل الأكثر سمواً في تأكيد الذات، وأهليتها لأن تسمي نفسها، أو يكون هناك مجال قابل للانتقال إليه، ومنه وإليه يكون التحرك المختلف للفرد، في نهر هرقليطسي لا يتوقف عن الجريان. نهر هرقليطس هو هذا المجتمع الساري بمفعول حياته، وقدرته على السباحة فيه.
لهذا، فإن الحديث عن الفلسفة يونانياً، ولا زال صوتها يُسمع ملء الفم والأذن، ليس اعتباطاً، ومن هنا يكون الأوربي محقاً، على أكثر من صعيد، في تسمية شهادة ميلاد حبه هذه، وفلسفته، يونانياً.
إن هذه القابلية لرؤية ما هو مختلف، وما هو محفّز على معايشة المختلفة، على سماع دقيق لصوت الذات بهذا الاسم أو ذاك يونانياً، وبدءاً من مسرحه، وقد جرى فيه التمثيل الأعظمي مأساوياً، لما هو تنوع في الذات، وللكون، وما يُعطى للآلهة من حق الحضور والغياب، من حق النطق بالكلام، وإبراز سلطتها بتفاوت، على تربة بشرية، حتى وهي في عليائها، أو أولمبها المعتبَر، وتكون منسوبة إلى الفرد تنويعاً واختلافاً، وما هذه العودة المستمرة للمعنيين بالفلسفة، ولمن يرون في الحياة ما يتجاوز نطاق" القمقم " الثقيل سمعةً للتقليد، وتبين ما هو حيوي، في تاريخ يمضي إلينا، ويحفّز فينا حباً نقيض هذا الذي يملى علينا هنا وهناك .
***

ما أبعدنا عن هذا الحب الفلسفي، وما أقصانا، تالياً عن أنفسنا، ولازلنا محكومين، وبالتفاصيل المرعبة، بخاصية تلك الشجرة الغريبة العجيبة، التي لم يرها أحد، وإنما جرى زرعها من الأعلى، وهي تنطق بلغتنا، بلساننا، وتكون مطعمة بمشاعرنا وعواطفنا وأحاسيسنا وهواجسنا ومخاوفنا الأرضية تماماً، والدفْع بنا، كأمر واقع لا خلاف عليه، لكي نتمثلها داخلنا، ونؤمن بها دون أي إمكان محاولة السؤال عن رمزيتها وخلفيتها.
هذا الهوس الشجري العقيم" غير المثمر، يجعل من الثمرة المحرمة نفسها بثاً لحقيقة يستحيل عليها، وعلى " صناعها ذوي الخيال العجيب الذي يلحق الأرضي بما هو مفارق له، أي عكس الواقع المعيش، أي اعتراض، أو إمكانية للاقتراب، والتأكد من نوعيتها. هكذا قيل فيها، هكذا أشير إليها، هكذا جرى تثبيتها.
على مدار الساعة، كما قلت، هناك ضحايا، إصابات، أدواء كارثية، تنخر في اللحمة المجتمعية، ومن وراء فكرة " الثمرة المحرمة " ما يبقي مفهوم " الحرام " الغابر في تاريخ قيضَ له أن يكون تاريخاً كاملاً دفعة واحدة، الحرام، وقد صار قاعدة، والقاعدة مرهوبة الجانب، ديناً، وجنساً،وسلطة.. أليس هذا الذي عشناه في تاريخ طويل، لازال يمارس فينا عنفه الدموي، وحامه المرعب، والقائم على اشتهاء الدماء الساخنة مراقة ومتدفقة من الجسد المجتمعي، وفي أفراد كانوا، أو يكونون قادرين على أن يكونوا" رسل " ثقافة، من نوع آخر؟ كما لو أن الحرام هو الحق والحقيقة، رغم سذاجة الفكرة وتجذيرها في بنية الثقافة القائمة، الحرام الذي يلقّن ويلقَّن، وما الحلال إلا هذا الذي يُتَّبع، والأجساد تكون معلًّبة.
أي معنى للحديث في الحالة هذه عن الفلسفة، أو الحب فلسفياً؟
كيف يمكن للحب أن يكون في مجتمع يكون أول تحذير له، وآخر تحذير: كيفية ردع الحب الذي يسمّي أعمق ما في الفرد من مشاعر وأحاسيس، وما يدخل في نطاق " مصلحة المجتمع "؟ منذ متى كان الحب مقرَّراً ومعطى بمعايير من الداخل؟ وبناء على أي مسوغ حياتي، يكون لهذا النوع من الحب معنى له فاعليته؟
وحيث ينعدم الحب الذي يكون الشاهد الأول والأخير على مجتمعه، وما إذا كان يعيش حباً فعلياً أو نقيضاً، لا يعود للحديث عن الحب الفلسفة، عن الفلسفة خارج الدائرة المغلقة والساخنة للثمرة المحرمة، وقد اكتسبت حضوراً مجتمعياً، وتمثيلاً لكل ما مفغَّل من عل ٍ، أي معنى، كما هو الممكن النظر فيه. أي حين نشهد هذا الخوف من كل كلمة تتردد، أو تسطَّر بإقرار فلسفي، أو تحاول الإشارة إليه بالذات.
ما هذا النزيف الجماعي والمشهود له منذ عقود طوال من السنين، إلى جهات جغرافية بعيدة، أصبحت فيه " الثمرة المحرمة " مبنى ومعنى، في عداد كان يا ما كان، ويبقى للجنون المعزز بما هو ثقافي، والمعترَف به مجتمعياً ودون أن تجري مناظرته، أو مساءلته، وما إذا كان من النوع" الحلال " أم " الحرام " ولو مجازياً، في نطاق القضايا المجتمعية، والمحاكماتية، حيث يحتفظ الضمير الفردي بحقه في تمثيل نفسه، وجنونه، وهو يواجه الجماعة، جماعته هناك، بما استبصره في نفسه مختلفاً في الحب الفلسفي، ويرحَّب به أيما ترحيب!؟
لقد تحدث بلغتة المفرد المتكلم، وأنا أضع نفسي من أراها قادرة على سماع صوتي، على رؤيتي، على معايشة ما أجدني فيه، متغذياً بحب، أبقيه سراً بيننا، أو دون تسمية طرفيه، ليبقى أقدر على البقاء، إنما أكثر إمكانية، لأن يبقينا أكثر أهلاً للعيش في صمت ما، وابتعاداً عن ضجيج " الداخل " حيث الألسنة مصابة بنخر مزمن!

ملاحظة: اللوحة الفنية من وضعي!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى