إبراهيم محمود - حب بمساحة اليد

ظلمنا اليد، ولازلنا نظلمها وإلى الآن. هذا الظلم مقرَّر من ناحيتين: لحظة اعتبارها طرفية. الطرف يشير إلى الهامش، أي ما يجعل الجسد، بوصفه متناً، هو الرئيس، ولحظة الاعتماد عليها وذلك في تسيير أعمالنا، أو ربطها بمختلف الخدمات التي نقوم بها أو نؤديها اعتماداً عليها، دون الاعتراف بحقها في التسمية الداخلة في المتن.
مما يحيلها إلى ما أسمّيه تاريخياً، ومن هذا المنظور، بـ " بروليتاريا الجسد ". إنها القوة الفاعلة، القوة التي نحس أو نشعر بها ملء العين، ونزين سلطتها الرمزية داخلنا، نراها وهي تتحرك وتحرّكنا معها كثيراً في واقعنا اليومي. تصوروا جسداً، وعبر مسمى الجسم دون يد! يمكن ذلك، جرّاء مألوف قول أو كلام،جهة( قطع اليد، مثلاً،وعلينا ألا ننسى شقيقتها العضوية التوأم: الرّجْل، ولهذه بحث آخر)، هذا ممكن، ويحدث هذا.. إنما ماذا يبقى من الجسد/ الجسم؟ أليس هناك سوء إدارة للجسد نفسه كمفهوم، وما يربط الجسد هذا بذاته ومحيطه، ومن زاوية فلسفية؟ ما يحال عليه علماً نظرياً وتطبيقياً؟ في إخلال كهذا، وبناء على رؤيتي لليد، أرى أن هناك تاريخاً طويلاً نحّى اليد، من هذا المنحى خارج الجسد كمفهوم.

1748415682980.png

" لوحة " العروس اليهودية " للفنان الهولندي رامبرانت " 1606-1669 " وأورد ما هو مكتوب عنها في أحد المنابر، وباللغة الفرنسية، بصدد اليد، وفي فقرة تحمل عنوان : الحب الأبدي L'amouréternel:
الفنان الهولندي رامبرانت فان راين، يشتهر بموهبته الاستثنائية في تصوير المشاعر الإنسانية في لوحاته، بما في ذلك تعقيدات الحب. ومن أبرز أعماله "العروس اليهوديةLa Fiancée juive"، التي تصور زوجين مسنين في عناق حميم، متشابكي الأيدي، ونظراتهما متشابكة في لحظة حنان عميقة.
إن ما يجعل لوحة "العروس اليهودية" رائعة حقًا هو ذلك العمق العاطفي الذي ينقله رامبرانت. جهة تعابير وجهي الزوجين وهي رقيقة ومؤثرة، وتعبر عيونهما عن شعور بالمودة والتفاهم المتبادل. ويضيف الاستخدام الدقيق للضوء والظل إلى الكثافة العاطفية للوحة، مسلطًا الضوء على وجهي الزوجين وأيديهما، تاركًا الخلفية في الظلام، جاذبًا انتباه المشاهد إلى العلاقة العاطفية بين الشخصيتين.
لقد جرى تفسير اللوحة بصيغ شتى ، إذ يرى بعض مؤرخي الفن أنها تصور قصة إسحاق ورفقة التوراتية، بينما يرى آخرون أنها تصور مشهدًا معاصرًا لزوجين مسنين متحابين. مهما كان التفسير، فإن "العروس اليهودية" هي تصوير قوي للحب الذي يتجاوز الزمن ويجسد التناقض. "


ذلك يستند إلى ثقافة حية، ومتوارثة، ومحفوظة في الذاكرة الجماعية، وفي الممارسة اليومية حتى بالنسبة لغالبية الباحثين في الجسد وأدبياته، نظرة قاصرة، إلى أقصى حد، تدفع بنا إلى العالم، وما يعنيه الخارج، كما هي اليد خارجاً.
ذلك ما يمكن قوله، ومعمَّماً إجمالاً، في السرّاء والضراء، أو في الحرب والسلم. ذلك ما يسهل تأكيده، على أن اليد هي صانعة الحضارات وبانيتها، وبها وعبرها كان الخراب نفسه، وأنها هي التي سبقت اللغة كتابة، والكلام شفاهة، وأنها هي التي تشكل محكّ اختبار لمدى سلامة اللغة، أو دقة العبارة في الكلام نفسه. ذلك ما يعزّز مقولة أنه من المستحيل تخيل أو تصور أي فعل، أو أداء مهمة معينة، بعيداً عن حضور اليد. اليد حضور دائم ن ذلك ما يعلم بأمره القادة في ساحات المعارك، الزعماء في لعبة الانتخابات، الفنانون: الرسامون والملحنون، في كل نشاط يُرى، ويُسمع ملء السمع والبصر، وما يرفَق بذلك من أوجه اهتمام لا أخاله مقصياً عن خصلة من خصال الحب.
سأقتصر مقالي المقتضب هذا، وهو لا يخفي خاصيته التأميلية، على صلة الحب باليد، على مقام اليد في الحب:
الحب كعلاقة مع الذات عينها: أن أحب جسدي، أين وكيف تكون يدي، أن أحب الآخر، وبالعكس، كيف تكون صورة اليد، جغرافيتها، بما فيها من تنوع أدوار، ومقامات، أو خريطة المهام الكبرى المرتبطة بها. أن أحب، وأمضي بالحب، أكثر من كونه شعوراً موقعه القلب، ولا يفارق صورة اليد، كتحقيق نصاب في متعة التواصل والتفاعل، في سعادة الملامسة، ومفصلية اليد في الإقرار بحق اليد على الجسد، في علاقة متشعبة كهذه.
وهو ما ينبني من خلال الحب ليس بوسعه خط سير أتبعه، اتصالاً يحيل المحيط الجسدي إلى عالم ملؤه حيوية، وفائضاً بالمعاني، لأن لمساً لليد ليد الآخر، هو الذي يفجّر مكبوتاً، هو الذي يضيء عنفوان الصمت وبلاغته!

الحب ويده
من اليد إلى اليد، هكذا، وكما تابعت، يعلّمنا الحب بما ينبغي أخذ العلْم به. يعلّمنا الحب كيف يتعلم على اليد، ويكون في حكم اليد، وقبضة اليد، والحاجة المستمرة إلى اليد، وأن اليد هي الترجمان الذي لا مفر منه للحب، في تنوع مراميه، أو محطاته، أو حالاته واستقصاءاتها. أي حب، أي نوع حب، جينة حب، يؤتى على ذكرها دون يد أو ظل يد، أو إسهام من اليد، لتقريب الصورة، أو إيضاح المفهوم ذي الصلة، أو التوقيع على علاقة أو سواها؟ في اليد الضاربة، الحنون، الهشة، القوية، والماهرة..
الحب، وإن كان يشار إليه داخلاً، كما هي أصول الشجرة في ثبات جذورها أرضياً، سوى أننا لا يمكننا الوقوف على حقيقة هذا الحب" الشجرة " دون ظهور النوابت، والطوالع الدالة بمقدار، حيث تكون الساق والأغصان، والبراعم أو الثمار والأوراق، إنها العلامات الشاهدة والدالة على نوعية الحب، وهو في درجات أو مراتب .
ثمة يد تتقدمني، يدٌ تكون الدليل، تكون مجذاف القارب" الرغبة الجسدية " في البحر" العواطف والمشاعر"، وما لقاء الآخر إلا استعداداً ليد تمثّل جسداً حاضراً بكيفية معينة، اليد التي تشكّل قراءة بصرية متحركة لجسد مسكون بالحب، إزاء الآخر: المحبوب، باليد هذه، في اليد هذه، تكون الإيماءات، الحركات، الإشارات المرئية .
أي سعادة جديرة بأن يُسجَّل لها فضلٌ ذو قيمة، أو مأثرة حسية موصولة بشغاف الروح، دون اعتماد اليد، دون تأييد " من اليد " من هذا الطرف المتحرك، الطرف المشدود إلى نقطة مفصلية: لحمية وعصبية وغضروفية، تتميز بمرونة الحركة، تعبيراً عن حيويتها ومقامها الرفيع، وفي الهواء المحيط تمارس " عوماً " أو ترسم حركاتها ذات الدلالات، وتهبط إلى الأسفل، بمستوى معين، يصلها بالورك ملاصقة للخصر، حيث يكون الحد الفاصل بين القسم العلوي للجسم والسفلي منه، لأن ما يلي الورك نزولاً يكون الطرفان القاعديان الحاملان للجسم: الرجلان، وهما نظيرتا اليدين، ولكل طرف ما يقوم به، أو يعززه، ويتعزز به على مدار الساعة.
عبْر هذه اليد نكون في انتظار الآخر: المحبوب، أو في مثال الحب، الذي يكون معيناً للجسد على ما يتفكره داخلاً، ويتدبره خارجاً، وحيث تكون اليد تمثيلاً حياً للنوايا، للأفكار ومدى قدرتها على نجاح المسعى وفَلَاحه.
تحمل اليد، ملء قبضتها، باقة ورد، أو تتهيأ لسلام، لمصافحة من نوع خاص جداً، لاستثنائية علاقة تتجه إلى المستقبل، على وجه التحديد. اليد هنا محط الأمل والمنشود، وعن بُعد، وعلى قدر المتوخى تكون حركتها.
اليد مرسال حيوي للجسد، وما يتمثل فيها نبضياً، ومن حركات، وخاصية ملامسة للآخر.
بدءاً من إيماءة اليد، عن بعد، مروراً بالسلام، بالمصافحة، ونوعيتها، حيث تكون حركة معينة معبّرة عن ذلك، وانتهاء بالعناق، أو الاحتضان، وما هو أبعد من ذلك في خاصية مبتغاة قاعدياً في الوصال جسدياً.
ماالذي يُستثنى من حكم اليد، من التعبير، أو التوصيف، أو القيمة المأثرة لما هو مرغوب فيه هنا، دونها؟
اليد التي تمتد، اليد التي تنبسط أو تنقبض، اليد التي تتوتر، اليد التي تكون مرنة، أو متصلبة، اليد الناعمة أو الخشنة، بمعنى آخر، اليد التي تُمرَّر على الشَّعر، أو تمسّده، أو نلامس الوجه ظاهراً وباطناً، أو راحة وكفاً، اليد التي تمارس تنويع حضور لها مع هذا المحبوب كلياً، في الاحتضان الذي يمشهِد شمْل اليدين وتشابكهما، اليد التي تتقدم بإصبع لها، إشارة ود، ورغبة واشتهاء للآخر، اليد التي تسجل عنواناً لحياة قادمة في خاتم له مناسبه وفحواه القيمي والجمالي، خاتم الخطبة، تعزيز لرابطة زوجية قادمة، لعلاقة تقوم على تعاضد، على مدى نفاذ سلطة اليد في بلاغة إيصال الفكرة وغايتها، وما يخرج الجسد من صمته تشابك يدين أو رقص جسدين بهما.
هذا الحب الذي استوقفني من خلال معطيات اليد، وكيف أن الجسد، جسدنا، هو هبَة اليد عينها، حيث إن التنويع في الرغبة الواحدة، وتعميقها، يتأتى من خلال الفعل المركَّب للحب" في تناول الطعام معاً مثلاً " حيث إن حركة اليد هنا وهناك، تحيل المضمر في الجسد، المكنون الممثّل في الشعور يعايَن بحركة اليد، وهي تعانق أو تلامس يد المحبوب، أو المقابل، أن الطعام الذي يؤكَل يجري تهجينه بعلاقة وجدانية، أكثر مما هو غريزي فيها. نحن هنا إزاء هضم حياة صوب حياة مهضومة، وبتمكين من اليد، عبر تقديمات على المائدة" لنتذكر المترتب قيمياً وذوقياً ونفسياً تحديداً، على اللحظة التي يقدّم أحدهما لقمة مشتهاة بوسيط " الملعقة " صوب الآخر، ليتناوله بفمه، وعيناه تتركزان على عيني الآخر، كما لو أن اليد تتفهم الموقف، وتستطيع شحن الجسد بفيض من المشاعر المبهجة!
هذا الحب الذي عاينته عبر مأثور يمثّلنا قياماً وقعوداً، وسّع دائرة العلاقة بالمحيط الخارجي، عبر ما نزرعه أو نحصده أو نقطفه أو نحكم السيطرة عليه، أو نتحرر منه، أو نتقيد به، أو نكون طلقاء، لتكون الكتابة عينها نوعاً مجازياً مثالياً في الحب، والذي يجري تمثيله داخلاً، بين الكاتب ونفسه، لتكون الكتابة عينها جسد الآخر، محموله الحيوي، وسيطاً ممرّراً لما لا يحصى من المشاعر والتصورات، وبمعية التخييل، لسعادة تمد به إلى المستقبل .
الكتابة، كتابة نص، وعلى قدْر الحب القائم، يكون الانفتاح، تكون حركة اليد، مرونتها، أو أهليتها لأن توفّر للكاتب ما هو معَدٌّ له، وما يصبو إليه. يد الكاتب لقاء بمحبوب لا يحاط به، ويتجدد شباباً ويعمّق حياة في الصميم.
الذين يكتبون بتلك اللغة المتدفقة، الينبوعية، الشلالية، النهرية، والبحرية فالمحيطية، وحدهم المخوَّلون لأن يشهدوا على مدى النّعم التي تتضمنها اليد، في قوى إيصال معنى لا يخفق في إيقاظ صمت الآخر.
وحدهم هؤلاء يمكنهم أن يُمنَحون حقَّ التعبير الدقيق والمنير حول ما ليس طرفاً للجسد، وإنما ما يجعل المتن متناً فعلياً. وحين نتحدث عن براعة الكتابة، عن الآتي والمنتظر نثره على الورق، فإنما من خلال الاسم العلم، المجهول غياباً، إنما المعلوم حضوراً عملياً، وأي حضرة تبنى ويُعلى شأنها، يكون الحب قد تعزَّز أثراً بحق!
هل يمكن في ضوء ما تقدَّم تخيل ما يكونه هذا الحب كما هو معنون" حب بمساحة اليد"؟ وهو يفيض باليد في عضويتها، على ما لا يقاس حسابياً، وما يحيل الكون في عمومه إلى هذا المكثف المهيب مساحةً: اليد؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى