علجية عيش - أبو العيد دودو.. "المرأة وردة"

الإنسان الأصيل لا يكون إلا نفسه السوية و ذاته
(أبو العيد دودو)


الذي يطلع على كتابات الأديب الجزائري ابو العيد دودو يقف على أن جل ما كتبه من مقالات و أعمدة تدخل في باب "البوح" أو الفضفضة ، يكون أحيانا ممزوجا بأسلوب السخرية و هو يرسم لوحة لواقع الإنسان.. واقع اتسم بالعنف و الحصار و السلبية و الفشل فجعله متأخرا عن الركب الحضاري
Abou_Elaid_Doudou.jpg

هي صور تنزل إلى أعماق الإنسان العربي عامة، و الإنسان الجزائري بصفة خاصة، لما اتسم به من صراع فكري ثقافي، جعله يرتب في الصفوف الأخيرة من مجموع الإنتاج المعرفي و التفتح الفكري، في وقت تقدم فيه الكثير من المبدعين من المشرق العربي إلى مغربه، و احتل الفكر الغربي مرتبة لا أحد يستطيع منافسته فيها أو تجاوزها
images

و يكفي أننا نستهلك ما ينتجه الغرب في كل مجالات الحياة الإجتماعية و الإقتصادية و التربوية و حتى في تواصلنا مع الآخر ( الفيسبوك)، لأننا نفتقر إلى "النموذج"، و ما زاد في الطين بلة هو أن ذهنية الجزائري ( و بدون تعميم طبعا) مركبة على النقص و الإحتكار و المحسوبية و احتقار الآخر، حتى لو كان ابن بلده، و يعمل دوما على تكسيره و هدر طاقاته و قدراته الفكرية و كل نشاط يقوم به حتى لا يبرز كمبدع و مثقف، لقد حولت هذه الذهنية ( المريضة) كل القيم الإنسانية و الدينية و الفكرية إلى "المزاد".
بعد هذه المقدمة و انطلاق من الكلمة الأخيرة "المزاد" نقدم الأديب الجزائري ابو العيد دودو كمثال للمثقف الجزائري، و هو الذي ترك قبل رحيله صورًا حيّة لواقع الثقافة في الجزائر، و هي صور لا تموت بموت صاحبها، لأنها تتزامن مع الأحداث عبر الزمان و المكان، و أبو العيد دودو تكلم في إحدى مقالاته عن الوطن، و كيف يباع في المزاد، و هي إحدى الصور السلوكية التي نشرها في كتاب له بعنوان: "من أعماق الجزائر"، و قد عنون مقالته بـ: " المزاد...وطن"، تحدث فيها عن التاريخ، و قال أن التاريخ مدرسة أو يجب ان تكون.. مدرسة يجب ان يتعلم فيها كل إنسان ماضيه و يعرف من خلالها ذاته الشخصية لا ..الغيرية لأن الغيرَ ( أي الآخر) غيرٌ و له ذاته الخاصة المتميزة، فلا يعقل أن يكون الفرد ذات غيره.

و هنا يدعو ابو العيد دودو الفرد الجزائري لأن لا يتقمص شخصية غيره، و أن يستهلك ما يفكر به، فلكل تفكيره، و الإنسان الأصيل كما يقول هو لا يكون إلا نفسه السوية و ذاته، فعلى الفرد أن يكون كما هو، لأن التاريخ سينهض في أوانه و يتكلم، و قد ذكّر التاريخ شعبا قال يوما: نحن نذهب اليوم إلى روما لنبيع عزة وطننا و سيادته و كرامته، فهو الذي يباع و يشترى في عصرنا في المزاد العلني، و من المحزن جدا ألا يباع الوطن بالذهب و الفضة بل يباع بالحنطة و الزيت و صابون الغسيل هكذا قال أبو العيد دودو و قد صدق..
و الدكتور ابو العيد دودو استاذ جامعي و ناقد أدبي و مترجم، يعدُّ من بين أبرز المثقفين في الجزائر الذين عملوا في صمت على إنتاج ثقافة نوعية ، هو من مواليد 1934م ببلدية العنصر( ولاية جيجل)، حفظ القرآن و تعلّم مبادي اللغة في الكتاتيب ، ثم واصل دراسته بمعهد عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة. و من جامع الزيتونة تحصل على شهادة الأهلية سنة1951 ومنه الى دار المعلمين العليا ببغداد ( العراق) تخرج منها سنة 1956، بعدها أرسلته جبهة التحرير الوطني إلي النمسا، ودرس بجامعة فيينا الأدب العربي ، فتحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1961م برسالة عن ابن نظيف الحموي، درّس بها، ثم سافر الى ألمانيا ودرّس بجامعة كييل ايعود الى أرض الوطن والتحق بجامعة الجزائر كلية الأدب واشتغل أستاذا في قسم اللغة العربية وآدابها، و هو يتقن عدلغات ( الألمانية و اللاتينية والفرنسية والإنجليزية) توفي في 16 جانفي 2004 تاركا رصيدا ثريا، حيث كتب القصة والمسرحية كما مارس الترجمة من و إلي عدة لغات لشعراء و روائيين مشهورين

من أفضل ما قرأتُ لأبي العيد دودو مقال له بعنوان: "المرأة وردة"، يقول فيه أنه ذات يوم كان جالسا رفقة صديقه في مقهى و فجأة اقتربت منهما امرأة بثياب بالية ، ظن هو (أي دودو) أنها تتسول فاخرج من جيبه نقودا و أراد أن يسلمها لها، لكن المرأة رفضت من باب الكبرياء، و قبل أن تغادر مكانهما رأى صديقه فتاة تبيع الورود فاسرع إليها و اشترى وردة و أهداها لتلك المرأة ، فابتسمت و شكرته و انصرفت، أدرك أبو العيد دودو أنه ارتكب خطأ في حقها، فاعتذر منها و قال قولته الشهيرة : "المرأة وردة"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى