يزن اللُجمي - غزة على نهر الراين، درس تاريخي* -النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

1748671053786.png
من بين الأمور المتنوعة التي تُؤرق المؤرخ، أودّ ذِكْرَ أمرين: حول مفهوم فالتر بنيامين للتاريخ، وغزة.

لا يتعلق الأول بالسياق الذي كُتب فيه، وهو أمرٌ مُقلقٌ بحد ذاته - فقد كتبه بنيامين قبيل انتحاره عام 1940 على الحدود الفرنسية الإسبانية مع اقتراب نظام فيشي - إنما بالطابع الجذري لفرضيته: يقول الفيلسوف الماركسي الألماني إن التاريخ لا يُفهم في السرديات الخطية والإيجابية للأحداث، بل فقط عندما تنبثق صورة من الماضي في لحظة خطر لتساعد الحاضر، وتندمج معه وتكشف عن حقيقته. ولطالما أرشدتني هذه "الصورة الجدلية image dialectique " الغامضة، كما يسمّيها، في بحثي عن الفنانين المعاصرين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، ممن تطاردهم صورٌ من الماضي الحديث، وكثيرٌ منهم - مثلي - منفيّون في أورُبا. وخلال زيارتي لاثنين منهم في ألمانيا صيف عام ٢٠٢٢، صدمتني صورةٌ جدليةٌ على نحوٍ ما.
كان ذلك على متن قطارٍ غادر لتوه محطة غار دوليست وهو يتجه إلى فرانكفورت، ثم إلى كاسل، مقرّ الدورة الخامسة عشرة من معرض دوكومنتا. كنتُ أتابع الهستيريا المعادية للأجانب التي أُطلقت ضد هذا المعرض الدولي، الذي استضاف لأول مرة غالبية فناني الجنوب العالمي. كان الاتهام الجاهل بمعاداة السامية، الذي وجّهه مدوّن محلي لعملٍ مناهضٍ للصهيونية، كافيًا لإطلاق حملةٍ وطنيةٍ شرسة: الرقابة، والتخريب، وإلغاء المبيعات، وانسحاب الفنانين، وشيطنة الإعلام. وأصبح أي فنان غير أبيض، سواءً كانت له صلات بفلسطين أم لا، موضع شك. والصورة التي راودتني في القطار هي: ألفريد بار، مؤرخ فني أمريكي شاب، في قطار متجه إلى شتوتغارت عام ١٩٣٣، يبحث عن أقلية من فناني الحداثة، كثير منهم يهود، في اللحظة التي بدأت فيها الهجماتُ النازية على هذا الفن، الموصوف بـ"المنحط dégénéré "، تتزايد بشكل منهجي. على العكس من ذلك، يبدو لي هذا التطابق الجمالي المجنون بين الفن الحديث في فترة ما بين الحربين والفن العالمي اليوم أكثر وضوحًا، نظرًا لأن الدور الذي لعبته شبكات الشتات عبر أوربا، وخاصة العربية منها، في هذا الأخير يُشبه إلى حد كبير الدور الذي لعبه اليهود في الحداثة الغربية، وأنه في كلتا الحالتين، كان عالم الفن بمثابة جهاز قياس الزلازل للكارثة القادمة، مُعلنًا مسبقًا الافتراضات الإيديولوجية التي تجعلها ممكنة. وبعد عام، وتحديدًا في تشرين الثاني 2023، ضاعفت ألمانيا مساعداتها العسكرية لإسرائيل، المدججة بالسلاح، عشرة أضعاف، بهدف تسريع إبادة الفلسطينيين في غزة - أكثر من 30 ألف قتيل حتى الآن - مُعلنةً أمام محكمة العدل الدولية أن اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة لإسرائيل "عار ٍ عن الصحة infondées ". في الوقت نفسه، تُجري مؤسساتها الثقافية حملة تطهير غير مسبوقة طالت شخصيات دولية، فلسطينية (إميلي جاسر، أدانيا شبلي) ويهودية مناهضة للصهيونية (ماشا جيسن، إيال وايزمان). يكفي أن تُوقّع عريضةً من أجل غزة أو تُغرّد ضد الفصل العنصري في الضفة الغربية لإلغاء معرضك أو سحب منحة بحثك. وتنتشر أصداء هذه الحملة في باريس مع إلغاء العديد من الفعاليات التي شاركت في تنظيمها "تسيدك"، وهي جماعة يهودية مُناهضة للاستعمار، أو في لندن مع إلغاء "باربيكان" لمؤتمرٍ للكاتب الهندي بانكاج ميشرا حول الهولوكوست، من بين آخرين. نحن نحاول أن نقف معاً: صفحة أرشيف الصمت تسرد أعمال التمييز ضد الفلسطينيين، في حين أن حركة: Strike Germany ( أي : اضرب ألمانيا. المترجم )، التي تدعو إلى مقاطعة المؤسسات الثقافية الألمانية، لديها بالفعل ألف توقيع، بما في ذلك آني إرنو، وقد تسببت في انسحابات كبيرة، لا سيما من مهرجان برلين السينمائي الدولي وليلة افتتاح مهرجان CTM في بيرغين، وهما رمزان للشمولية المزعومة في العاصمة.

1748671053786.png

في نهاية تشرين الأول، تواصلتُ مع سامي، أحد الفنانين السوريين المشاركين في دوكومنتا. قال: "الوضع في برلين مُخيف للغاية. هناك عودةٌ لسلوكيات من ثلاثينيات القرن الماضي: توزيع استبيانات على أطفالنا في المدارس يسألون فيها آباءهم عن آرائهم السياسية؛ فرق عسكرية تجوب شارع سونينالي " " 1 "، لم أكن أنا ولا هو أول من اختبر هذا النوع من الشعور بالمرئي فعلاً سابقاً. لقد أصبحت مقارنة إبادة الفلسطينيين بإبادة يهود أوربا أمرًا شائعًا، يعجّ به مُستخدمو إنستغرام الذين يقارنون صور غزة وداخاو، والأكاديميون المُسلّحون بالهوامش وإحصائيات دقيقة للجثث، مُحكمين ببراعة على ما إذا كانت المقارنة مقبولة أم لا، أمام قاعات مؤتمرات شبه فارغة. لكن السؤال ليس ما إذا كان التماهي مشروعًا تاريخيًا، بل لماذا يُشعر به اليوم، ومن يُشعر به؟ سؤال لا يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني بقدر ما يتعلق بالأساس المعرفي لأوربا (النيوليبرالية) كما تبلورت بعد سقوط جدار برلين.
في كتاب "متعاقدو الباطن للذنب: ذاكرة الهولوكوست والانتماء الإسلامي في ألمانيا ما بعد الحرب"، الصادر مؤخرًا عن جامعة ستانفورد، تدرس عالمة الأنثروبولوجيا إسراء أوزيوريك مفارقات العقد الاجتماعي الألماني القائم، منذ إعادة التوحيد، على تقاسم ذنب الهولوكوست باعتباره "ضامنًا أساسيًا لاستقرار النظام الألماني الليبرالي الديمقراطي"، وفقًا للمستشار غيرهارد شرودر. عقد يستثني بحكم الواقع المهاجرين الذين وصلوا بعد الجريمة التأسيسية، والذين بفضلهم - ومن المفارقات - أصبح الاستقرار الاقتصادي للبلاد ممكنًا. الحل منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: تصوير الألمان من أصل عربي/مسلم على أنهم معادون للسامية الجدد وتطوير برامج إعادة تأهيل مصممة لتعليمهم معاداة السامية الخاصة بهم (من خلال حلقات غامضة من الماضي العثماني، على سبيل المثال)، حتى يتمكنوا بعد ذلك من نسيانها وإكمال طقوس الفداء اللازمة ليصبحوا ألمانًا. ومع ذلك، يشير أوزيوريك إلى أن 90٪ من الجرائم المعادية للسامية في ألمانيا اليوم يرتكبها اليمين المتطرف الأبيض. إن تجاهل الأدلة، التي طُرحت مرات عديدة " 2 " للاستمرارية البنيوية بين كبش الفداء هذا المعادي للإسلام وكبش الفداء المعادي للسامية في الماضي ليس سوى جزء من مأساة المؤسسات الثقافية الأوربية، وخاصة الألمانية منها، التي من خلال خنق الأصوات المؤيدة للفلسطينيين تُديم تقليدًا أوربيًا عفا عليه الزمن؛ الجزء الآخر هو أنهم يفعلون ذلك معتقدين بصدق أنهم يُبرئون أنفسهم من أشباح النصب التذكارية التي صنعوها لأنفسهم. وإذا كانت هذه الكوميديا الدائرية من الثناء على الذات صحيحة، فذلك لأن "اليهودي" و"العربي" يظهران دائمًا بصيغة الغائب، كجوهرتين عرقيتين عابرتين للتاريخ، تنتقلان بالدم وتتمتعان بتسلسل هرمي مُسبق. ومن هنا، على سبيل المثال، التصريح المُثير للشفقة لوزيرة الثقافة الألمانية بأنها بتصفيقها للإنتاج الإسرائيلي الفلسطيني المشترك "لا أرض أخرى" في مهرجان برلين السينمائي الدولي، كانت تُصفق للمخرج الإسرائيلي فقط وليس لزميله الفلسطيني (كان فيلمًا واحدًا!). هذا التأصيل جوهري لكل من الصهيونية، وبالتالي لإسرائيل، ولمفهوم السامية في جانبَيه العمليَّين: معاداة السامية ومحبة السامية، اللذين تُبنى عليهما أوربا سلبًا. ومع ذلك، فإن الدرس الأعظم الذي تعلمته الماركسية، ومن بعدها الفكر النسوي ما بعد الاستعماري والمثلي، هو أن "البرجوازية" أو "السوداء" أو "المرأة" هي قبل كل شيء وظائف في بناء اجتماعي معين قادرة على التحول أو حتى الانعكاس جدليًا (إذا كان علينا أن نعلّم الألمان هيجل)، ومن هنا جاء عداء العديد من اليهود الأوربيين الماركسيين تجاه فكرة إسرائيل: روزا لوكسمبورغ، وإريك هوبسباوم، وأرنو ماير، وبنيامين نفسه، الذي رفض الهجرة إلى فلسطين، منددًا بـ "الأيديولوجية العنصرية" للصهيونية" 3 "
إن الغضب من أن "أحفاد إبادة جماعية ما قد يرتكبون إبادة أخرى" (إدغار موران مؤخرًا، على سبيل المثال) أمرٌ مُتعاطفٌ للغاية، لكن الافتراض الكامن وراء هذه الملاحظات، أي أن الوعي التاريخي يُفترض أن يُورث بالوراثة - وهي فكرة برجوازية بحتة - هو تحديدًا المشكلة. وهنا تكمن فائدة مناهضة بنيامين الجذرية للجوهر في إعادة إرساء أسس النقاش. يقول إن هناك "تقليدًا للمضطهَدين"، يُعارض التأريخ البرجوازي، ووفقًا له، لا يكشف القمع الماضي عن معناه إلا عندما يُمزق مضطهدو اليوم صورته عن كل علاقة سببية نسبية ليُجسدوها بأنفسهم. قال المفكر الفلسطيني المنفي إدوارد سعيد: "أنا آخر مُفكر يهودي". Je suis le dernier intellectuel juif " 4 "
قد تدّعي دولة إسرائيل، آخرُ بدائل الاستعمار الاستيطاني الأوربي، امتلاكَ إرثٍ عضوي حيوي من يهود أوربا، ولكن تاريخيًا، ووفقًا لمفهوم بنيامين، لا يصل إلى حقيقتهم التاريخية إلا مَن يشغلون موقعهم السابق في ظلّ الوضع العالمي الراهن، سواءٌ أكانوا على درايةٍ بذلك أم لا (إنما هذه مأساةٌ أخرى). وحدها غزة تحمل إرثَ غيتو وارسو. إن فشل أوربا في تفسير هذا، بتمكينها ماديًا وثقافيًا لإبادة الفلسطينيين التي بدأت عام ١٩٤٨، هو فشلٌ مُتجدّدٌ في فهم المعنى التاريخي الحقيقي لمعاداتها للسامية.

مصادر وإشارات
1- الحي العربي في برلين
2- يُقدّم إنزو ترافيرسو مُلخّصًا مُؤطّرًا ببراعة في كتابه "نهاية الحداثة اليهودية: تاريخ نقطة تحوّلٍ مُحافظة" (باريس: لا ديكوفيرتي، ٢٠١٦ [٢٠١٣]، ص ١٢٢-١٢٥).
3- غيرشوم شوليم، فالتر بنيامين: قصة صداقة، باريس، لي بيل ليتر، 2022.
4- إدوارد سعيد، "حقي في العودة" [2000]، أعيد نشره في كتاب غوري فيسواناثان (محرر)، القوى والسياسة والثقافة: مقابلات مع إدوارد سعيد، نيويورك، فينتيج بوكس، 2001، ص 443-458.
-*Yazan Alloujami: Gaza-sur-le-Rhin, leçon d’histoire
paru dans lundi matin#418, le 4 mars 2024
يزن اللجمي: غزة على نهر الراين، درس تاريخي
نُشر في صباح الإثنين، العدد 418، 4 آذار 2024
أما عن كاتب المقال: يزن اللجمي، فهو ينتمي إلى جامعة السوربون،قسم تاريخ الفن والآثار، طالب دراسات عليا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى