في قريته الصغيرة، كان يُعامل كالسيد. وجهاء القرية يطرقون بابه عند الشدة، ويرفعون له القبعة عند الرخاء.
لم تكن وجاهته إرثًا، بل نسجها بماله واستعراضه، حتى بات الناس يهابونه أكثر مما يحبونه.
لكن في بيته، كانت الحقيقة تهمس بغير ذلك. طفله الوحيد، المُنفرط الحركة، كان شاغلًا له عن كل مظاهر المجد. لا سلطة تُجدي، ولا كلمة تُطاع.
شكا الجيران من صراخه في الأزقة، وعضّه لأقرانه، وتحطيمه نوافذهم. جرّب الأب كل شيء: الدجالين، الأطباء، المهدئات… لكن الطفل كان كريحٍ عاصفة لا تعرف الترويض.
وفي لحظة ضعفٍ مغموسة بغرورٍ مريض، رأى الحل. مساءً، دسّ له قرصًا منومًا، حمله خارج القرية، إلى أطراف أرضٍ مهجورة. بسطه على التراب. ذبحه بمشرط جراحي اشتراه خصيصًا لهذا الغرض. ثم عاد إلى بيته، يصرخ باكيًا… أن ابنه قد اختفى.
في عالمٍ باتت فيه الجرائم تتسلل إلى حجرات الطفولة، يعلو سؤالٌ مؤلم: هل ما زلنا بشرًا حين يُصبح الأب، أول ملامح الأمان في حياة الطفل، هو الجلّاد؟
الجريمة التي تقع حين يقتل الأب ابنه ليست مجرد حادثة، بل زلزال يهزّ أعماق الضمير الإنساني، ويكسر منظومة القيم التي تأسست عليها فكرة الأسرة.
الأب، الذي يُفترض أن يكون ظل الله في الأرض، يتحول إلى نصل، وإلى رعب يتنكر في وجه الألفة.
هنا، لا نتحدث فقط عن جريمة قانونية، بل عن انهيار أخلاقي، وعن عطبٍ وجودي يُشي بأن شيئًا عميقًا قد انكسر في نسيج الإنسانية.
في ممالك الحيوان، الأم والأب يقاتلان بضراوة لحماية الصغار. اللبؤة تفترس من يقترب من أشبالها، والذكر في بعض الفصائل يبقى بجانب صغاره ليحرسهم من الخطر. في ذلك العالم الغريزي، لا توجد خيانة فطرية، ولا طفل يُذبح لينام الأب مرتاحًا.
لكن ما بال الإنسان، وقد رُزق العقل والضمير والدين، يهوى إلى قاعٍ لا تقبله حتى الوحوش؟
حين يذبح الأب طفله – بذريعة المرض، أو "الراحة"، أو ضيق الحال – فهو لا يرتكب جريمة فقط، بل يهدم مفهوم الأبوة من أساسه، ويفتح بابًا مخيفًا لسؤال: من نحتمي به إذا صار الحامي قاتلًا؟
الطفل لا يعرف المحاكم، ولا قوانين الرأفة. يعرف فقط من يربِّت على كتفه حين يبكي، ومن يغطيه حين ينام. يعرف صوت أبيه حين يضحك، ولا يتوقع أبدًا أن يتحوّل ذاك الصوت إلى صمتٍ بعد طعنة.
إنها جريمة لا تليق بالبشر، ولا تحدث حتى في الغابة.
فالغابة، رغم قسوتها، لا تقتل أبناءها باسم الحب أو التخلص من العبء. أما نحن، فقد اختلطت فينا الأدوار، حتى صار القاتل هو ذاته من كتبنا اسمه في خانة "ولي الأمر".
لا شيء يُبرر أن يذبح الأب طفله. لا الفقر، ولا المرض، ولا الضغط النفسي. حين نبرر، نمنح الجريمة ثوبًا منطقيًا، ونُطبّع مع الخلل. ويجب أن نصرخ، بقوة ووضوح:
حين يقتل الأب طفله، فهناك شيء خاطئ جدًا في هذا العالم... شيء لا يحدث حتى في عالم الحيوان.
في كل مرة يُقتل فيها طفل على يد من يُفترض أنه حاميه، لا يموت طفل فقط، بل تموت فكرة، وتُغتال ثقة، وينكسر ميزانٌ دقيق اسمه: الإنسانية. وما لم نضع حدودًا واضحة لا تبرر ولا تتهرب، سنظل نعيش في غابة... لكنها غابة فقدت فطرتها.
لم تكن وجاهته إرثًا، بل نسجها بماله واستعراضه، حتى بات الناس يهابونه أكثر مما يحبونه.
لكن في بيته، كانت الحقيقة تهمس بغير ذلك. طفله الوحيد، المُنفرط الحركة، كان شاغلًا له عن كل مظاهر المجد. لا سلطة تُجدي، ولا كلمة تُطاع.
شكا الجيران من صراخه في الأزقة، وعضّه لأقرانه، وتحطيمه نوافذهم. جرّب الأب كل شيء: الدجالين، الأطباء، المهدئات… لكن الطفل كان كريحٍ عاصفة لا تعرف الترويض.
وفي لحظة ضعفٍ مغموسة بغرورٍ مريض، رأى الحل. مساءً، دسّ له قرصًا منومًا، حمله خارج القرية، إلى أطراف أرضٍ مهجورة. بسطه على التراب. ذبحه بمشرط جراحي اشتراه خصيصًا لهذا الغرض. ثم عاد إلى بيته، يصرخ باكيًا… أن ابنه قد اختفى.
في عالمٍ باتت فيه الجرائم تتسلل إلى حجرات الطفولة، يعلو سؤالٌ مؤلم: هل ما زلنا بشرًا حين يُصبح الأب، أول ملامح الأمان في حياة الطفل، هو الجلّاد؟
الجريمة التي تقع حين يقتل الأب ابنه ليست مجرد حادثة، بل زلزال يهزّ أعماق الضمير الإنساني، ويكسر منظومة القيم التي تأسست عليها فكرة الأسرة.
الأب، الذي يُفترض أن يكون ظل الله في الأرض، يتحول إلى نصل، وإلى رعب يتنكر في وجه الألفة.
هنا، لا نتحدث فقط عن جريمة قانونية، بل عن انهيار أخلاقي، وعن عطبٍ وجودي يُشي بأن شيئًا عميقًا قد انكسر في نسيج الإنسانية.
في ممالك الحيوان، الأم والأب يقاتلان بضراوة لحماية الصغار. اللبؤة تفترس من يقترب من أشبالها، والذكر في بعض الفصائل يبقى بجانب صغاره ليحرسهم من الخطر. في ذلك العالم الغريزي، لا توجد خيانة فطرية، ولا طفل يُذبح لينام الأب مرتاحًا.
لكن ما بال الإنسان، وقد رُزق العقل والضمير والدين، يهوى إلى قاعٍ لا تقبله حتى الوحوش؟
حين يذبح الأب طفله – بذريعة المرض، أو "الراحة"، أو ضيق الحال – فهو لا يرتكب جريمة فقط، بل يهدم مفهوم الأبوة من أساسه، ويفتح بابًا مخيفًا لسؤال: من نحتمي به إذا صار الحامي قاتلًا؟
الطفل لا يعرف المحاكم، ولا قوانين الرأفة. يعرف فقط من يربِّت على كتفه حين يبكي، ومن يغطيه حين ينام. يعرف صوت أبيه حين يضحك، ولا يتوقع أبدًا أن يتحوّل ذاك الصوت إلى صمتٍ بعد طعنة.
إنها جريمة لا تليق بالبشر، ولا تحدث حتى في الغابة.
فالغابة، رغم قسوتها، لا تقتل أبناءها باسم الحب أو التخلص من العبء. أما نحن، فقد اختلطت فينا الأدوار، حتى صار القاتل هو ذاته من كتبنا اسمه في خانة "ولي الأمر".
لا شيء يُبرر أن يذبح الأب طفله. لا الفقر، ولا المرض، ولا الضغط النفسي. حين نبرر، نمنح الجريمة ثوبًا منطقيًا، ونُطبّع مع الخلل. ويجب أن نصرخ، بقوة ووضوح:
حين يقتل الأب طفله، فهناك شيء خاطئ جدًا في هذا العالم... شيء لا يحدث حتى في عالم الحيوان.
في كل مرة يُقتل فيها طفل على يد من يُفترض أنه حاميه، لا يموت طفل فقط، بل تموت فكرة، وتُغتال ثقة، وينكسر ميزانٌ دقيق اسمه: الإنسانية. وما لم نضع حدودًا واضحة لا تبرر ولا تتهرب، سنظل نعيش في غابة... لكنها غابة فقدت فطرتها.