85- هوامش من وحي ما يجري في غزة: (فرانز كافكا) والحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين
في الأسبوعين الأخيرين قرأ المتابعون لما يجري في غزة أخبار القتل الجماعي الذي لا يدخل رأس عاقل، وبلغ الأمر أن تظاهر في تل أبيب، مساء الأحد ٢٥/ ٥/ ٢٠٢٥، بضعة آلاف من الإسرائيليين، ضد الحرب وضد الإبادة الجماعية في غزة، وأغلقوا مفرق عزرئيلي رافعين شعارات «الحرية لغزة» و»أطفال غزة يستحقون الحياة».
في ٢٢ أدرج ناشط غزاوي، في صفحته، مناشدة وصلته لإنقاذ أطفال محاصرين في منطقة الأوروبي هذا نصها:
«أفاد اليوم نازحون تمكنوا من الخروج من منطقة الأوروبي بأن رامي أبو لبدة وزوجته دنيا أبو لبدة شوهدا مقتولين على باب منزلهما (يعتقد من الكوادر كابتر) والزوجان لديهما ثلاثة أبناء أطفال أكبرهم ٤ سنوات وأصغرهم سنة ونصف ما زالوا داخل المنزل بدون أي شخص بالغ لرعايتهم. نناشد كل من لديه القدرة (الصليب الأحمر، الأوتشا، منظمة الصحة العالمية، أو أي جهة أخرى) للمساعدة في إنقاذ هؤلاء الأطفال وإخراجهم من المنطقة».
الخبر الصاعق الذي هز الجميع هو ما ألم بالدكتورة آلاء النجار أخصائية الأطفال في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي التي لديها عشرة أبناء أكبرهم لم يتجاوز 12 عاماً.
خرجت الدكتورة آلاء مع زوجها الدكتور حمدي النجار ليوصلها إلى عملها، وبعد عودته إلى بيته بدقائق سقط صاروخ على منزله، فاستشهد تسعة من أطفاله وأصيب هو وطفله آدم، الطفل الوحيد المتبقي، ويرقد حمدي في العناية المركزة.
لقد ارتقى كل من يحيى وركان ورسلان وجبران وإيف وريفان وسيدين ولقمان وسيدار.
عندما قرأت الخبر الأخير عقبت «ما يجري في غزة يفوق قدرة عقولنا على التصور وقدرتنا على الاحتمال أيضاً».
الذهول مما يجري ذكرني بقصة الكاتب اليهودي التشيكي (فرانز كافكا ١٨٨٣ - ١٩٢٤) «بنات آوى وعرب» التي أثير، في العالم العربي، حولها وحول كاتبها، ضجة كبيرة سببها الاشتباه بمؤلفها إن كان صهيونياً ينتقص من العرب، لا يهودياً وحسب.
لقد وصف ابن آوى الكبير، للرجل القادم من الشمال، العرب، بأنهم، خلافاً لأهل الشمال، ينقصهم الفهم، فلا تحس لديهم ذرة عقل «إنهم يقتلون الحيوانات ليفترسوها، ويسيئون استخدام الجيف».
بنات آوى لا تخاف العرب، ومن سوء حظها أنها مطرودة من شعب كهذا. ومع أن الرجل القادم من الشمال لا يدعي رأياً في الأشياء التي تقع بعيدة عنه، إلا أن ما يبدو له هو «أن ثمة خصومة قديمة جداً تقع في الدم، وربما ستنتهي كذلك بالدم».
قرأ القصة قراء عرب عديدون قراءات مختلفة واختلفوا في تأويلها وتحديد مدلولاتها.
هل دال «بنات آوى» رمزي أم لا؟ ثم ما الذي جعل كافكا يختار العرب، دون غيرهم من الأمم والشعوب، ليكتب عنهم، هو الذي لم يزر فلسطين كما قيل ؟ وهل كان يؤمن بنظرية الدم هو الذي شنع في الكتابة عن والده، حين كتب رسالة إليه «رسالة إلى والدي» - علينا هنا أن نميز بين مؤلف القصة وراويها القادم من الشمال -، فكافكا اختار العزلة والوحدة، ولم يشارك في نشاط عام للحركة الصهيونية - علما أنه شهد بزوغ الحركة الصهيونية - بل وهو الذي كتب باللغة الألمانية، لا باللغة التشيكية، مع أنه من سكان براغ، أو اللغة العبرية، مع أنه ولد لعائلة يهودية في مرحلة بدء بعث اللغة العبرية؟
في العالم العربي كتب في موضوع كافكا، فيما يخص الجانب المشار إليه، الكثير، ولا يخفى على القراء كتاب بديعة أمين الدارسة العراقية «هل ينبغي إحراق كافكا؟» ولا يخفى على العرب الملمين بالألمانية ما كتبه الدارس السوري عبده عبود، في كتابه «تلقي الرواية الألمانية باللغة العربية»، عن الجدل في العالم العربي حول كافكا، بل ولا يخفى على قراء الرواية الألمانية المترجمة إلى العربية جهود مترجمين كثر لرواياته وقصصه وإعجابهم بها، وبلغ الأمر أن ترجمت رواية «التحول / المسخ» تسع ترجمات عن لغات مختلفة؛ الإنجليزية والفرنسية والألمانية والتشيكية.
فيما يلاحظه متابع المشهد السياسي في الدولة الإسرائيلية يلحظ المرء انعطافاً نحو اليمين المتطرف الذي يكره العرب ويدعو إلى طردهم من البلاد، ليس طرد أهل قطاع غزة وحسب، بل وطرد أهل الضفة الغربية وأكثر: طرد فلسطينيي المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨، وآخر استطلاع أجرته إحدى الصحف العبرية ذهب إلى أن ٨٢ بالمائة من المصوتين يؤيدون طرد سكان قطاع غزة وأن ٥٦ بالمائة يوافقون على طرد فلسطينيي ١٩٤٨.
لماذا ذهب راوي قصة كافكا إلى أن العداوة في الدم؟
لا أظن أن العداء والكراهية، في أثناء كتابة كافكا قصته، كانت كما هي اليوم. اليوم على الرغم من كل ما جرى، منذ ١٩٤٨ حتى الآن، هناك ١٨بالمائة في المجتمع الإسرائيلي يصوتون ضد تهجير سكان غزة و٤٤ بالمائة ضد طرد فلسطينيي ١٩٤٨، ولو كانت العداوة بالدم - إذا ذهبنا إلى أن دال «بنات آوى» دال رمزي يرمز لليهود - لكانت النسبة ١٠٠ بالمائة.
ترى هل كان كافكا يتنبأ حين ورد في قصته، على لسان ابن آوى الكبير، الآتي:
«- أنت ذكي جداً، وهذا الذي تقوله يلائم تعاليمنا التاريخية! يعني نسحب منهم دمهم وتكون الخصومة قد انتهت»
قلت متوحشاً، كما أردت:
سوف يقاومون! وسوف ينقضون ببنادقهم عليكم ويرمونكم أسراباً بالرصاص»؟.
الحكاية طويلة.
***
86- روح المؤلف ونصه: "كوانتوم" لأحمد أبو سليم
«كوانتوم» 2018 هي الرواية الثالثة للكاتب الفلسطيني المقيم في الأردن أحمد أبو سليم، وهو شاعر وروائي نشط درس الفيزياء في الاتحاد السوفياتي سابقاً، والتحق بالمقاومة الفلسطينية وبعد خروجها من بيروت عاش في المنافي إلى أن استقر في الأردن في 1992.
تجري أحداث «كوانتوم» في القدس إثر نكبة العام 1948 ويتواصل زمنها الروائي إلى ما بعد اتفاقات «أوسلو»، والرواية يسردها غير سارد بأكثر من ضمير، وكما تتعدد الشخصيات تتعدد ضمائر السرد وتراوح بدرجة كبيرة بين الضميرين؛ الأول- أي الأنا، والثاني- أي الأنا / أنت، ولكن روح المؤلف أبداً حاضرة في الرواية كلها.
وتحضر فيها، كما في القدس، شخصيات عربية ويهودية، وتصلح نموذجا لدراسة مرايا الذات والآخر وفق منهج المرايا المتعاكسة.
يقدم الفلسطيني تصوره لنفسه ويقدم تصوره لليهودي، كما يقدم تصور اليهودي لذاته وتصوره للعربي، وغالباً ما يقرأ المرء، في الرواية، التصورات المعروفة لليهودي، ولكن من منظور قومي. إن بعض الشخصيات تعتنق الفكر القومي وتنتمي إلى حركة القوميين العرب، وعموما يقرأ المرء كلمة يهودي لا كلمة صهيوني. وهنا قد يعترض معترض ويقول إن القوميين العرب ميزوا في خطابهم بين اليهود العرب واليهود الغربيين، وهذا ما لا يبدو في الرواية، فعلى أي أساس ذهبت أنا إلى ما ذهبت إليه. إن هذا الجانب ربما يحتاج إلى وقفة طويلة في مكان آخر، فالرواية لا تخلو من موقف من يهودي شرير (جدعون) يدعو بعض اليهود الفلسطينيين إلى الوقوف في وجهه معا.
الأهم ربما من الكتابة عن مرايا الذات والآخر في الرواية هو كتابة أستاذ فيزياء فن الرواية، وكتابة رواية عن مكان صلة الكاتب به قائمة، ولكنها عابرة، فقد زار أبو سليم القدس زيارة قصيرة وكتب روايته عنها، وحين يقارن المرء ما كتبه عن القدس بما كتبه أبناء المدينة المقيمون عن مدينتهم، مثل عارف الحسيني وعزام توفيق أبو السعود، يلحظ الاختلاف واضحاً.
على أن الأهم مما سبق هو النقطة الأسبق، وهي كتابة أستاذ فيزياء الرواية.
هناك من المناهج النقدية منهج يؤمن بوحدة النص وكاتبه، ويرى أن النص يعبر عن روح كاتبه، وهذا المنهج هو المنهج الوضعي ومن أعلامه (سانت بيف) و(هيوبوليت تين) اللذان لا يفصلان بين الكاتب ونصه، ويريان أنه كما تكون الشجرة يكون ثمرها، فشجرة الإجاص، كما كتب إميل حبيبي، لا تثمر الباذنجان. وهكذا فإن روح أستاذ الفيزياء تحضر في نصه على الرغم من أنه هو شخصياً غير حاضر في روايته. إن شخوصه درسوا الفيزياء وكان لموضوع دراستهم حضور كبير شغل أذهانهم وشغل ذهني قارئاً معهم، بحيث صرت مثلهم مهووساً بعنوان الرواية «كوانتوم» وأخذت أتابع قراءة الرواية لأعرف مدلول العنوان، وهو لا يتضح تماماً إلا مع قراءة الأسطر الأخيرة. حقاً إنه كلما واصلت قراءة الرواية أخذ المعنى يتضح رويداً رويداً، إلا أنك ستظل تجد تأويلات له حتى في الصفحات الأخيرة. وربما بدا العنوان غير لافت غامضاً لا يشجع على القراءة ومنفراً أيضاً وذا مدلول علمي لا صلة له بعالم الأدب، ولولا أن الناشر كتب في أعلى لوحة الغلاف كلمة «رواية» لظننت أن الكتاب ليس رواية وليس عملاً أدبياً، فإن كنت متخصصاً بالفيزياء ظننت أنه كتاب فيزياء ليس إلا.
ولسوف تحضر كلمة كوانتوم في الرواية في مواطن كثيرة، ويعزز هذا الحضور المقولة النقدية التي ترى أن العلاقة بين العنوان والنص علاقة مستمرة ومتواصلة ولا تنتهي إلا مع انتهاء قراءة النص. إن آخر صفحة ورد فيها دال العنوان كانت صفحة 385، والرواية تقع في 388 صفحة. والقارئ وهو يقرأ هذا الدال وتعريفه يعود إلى لوحة الغلاف التي صممها الفنان العراقي عدي حاتم، وكما أخبرني أحمد فإنه أرسل المخطوط إلى الفنان فقرأه بدوره وصمم لوحة الغلاف بناء على ما فهمه «مطر شتوي أسود» وهذا المطر الشتوي الأسود هو ما يفكر فيه العلماء الإسرائيليون في المبنى «M» في الجامعة العبرية للتخلص من خصومهم.
كانت هند التي تحركها قوة خفية، بعد العام 1948، تقود المقاومين عبر الأنفاق في القدس، للتسلل لمقاومة العدو، ثم يلقى القبض عليهم فيقتلون وتخضع هند لتجارب تؤدي إلى عطب في شخصيتها، وينشغل أهلها بمعرفة ما جرى لها، وما جرى لها ليس بعيداً عن المبنى «M» وما يجري فيه.
هل في هذا الكون عوالم أخرى تشبه عالمنا؟
وهل في العوالم الأخرى نظائر لنا تكملنا وتشبهنا وتوحي لنا بما علينا أن نفعله ونسلكه؟ هل هي صورتنا؟ هل هي الأصل ونحن الصورة أم العكس؟
ومع أن تتبّع مدلول العنوان في الرواية يحتاج إلى كتابة خاصة، ومع أنه يربك القارئ لتعدده، ويجعله- أي القارئ- مثل أبطال الرواية مهووسا بالكوانتوم وهلوساته، إلا أن الرواية تبدو رواية مختلفة.
والحقيقة أن ما شدني شخصيا في الرواية هو أسئلتها وأسلوبها وقوة عبارتها. وأنا أقرؤها استحضرت لغة غسان كنفاني وأسئلته وقوة عبارته في «ما تبقى لكم». كما لو أنك وأنت تقرأ «كوانتوم» تواصل قراءة كنفاني حقاً، وفي الصفحات الأخيرة تستحضر الأنا/أنت في أشعار محمود درويش:
«أأنت يا ضيفي أنا» و»من أنا بعد ليل الغريبة» و»أنا أنت .. في كل أنا أنت».
يصدّر أحمد روايته بالعبارة الآتية لـ (ماكس بلانك):
«لا بد من تقديم تفسير نظري مهما بلغت التكلفة وبأي ثمن» ويحضر (ماكس بلانك) وعبارته في الرواية على لسان الشخصيات، وهي كما ذكرت، تختلف عن الكاتب، في الصفحات 233/289/330، وإن عنى هذا شيئاً فإنما يعني ما ذهبت إليه في عنوان المقال ومقدمته، وهو وحدة النص وكاتبه، فمن يستطيع أن يقرأ هذي الرواية بمعزل عن قراءة كاتبها؟ ومن يستطيع أن يكتب هذي الرواية سوى متخصص بالعلوم والفيزياء؟
في مقال لفيصل دراج عن الرواية الفلسطينية المعاصرة ذكر ثلاثة أسماء روائية هي عاطف أبو سيف وأكرم مسلم ووليد الشرفا، ولا أعرف إن كان دراج قرأ أبو سليم، وأعتقد أنه صوت روائي يستحق أن يشار إليه؛ لأسلوبه وقوة عبارته وغزارة أسئلته وعمقها، وإن ظل سؤال الكتابة عن مكان لم يتشربه الكاتب ولم يلم بدقائق تفاصيله يراودني شخصياً.
***
87- هوامش من وحي ما يجري في غزة: حزيران وحزيران، وأكتوبر وأكتوبر.
أرادت غزة أن تحذو بطوفان الأقصى حذو مصر وسورية في أكتوبر١٩٧٣، فبدأت هجومها في ٧ أكتوبر كأنه استمرار لـ ٦ أكتوبر ١٩٧٣ أو كأنه الفصل الثاني من فصول الحرب واليوم التالي له، وأرادت إسرائيل أن تنسى أكتوبر سيئ الذكر لها فاحتلت نابلس المحتلة منذ التاسع من حزيران ١٩٦٧ واختارت ١٠ حزيران ٢٠٢٥ ليكون اليوم التالي لحربها الأولى. كأنها ترد «حزيران ٢٠٢٥ عن حزيران ١٩٦٧ ما بفرق».
هكذا رفعت القوات الإسرائيلية التي اقتحمت المدينة، واستباحت بلدتها القديمة، علمها، وأحلته، هذه المرة، محل العلم الفلسطيني، خلافا للمرة الأولى حيث أحلته محل العلم الأردني.
أرادت إسرائيل المتورطة في رمال غزة، حيث فقدت في الأيام الأخيرة عددا من الجنود، أرادت انتصارا سهلا ينسيها حربها منذ ٦١٣ يوما.
هكذا رأى محللون فلسطينيون خطوة إسرائيل.
منذ أيام، أخذنا نتندر، حاسدين أنفسنا على الهدوء الذي نعيشه، رغم حصار المدينة وإغلاق بواباتها، ذاهبين إلى أننا في نابلس مسالمون، ذلك أن أصول بعض عائلات المدينة أصول يهودية. ولا أعرف إن كان الأدب العبري التفت إلى هذا، التفاته إلى البدو الفلسطينيين الذين رأى فيهم صورة للعبرانيين الأوائل الذين أسلموا.
هل ستلجأ إسرائيل إلى إجراء فحص DNA لسكان نابلس كلهم لتتأكد من أصولهم؟
فقدت المدينة اثنين من أبنائها، وأصيب أكثر من عشرين مواطنا.
وفقدت غزة ما يقارب المائة من أبنائها بحثوا عن أكياس الطحين، فاختلط طحينهم بدمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
حصل الرجل على كيس طحين، فأصابته رصاصة لم تحل بينه وبين تمسكه بكيس طحينه حتى لو مات. صار الطحين، في غزة، إكسير الحياة، وكانت الطفلة الغزاوية ابنة الثانية تبكي تريد خبزا، وذهب الأب ليحضر، من بيته في الشجاعية، الطحين، ليطعم أبناءه وبناته السبعة وأمهم فارتقى وظل أبناؤه ينتظرونه. والصور القادمة من غزة لا تدخل إلى القلب إلا الوجع والألم والحسرة. «لم تكن غزة في يوم من الأيام كما هي الآن» كتب أستاذ جامعي، معلقا على مشهد أبناء قطاع غزة أمام مركز توزيع المساعدات.
الكتابة لا تغني عن أشرطة الفيديو التي تقول لنا أكثر وعليها اتكأت.
غزة حزينة ونابلس حزينة والطرقات في الضفة حزينة ونفسياتنا حزينة. صارت أحزاننا صحراوية مثل أحزان الكاتب الأردني المنتحر - بسبب هزيمة حزيران ١٩٦٧ - تيسير سبول وأكثر بآلاف المرات.
كما لو أننا في السادس من حزيران ١٩٦٧!
هل صارت غزة نسياً منسياً؟
وسائل التواصل الاجتماعي كلها، منذ فجر يوم الجمعة، منشغل نشطاؤها بالهجوم الإسرائيلي - الأميركي على إيران، وقلما ورد ذكر لما يجري في غزة، علما بأن موقع رام الله الإخباري نشر، قبل قليل، أن هناك غارات عنيفة على شمال القطاع، بخاصة جباليا.
الذهول والذهول فقط هو ما أصابني شخصيا، علما بأنني أتابع، بملل وضجر عجيبين، المنشورات، بحثا عن خبر معاكس. كأن ما ألم بـ»حزب الله» وبالدولة السورية تكرر اليوم في إيران، وكأننا نعيش أجواء حرب الأيام الستة - حزيران ١٩٦٧. لقد تحطمت الطائرات عند الفجر وحسمت المعركة في ست ساعات لتنتهي المعارك البرية في ستة أيام وتعرف تلك الحرب بحرب الأيام الستة.
في العام ٢٠١٦ كتبت «حزيران الذي لا ينتهي»، وعندما اجتاحت القوات الإسرائيلية في ١١/ ٦/ ٢٠٢٥ مدينة نابلس ربطت بين حزيران وحزيران وأكتوبر وأكتوبر. هل كنت متسرعا؟ فحزيران الذي تكرر هو ما وقع في الثالث عشر منه، لا في الحادي عشر. (كم أبدو بائسا، فأنا من مواليد الثالث عشر من حزيران!).
في تموز العام ١٩٨١، قصفت الطائرات الإسرائيلية المفاعل النووي العراقي - تموز، فسخر مواطن فلسطيني: أين الدفاعات الجوية التي تحمي المفاعل؟ ومما قاله إنه يمتلك عنزتين ويحرسهما جيدا. اليوم، حفلت تعليقات الناشطين بعبارات مشابهة: أين الدفاعات الجوية الإيرانية؟
غزة تجوع ويموت سكانها من قلة الطحين، وإن سعوا لإحضاره قنصهم القناصون الإسرائيليون، وأمس، ارتقى ما يقارب المائة مواطن غزاوي.
هل سترد إيران ردا مزلزلا؟
لست أدري!
كما لو أنني أعيش اليوم السابع من حزيران ١٩٦٧، علما بأن ما تلا اليوم السادس استمر واحدا وخمسين عاما وأكثر.
«طول عمرك يا زبيبة في (..) هالعودة» يقول مثلنا الشعبي.
***
88- هوامش من وحي ما يجري في غزة : " أنظر للناس يا الله "
في ٣٠ / ٥ / ٢٠٢٥ نشر شريط فيديو يظهر نزوح الغزاويين من جباليا البلد . ثمة رجل يجر عربة فيها بعض فرشات وألحفة ، وثمة امرأة ، تحمل على رأسها فرشة ، تردد " ما يشموا ريحة الجنان اللي كانوا السبب في هذه الحرب " . وثمة نسوة وأطفالهن يحملون أغراضهم . أكياس وجالونات وطناجر . وثمة شخص يجر دراجة/ بسكليت عليها أيضا أكياس ، وأما الأجواء فيملؤها غبار المباني من التفجيرات . رعب وصياح و .. والرجل الذي يحمل الفرشات والألحفة يخاطب الله بعبارة " أنظر للناس يا الله " ويكررها .
في صباح الأحد ١ / ٦ / ٢٠٢٥ ارتقى أكثر من خمسين فلسطينيا وجرح أكثر من مائتين ، ولم يختلف الأمر في يومي الاثنين والثلاثاء ٢ و ٣ حزيران ، فقد بلغ عدد المرتقين أكثر من مائة وتضاعف عدد الجرحى ، ولم يتوقف القتل في ٤ / ٦ فقد ارتقى حتى الظهيرة ٣٢ مواطنا ، وتواصل الحال في الأيام اللاحقة . ذهب آلاف الغزاويين إلى مركز توزيع المساعدات في رفح ، لاستلام الطحين ومواد أخرى ، فأطلق الجيش الإسرائيلي النار عليهم . جاء هؤلاء من الوسط والجنوب ، ومن الشمال أيضا ، يحدوهم الأمل بالحصول على ما يطعمهم ويطعم أبناءهم ، فتم حصدهم ، تماما كما حصد في ٢٩ / ١٠ / ١٩٥٦ أبناء قرية كفر قاسم ، وهم عائدون من الحقول إلى بيوتهم ، التزاما بنظام منع التجول الذي فرضته سلطات الحكم العسكري . يومها ارتقى خمسون قرويا ، وعندما حوكم الضابط ( شدمي ) ، الذي أصدر ، لجنوده ، أمر إطلاق النار ، أفرج عنه بغرامة مقدارها قرش عرف لاحقا بقرش شدمي .
وأنا أصغي إلى خبر وقوع ٢٥٠ ما بين شهيد وجريح وجدتني أكرر عبارات شبيهة بعبارة الرجل الغزاوي " أنظر للناس يا الله ! " ، والعبارة هذه كررها الروائيون والشعراء الفلسطينيون في كتاباتهم منذ الخروج الكبير في ١٩٤٨ .
قبل العودة إلى ما كرره الروائيون والشعراء أشير إلى أن الكاتب الغزي شجاع الصفدي الذي ما زال مقيما هناك ، كتب بتاريخ ٣ / ٦ تحت عنوان " كلمتين بالعامية # " عن نقاش حول صوابية كشف المساويء وانتقادها أم تغطيتها وعدم ذكرها ، وأتى على سوء ما وصل إليه الوضع الديني والأخلاقي والمجتمعي ، ومما كتبه :
" يا أخي الناس بتتباهى بالربا عندنا ، بينادي يلا ربا اللي بده ربا !! بنص الشارع !!
سب الذات الإلهية مثل كلمة مرحبا ، الكلام البذيء أمام الفتيات والنساء دون أي رادع أخلاقي ، البلطجة لغة التعامل ، احكي مع أي شخص إنه عيب هيك بيرد عليك رد لو لاحقته حتصير مذبحة!!".
والصحيح أن الموضوع لفت انتباهي وانتباه غيري منذ فترة أبكر .
في ٣١ / ١ / ٢٠٢٤ شاهدت شريط فيديو خاطب فيه طفل غزاوي ، فقد أباه ، الله :
- ليش يا الله ؟ ليش ؟
وفي ١٢ / ٨ / ٢٠٢٤ كتبت في يومياتي " أهل غزة والإيمان والذات الإلهية " متكئا على يوميات الدكتور خضر مححز ، وكان من مبعدي حركة المقاومة الإسلامية إلى مخيم مرج الزهور في العام ١٩٩٢ ، وهو روائي وناقد وأكاديمي ارتقى له في الحروب ابنان . كتب الدكتور عن آثار الحرب على السكان وأشار إلى ظاهرة ضيق قسم منهم وتذمرهم وتبرمهم ، لا من الأوضاع والبشر وحسب ، بل من الذات الإلهية ، وتساءل :
كيف سينصر الله هؤلاء في حربهم ؟
وقد عقبت على ما كتب :
- فلماذا لا يستسيغ كثيرون بعض عبارات محمود درويش في بعض قصائده ، وبعض أسطر غسان كنفاني في بعض قصصه القصيرة ، وفي رواياته مثل " رجال في الشمس " و" أرض البرتقال الحزين " ؟ .
صراخ الطفل الغزاوي ذكرني بالفقرة الآتية من قصة غسان " أرض البرتقال الحزين " :
" بل إنني أنا أيضا ، الطفل الذي نشأ في مدرسة دينية متعصبة ، كنت ساعتذاك أشك في أن هذا الله يسمع كل شيء .. ويرى كل شيء... " . تماما كما أن عبارة الرجل " أنظر إلى الناس يا الله " ذكرتني بحالة " أبو الخيزران " سائق الخزان في " رجال في الشمس " :
" يا إلهي العزيز العلي القدير ، كيف يمكن لقمة هضبة ما أن تعني كل هذه المشاعر التي تموج في شرايينه وتصب لهبها على جلده الملوث بالوحل عرقا مالحا ؟ يا إلهي العلي الذي لم تكن معي أبدا ، الذي لم تنظر إلي أبدا ، الذي لا أومن بك أبدا . أيمكن أن تكون هنا هذه المرة ؟ هذه المرة فقط ؟".
هل غابت أسطر محمود درويش اللافتة في قصيدته " مديح الظل العالي " ( ١٩٨٢ ) عن أذهاننا ونحن نتابع أخبار طوفان الأقصى ؟
قال الشاعر :
" وبيروت اختبار الله . جربناك جربناك
من أعطاك هذا اللغز ؟ من سماك ؟
من أعلاك فوق جراحنا ليراك ؟
فاظهر مثل عنقاء الرماد من الدمار ! " .
وقال :
" والله غمس باسمك البحري اسبوع الولادة واستراح إلى الأبد
كن أنت . كن حتى تكون !
لا .. لا أحد
يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجل !"
هل سيتجلى الله مستجيبا لدعاءات أطفال غزة ونسائها وعواجبزها وأراملها ومظلوميها ومشوهيها و ...
في الحرب والظروف القاسية يخرج المرء عن إيمانه وقد لا يستطيع ضبط أعصابه ، وقد التفت إلى هذا الصحفي الغزاوي المؤمن الذي يخاطب أهل غزة عبر أشرطة الفيديو. محمود العمودي ، إذ وجه له أكثر من مواطن سؤالا شبيها بالسؤال الآتي :
- لماذا لا ينظر إلينا الله ؟ وأين نصره الذي وعد به عباده ؟
في الحرب قد يخرج المرء عن طوره .
( تاريخ الكتابة ٢ و ٣ و ١٢ / ٦ / ٢٠٢٥ )
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٥ / ٦ / ٢٠٢٥ )
لم ينشر لحساسية موضوعه .
عادل الاسطة .
===
88- هوامش من وحي ما يجري في غزة : روح الفكاهة
في مساء السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ سادت في تعليقات الفلسطينيين في الأرض المحتلة روح الفكاهة، بل والسخرية أيضاً، فقد فاجأهم الحدث الذي لم يتخيلوا حدوثه حتى في أحلامهم.
يومها كتبت في يومياتي عن روح السخرية وأوردت بعض تعليقاتهم، ثم سرعان ما غابت هذه الروح، لتصدر عن أفواه بعض الجنود الإسرائيليين أو في كتاباتهم.
بدت على لسان المتحدث (أفيخاي درعي) وفي خربشات كتبها الجنود الإسرائيليون على جدران بقايا البيوت أو أسوار (فيللها) المهدمة، وأذكر أنني كتبت تحت عنوان «تحشيش غزاوي أم تحشيش يهودي؟» (١٠/ ٦/ ٢٠٢٤)
غالباً ما يروي الفلسطينيون المسلمون حديثاً يعزى إلى الرسول (ص) خلاصته أنه لن تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود غربي النهر. يختبئ اليهودي وراء حجر فيصرخ الحجر:
- يا مسلم ورائي يهودي فاقتله.
في الحرب في غزة حرف الجنود الإسرائيليون الحديث وجعلوه:
- يا يهود! لا تقوم الساعة حتى يقاتل اليهود الغزازوة ويصيح الحجر أو الشجر: يا يهودي يا عبد الله إذا رأيت الغزازوة فاقتلهم».
عندما قرأ المواطن الغزاوي ما كتبه الجنود الإسرائيليون خاطب صاحبه قائلاً:
- شوف اليهود شو كاتبين. وأخذ يضحك ويقول: الله يلعن الشيطان.
بعض قراء المنشور من المثقفين عزوا الحديث إلى تأثير الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية.
مرات عديدة، وأنا أكتب عن الفكاهة في أدبياتنا، كنت أتوقف أمام ظاهرة شبه نادرة، دون أن يغيب عن ذهني ظهورها في أشعار إبراهيم طوقان ومقالات غسان كنفاني، لا رواياته وقصصه ومسرحياته - فهذه تخلو من السخرية وخفة الدم - وروايات إميل حبيبي، وقصص توفيق زياد «حال الدنيا»، وبعض كتابات رشاد أبو شاور ومحمود شقير، والأخير بعد العام ٢٠٠٣. لكن قليلاً ما بدت لي في عشرات الروايات والقصص القصيرة التي قرأتها.
وغالباً ما عزوت ذلك إلى طبيعة حياتنا وقسوة واقعنا وفهم كتابنا للكتابة الملتزمة الهادفة كأنها يجب أن تخلو من الهزل والدعابة والفكاهة، ويجب أن تتسم بالجدية والصرامة، وأحياناً إلى ابتعاد كتابنا عن حياة شعبنا الذي يحفل بنماذج إنسانية تتصف بخفة الدم والدعابة، بل والميل إلى السخرية.
في صباح ١٦/ ٦/ ٢٠٢٥ صحا أهل مدينة نابلس وعثروا، في شارع حلاوة، على حطام صاروخ احتاروا في أمره: أهو صاروخ إيراني أم صاروخ إسرائيلي اعترضه؟
وأنا أقرأ التعليقات لاحظت روح الفكاهة والمرح والدعابة التي غالباً ما تخلو منها أعمالنا الأدبية، ما جعلني أتساءل إن كان أدباؤنا يحيون حقاً بين الناس ويكتبون عن نماذج بشرية حية يرصدونها ويدرسونها ويتمثلونها، ثم يظهرونها في قصصهم ورواياتهم.
في التعليقات على صورة حطام الصاروخ قرأت الآتي:
١ - يمكن صاروخ اعتراضي/ لا. مبين إيراني من حجمه/ كبير الصاروخ. معه هوية.٢ - هذا جزء من الصاروخ بنفصل عن الرأس قبل ما يسقط الرأس. ٣ - مين إللي أسقطه أستاذ؟/ جوز عمتي أبو حامد/ ما شاء الله عنه. يسعد صباحك/ صباحووو المضادات خيي تحيط بنابلس من كل جانب.
٤ - المهم طلع ٧ مييييييتر ولا أكثر؟/ هيني رايح أقيسه/ أجيب لك متر. أما أسئلة بوجهولك إياها/ شوفو إذا ٧ متر بكون عماد أما إذا أكثر بكون رشاد.٥ - المهم أخدو يبيعو المنيوم ولا لا؟٦ - بسرعة على الكازيات معناته/ والله ما ينعز. مبارح حلبوهم وسكرو. ٧ - عنجد هي الشرطة عنا/ هههه/ الحمدلله على سلامتكم/ حبيبنا أستاذ تخفش لابسين طناجر تاعت الجبنة.٨ - اعملو نصب اوعكم تاعين الحديد ياخدوو. ٩ - يله يبيعوه حديد هي أجتهم رزقه. ههههه..١٠ - المهم ما يهجمو ع الكازيات. - بجيب معكم ١٠٠٠ دولار. ١١ - يي مكبرو.١٢ - منيح ما نزل ع حدا. ١٣ - يييييي مكبرو عااااامود.
وابن البيئة النابلسية يعرف مغزى العبارات التي لا تخلو من الدعابة وروح الفكاهة لقائلها.
هل يملك الصاروخ الذي وصف بكبر حجمه هوية تدل على ذلك؟
وحين يسأل شخص عمن أسقط الصاروخ يجيب المسؤول إجابة ساخرة لافتة لا تخلو من روح الفكاهة: زوج عمتي أبو حامد.
وإذ يسأل آخر إن كان طول الصاروخ حقاً سبعة أمتار يجيب المسؤول بروح الدعابة: سأحضر متراً أقيسه، فيرد عليه آخر ببداهة: أروح أجيب لك متراً. وتبدو السخرية لافتة حين يعرض أحدهم أخذ الصاروخ لبيعه لتجار الخردة، وكم سخر سكان قطاع غزة، وهم يشاهدون الدبابات المدمرة في الحرب، من زعم الإسرائيليين بأنها محصنة تحميهم.
لقد تصوروا مع حطامها وأخذوا ينادون عليها خردة للبيع، بل إن من نساء غزة من حولتها إلى منشر تنشر عليه الملابس التي غسلتها. بل إن بعض المعلقين من أبناء نابلس يسخر من سلوك سكان مدينته في الأزمات، فما إن يحدث حدث لافت حتى يهجموا على محطات البنزين ومحال المواد الغذائية ليشتروا ما فيها، وهذا ما حدث يومها حقاً، فقد شهدت نابلس إقبال أصحاب السيارات على المحطات وأحدثوا أزمة دفعت بقسم من أهل المدينة إلى جلد الذات وشتمها.
وانظر تعقيب أحدهم وما فيه من بلاغة «امبارح حلبوهم وسكرو» إذ شبه الكازية ببقرة تحلب حتى يجف ضرعها، بل وانظر بم أجاب مواطن عقب على سقوط الصاروخ: «امنيح ما سقط على راس واحد»: حبيبنا أستاذ تخفش لابسين طناجر تاعت الجبنة.
وغالباً ما تحفل التعليقات التي تكتب على منشور يخلو من روح السخرية والدعابة والفكاهة والتهكم غالباً ما تحفل بها، وهذا ما يدفعني شخصياً إلى قراءتها ولفت النظر إليها وإثارة السؤال عن ضآلة حضورها في أدبياتنا.
***
89- السرقات.. كأننا لا رحنا ولا جينا
في ٢١/ ٦/ ٢٠٢٥ نشر موقع «صوت رام الله والبيرة» الآتي:
«متداول: حدث في إحدى مدن الضفة الغربية:
(جيش داخلين على دار خالتي حاكيلها الضابط لمي كل ذهب والمصاري وخديهم معك عشان جنود ما يوخدو. رايحة لامة، وهي طالع ماخد الكيس وحاكيلها يسلمو اديكي ورايح)».
وفي ٢٥/ ٦ كتبت أم أيمن الصوص، من غزة، عن السرقات «يا فرحة ما تمت. أخذها الحرامي وطار: سرقة ٧٥ شاحنة مساعدات عند دوار بني سهيلا كانت مخصصة للمنطقة الوسطى. إنها حرب التجويع التي رسمها الاحتلال وينفذها لصوص المساعدات. وللأسف غداً ستجدهم في الأسواق يبيعوننا التموين المخصص لنا بأسعار فلكية!
هكذا سقطنا في امتحان الأخلاق وفي أحلك حالات التجويع التي أفرزتها حرب الإبادة».
وطالبت بالحماية من قريب لا يعرف معنى الشرف.
وفي الوقت نفسه كتب محمد العطار «الحرامية والعصابات عملوا خطة رهيبة!! سمحوا بدخول ٢٥ شاحنة وخلوا كل البلد تروح تؤمنهم وتصدق حالها وبعدها سرقوا الـ ٧٥ شاحنة اللي جايين بعدها!!
تأمين إيش هذا يا حاج».
البضاعة المسروقة تباع بأسعار فلكية، وهو ما قرأته في صفحة المحافظة الوسطى:
«علبة مختوم ٣٥٠ جرام بـ ١٠٠ شيكل. وقية قهوة بن زحيمان بـ ٣٠٠ شيكل. حبة السنكرز بـ ٤٥ شيكل . حبة البونتي بـ ٤٥ شيكل. علبة بسكويت نمبر ون بـ ٢٣ شيكل. وقية المشمش المجفف بـ ١٠٠ شيكل».
ما سبق يذكرنا بقصص وروايات وأخبار عاشها الفلسطينيون في نكبة ١٩٤٨ وبعدها، وأولها قصة غسان كنفاني القصيرة «القميص المسروق» المكتوبة في الكويت في ١٩٥٨، وفيها يصور معاناة اللاجئين في مخيم فلسطيني بسبب تأخير تسليمهم الطحين، ويكون عليهم أن ينتظروا عشرة أيام ليأكلوا، والسبب هو أن الموظف الأميركي وبعض الفلسطينيين يتاجرون به ليربحوا، وتتكرر قصة السرقة في قصة سميرة عزام «لأنه يحبهم».
في روايات كتبت في فترة لاحقة يعود زمنها الروائي إلى ١٩٤٨ نقرأ عن سرقات قام بها الإسرائيليون في فوضى تهجير الفلسطينيين، وهنا أشير إلى أربع هي: «الطريق إلى بئر سبع» للكاتبة (ايثيل مانين) و «١٩٤٨» للكاتب (يورام كانيوك) و»أولاد الغيتو: إسمي آدم» لإلياس خوري و «المتشائل» لإميل حبيبي.
في الأولى التي تأتي على احتلال اللد تجرد العصابات الصهيونية سكان البيت من ساعات معاصمهم وأقلام حبرهم وخواتم الزواج، ثم تطلب مجندة من صاحب البيت مفاتيح سيارته وتنطلق مع رفيقيها بها. (ص ١٤)
ما ورد في رواية (مانين) نقرأ ما يعززه في رواية «١٩٤٨» التي كتبت، في فترة متأخرة - تقريبا ٢٠١٠ - فـ (كانيوك) الذي شارك في الحرب في حينه، وكان فتى، يصف ما جرى في حي القطمون في القدس حين استولت العصابات الصهيونية عليه في طريق عودتنا شاهدنا سكان أورشليم يتهافتون للسلب والنهب. طفقنا نسير ونغني في الشوارع، وكان السكان غير المنشغلين بالسلب والنهب يصفقون لنا» (ص ١٨٥).
في «أولاد الغيتو: اسمي آدم» نقرأ بتفصيل أكثر، بل وبإطناب، عن سرقات في اللد؛ سرقات التي قامت بها العصابات الصهيونية ولصوص فلسطينيون عملوا معها وتحت أوامرها:
«روى ما رواه له الشاب الذي نسي اسمه، عن حفلة النهب التي تمت بقرار وإشراف من الجيش الإسرائيلي.
قال الشاب الذي نسينا اسمه عن مجموعته التي تألفت من خمسة أشخاص، وكانت مهمتها تنظيف المحال التجارية من محتوياتها .... كان علينا أن نملأ شاحنات الجيش الصغيرة بالمعلبات والحبوب والطحين والسكر والبن وكل شيء.... كنا نعلم أن الشاحنات تذهب إلى تل أبيب، وكنا نعمل مكرهين، وتحت ضغط الخوف. لكن بعد يومين من العمل بدأ كل شيء يتغير. دبت فينا الحماسة وأحسسنا بنشوة اللصوص. كنا نسرق بلا خوف، فالجيش يحمينا، وشعرنا بلذة النهب وتمتعنا بالعمل.
«تفو علينا كيف صرنا» قال مراد»(ص ٣٩٩).
في رواية حبيبي قصة تشبه ما نقله موقع «صوت رام الله والبيرة» ففي «حكاية الثريا التي رجعت تسف الثرى» نقرأ عن اللاجئة اللداوية التي زارت، بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧، بيتها لتبحث عن ذهبها الذي خبأته في الجدار، ولما كان لا بد من حضور الشرطة الإسرائيلية، فقد عثرت عليه بحضورها، ولما مدت يدها لتطول مصوغات عرسها «ناولها رجل القيم على «أراضي إسرائيل» شهادة بالذهب، وأخذ الذهب وذهب، وأما الثريا فأخذت «شهادة الذهب» وذهبت، عبر الجسور المفتوحة، راجعة لتسف الثرى في مخيم الوحدات...» (ص ١٣٩، ط ٧ حيفا ١٩٨٥).
هل اختلف الوضع، في غزة والضفة الغربية، بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣؟
وهل كان المجتمع الإسرائيلي نفسه، في أثناء قصف مدينة تل أبيب، خالياً من ظاهرة السلب؟
لقد قرأنا عن مهاجمة قوات إسرائيلية محال صرافة ومجوهرات في حلحول ونابلس، وعن لصوص في تل أبيب نفسها. وأما أطرف ما تنوقل فهو أن بعض اليهود في تل أبيب يذهبون إلى المطاعم ليأكلوا، حتى إذا ما سمعوا صافرات الإنذار غادروا دون أن يحاسبوا على ثمن الطعام.
***
90- هواجس من وحي ما يجري في غزة:
لقد تعقدت الأمور كثيراً يا غسان كنفاني
لقد مرّ على استشهادك يا غسان ثلاثة وخمسون عاماً، خيضت خلالها حروب عديدة لم تسو الأمور. ألم يقل «سعيد. س» شخصية روايتك «عائد إلى حيفا» (1969) مخاطباً ابنه خلدون: تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب؟!
لقد جرت مياه كثيرة في النهر، ولا أظن أن ما نشاهده يجري في غزة كان يخطر ببالك في أسوأ كوابيس حياتك، أنت الذي شهد النكبة الأولى واستلهمها في قصصه القصيرة ورواياته ودرسها في كتبه، بل وغاص في أدبيات الطرف الآخر، أعني الصهيوني.
نعم لقد جرت مياه كثيرة وتعقدت الأمور، وإن كنت قاربت قسماً منها.
نعم لقد كتبت عن الفقد وكتبت عن الدفن في المقابر. كتبت عن الفقد في روايتك المذكورة، حيث فقد الوالدان «سعيد. س» وزوجته صفية ابنهما خلدون، وصار، بعد أن ربته عائلة يهودية، «دوف»، ليقاتل في قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكتبت عن الدفن في المقابر من خلال كذبة طفلك الصغير في قصة «كعك على الرصيف»، حيث أخبرك أنه عانى لدفن أمه. ألم يخاطبك حين قلت له: «أيها الكذاب.. أنت تعيش مع أمك.. أليس كذلك أيها الكذاب؟».
ألم يخاطبك قائلاً: «كلا يا أستاذ.. كلا.. إن أمي ميتة ولكنني لا أستطيع أن أقول... فحينما ماتت أمي طلب والدي منّا أن لا نقول شيئاً عن موتها.. أن نصمت».
- لماذا؟
- «لم يكن يملك أجرة الدفن.. وكان خائفاً من الحكومة» (ا.ك صفحة 96).
هل كنت تتخيل يا غسان، في أسوأ كوابيسك، أن تقرأ، عن الفقدان وعن الدفن، الآتي: عائلات بأكملها تباد، منها عائلة الشاعر ابن يافا سليم النفار.. عائلات لم ينجُ منها إلا فرد أو فردان، ومنها عائلة الدكتورة آلاء النجار التي فقدت زوجها وثمانية من أبنائها، ولم ينجُ إلا هي وابنها آدم.. عائلات فقدت أبناءها الأربعة دفعة واحدة ولم تستخرج جثثها إلا بعد ثلاثة أشهر، وهنا أخص الشاعرة د. آلاء القطراوي.
أصغ إليّ إن كنت تستطيع، أو اقرأ ما سأكتبه نقلاً عما ورد في صفحات أبناء قطاع غزة في هذه الأيام.
في الثلاثين من حزيران قصفت القوات الإسرائيلية مقهى الباقة على شاطئ البحر، فارتقى ثلاثون فرداً وأكثر.
لقد قتلوا، كما كتب ناهض زقوت، دون ذنب ودون هدف، لكي يصبحوا في محرقة غزة أرقاماً ضمن تعداد وزارة الصحة، ولكي تصبح المشكلة، الآن، كيف يمكن أن توجد لكل هؤلاء قبور لدفنهم في أزمة عدم وجود قبور؛ قبور ارتفع ثمن الواحد منها من 700 إلى 1200 شيكل، أي من 200 دولار إلى 360 دولاراً.
وفي اليوم نفسه قرأت في صفحة الناشطة الفيسبوكية ميسون كحيل الآتي: تمّ التعرف على رفات جثة متحللة للشاب حسام البردويل، حيث فقدت آثاره منذ عام ونصف، وعثر عليه مواطن داخل أرضه في منطقة البيدر غرب نيتساريم وسط غزة.. تعرّفت عليه والدته من ملابسه التي كان يرتديها في آخر مرة خرج فيها من منزله».
ميسون نفسها كانت نشرت تطلب المساعدة في العثور على أخيها ماهر، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة. لقد فقد في 15 أيار 2024، بعد خروجه من منطقة قيزان النجار في خان يونس، ولم يتم العثور عليه، فأعادت نشر الإعلان عن الفقد في الثاني من تموز 2025.
ولم يختلف حال الدكتورة حكمت عليان المصري التي أدرجت في صفحتها خبر اختفاء أختها أم محمد، وعدتها في عداد المفقودين.
وفي اليوم المشار إليه الذي ارتقى فيه الثلاثون، في مقهى الباقة على الشاطئ، شاهدت شريط فيديو أدرجته مريم أبو دقة يتحدث فيه رجل عن أزمة المقابر في غزة في هذه الحرب. لا حجارة ولا بلاط ولا قبور، والجثث تعاد إلى ثلاجات المشافي لعدم وجود القبور.
ماذا أكتب لك يا غسان عن الذين دفنت، وهم على قيد الحياة، بعض أعضائهم، فصاروا بلا أيد أو بلا أرجل، وربما بلا أيد ولا أرجل.
ثمة ما لا يقال عن 160 ألف جريح في هذه الحرب، لا جريح واحد كما في قصتك «ورقة من غزة»، فعن أي من هؤلاء كنت ستكتب لو امتد بك العمر، وعشت تجربة الحرب هذه؟!
بعد صدور روايتك المذكورة التي قال فيها «سعيد. س» عبارته الواردة في بداية هذه الكتابة، حدثت حروب وحروب، وما زالوا في بيوتنا في حيفا ويافا، وفي الحرب هذه قاتل أكثر من «دوف» في جيش الاحتلال وماتوا هناك في غزة، وفي الحرب هذه أقام أمثال «دوف» في صحراء النقب استراحات لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي يستريحون فيها حين يعودون من خوض المعارك في قطاع غزة.
وليس هذا يا غسان بجديد، فهو يتردد منذ بدأت الحرب في 7 أكتوبر 2023.
لقد تعقدت الأمور كثيراً، وأكثر مما كان يخطر على بال أحد.
***
91- هواجس من وحي ما يجري في غزة.. تــلامــيــذ غــزة وأطــفــالــهــا
في انتفاضة ١٩٨٧ كتب نزار قباني قصيدته «يا تلاميذ غزة» وطلب منهم فيها أن يعلموا العرب بعض ما عندهم من رجولة، فالرجال في العالم العربي صاروا عجينا، وأن يعلموهم كيف الحجارة تغدو، بين أيديهم، ماسا ثمينا وأن يعلموهم:
«كيف تغدو دراجة الطفل لغما وشريط الحرير كمينا، وكيف تحولت مصاصة الحليب سكينا.
وألا يبالوا بإذاعات العرب وألا يسمعوها.
وبإيجاز، مدح الشاعر تلاميذ غزة ووسمهم بالبطولة وواصل جلد الذات القومية، فالعرب يتسمون بالحساب والجمع والطرح. إنهم الهاربون من خدمة الجيش، لهذا يستحقون الشنق. إنهم موتى لا يملكون ضريحا، ويتامى لا يملكون عيونا، لزموا جحورهم وطلبوا من تلاميذ غزة أن يقاتلوا التنينا. لقد صغروا أمام تلاميذ غزة ألف قرن:
«لا تعودوا إلى كتاباتنا ولا تقرأونا/ نحن آباؤكم فلا تشبهونا/ نحن أصنامكم فلا تعبدونا/ نتعاطى القات السياسي والقمع/ ونبني مقابرا أو سجونا/ حررونا من عقدة الخوف فينا/ واطردوا من رؤوسنا الأفيونا».. الخ.
نقرأ نثرا قريبا في نغمته من شعر نزار في كتابة الأردني عبد الهادي راجي المجالي، فقد خاطب في غير مقال غزة وسكانها ومقاتليها، وآخر مقال له عنوانه «المذهب التفجيري»، وفيه يطلب من الشاب المقاتل الغزي الذي فجر دبابة أن يعلمه مذهبه الذي سماه المذهب التفجيري «أنا على مذهبك يا شيخي.. فاعقد درسك من اليوم على بقايا دباباتهم وعلمنا أن نكتب تعاليمك على عبوات (ال شو اظ) ووصاياك يا إمامي وشيخي سندونها (بال ي ا سين 105) ..».
ثمة صورة أسطورية تبرزها القصيدة والمقالة، وهي صورة ليست بعيدة عن المخيلة الشعبية الفلسطينية والعربية؛ صورة يسمعها المرء حين يكون في حافلة عامة.
قبل شهرين، صعدت حافلة عمومية أقلت معلمة حكومية اشترت سجادة، وتمكنت من ذلك لاستلامها جزءا من راتبها. كانت الموظفة تتجاذب والسائق أطراف الحديث، وقد أتت على مهنتها معلمة للغة الإنجليزية وما تفعله مع تلاميذ غزة. ثمنت قدرتهم على الاستيعاب عاليا وقللت من قدرة تلاميذ مدرستها. قالت، إنها تعلم ألفي تلميذ غزاوي تعليما إلكترونيا وكلهم يتفاعلون معها. لقد أبرزت لهم صورة أسطورية يحذرنا منها بعض كتاب غزة، بل إننا حين نشاهد بعض أشرطة الفيديو التي يظهر فيها الأطفال جائعين منهكين باكين آباءهم أو أمهاتهم الذين قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي نعرف أن أطفال غزة أطفال عاديون يفرحون ويحزنون ويتأثرون بالظروف التي يمرون بها؛ سلبا أو إيجابا. إن جاعوا صرخوا يريدون الرغيف وإن عطشوا بكوا يسألون عن الماء، وإن فقدوا آباءهم أو أمهاتهم جلسوا قرب الجسد المسجى يذرفون الدموع ويناشدون الأب أو الأم بأن يعودوا لهم، فهم لا يقوون على مواجهة الحياة بلا والدين. حقا، إن الطفل فيصل الخالدي الذي قتل الجنود أمه الحامل وأباه، داخل بيتهم أمام عينه، بدا طفلا أسطورة، فتكلم عما شاهد برباطة جأش، فأذهل كل من شاهده وأصغى إليه، لكنه لم يكن صورة لأطفال غزة كلهم، فهناك العشرات غيره لم يظهروا، حين فقدوا أحد والديهم، متماسكين مثله. لقد بكوا، بل وأجهشوا بالبكاء، وحين جاعوا صرخوا: «بدي خبز. بدي آكل»، ولم تفلح أمهاتهم بالضحك عليهم تصبرهم وهي تطبخ لهم اللاشيء كتمثيلية عساهم ينامون.
من أبرز الصور صورة طفلة برجل واحدة تقف وبيدها عكاز على شاطئ البحر. هذه الطفلة سألت الطبيب ببراءة:
- دكتور متى ستنبت لي قدمي؟
وكما أن الأطفال ليسوا أسطوريين فإن آباءهم وأمهاتهم لم يكونوا أيضا كذلك. لقد بكوا أبناءهم وبناتهم وعبروا عن حسرتهم جراء الفقد. هل ننسى صرخة والدة الطفل يوسف أبو شعر كيرلي؟ هل ننسى عبارة والد حسن الذي غنى «اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت»:
- كسرت ظهري يا حسن.
حقا، إن الذاكرة تحفل بقصص مشابهة، مثل قصة الطفلة هدى أبو غالية، التي فقدت أسرتها على شط البحر بالكامل، وفيها كتب محمود درويش «الفتاة/ الصرخة»، وفي الحرب هذه سنقرأ عن الطفلة هلا أبو دهليز (١٢ عاما) التي كانت تتأرجح قرب خيمة نزوحها، حين باغتتها غارة إسرائيلية دمرت ما تبقى من طفولتها. سقطت الأرجوحة فوقها، فمزقت فروة رأسها بالكامل، واقتلعت شعرها من الجذور تاركة جراحا لا تشفى في الجسد وفي الروح. في إحدى الصور، تمسك بخصلة شعرها، كأنها تتمسك بما تبقى من ماضيها، وفي أخرى تنظر بحزن إلى صورتها قبل الإصابة، وثمة صورة لها بعد الإصابة، ولا تزال رهينة الحصار، عاجزة عن مغادرة غزة لتلقي العلاج (عن صفحة أحمد نصر).
وفي صفحة سماح نصار، تدرج صورة أحمد الحناوي مع طفلتيه وتكتب «عائلة شهيدة. شاب في بداية الثلاثينيات من عمره وطفلتان بملابس أنيقة والصحة بادية عليهما... جمال لافت».
في صفحة أحمد نصر شريط فيديو لغزاوي ارتقى وهو يبحث عن طحين. حول جثته طفله ابن السابعة يبكيه: بابا بابا.. يا عمي وين بابا.. أمانة.. .
وماذا عن تلاميذ غزة، الآن؟
إنهم منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ بلا مدارس يهيمون في الشوارع أو يقتلون وهم في الخيام.
حالة تعبانة.
***
92- هوامش من وحي ما يجري في غزة: أراضٍ للمقايضة
في ٧/ ٧/ ٢٠٢٥ قرأت في صفحة الناشط الغزاوي أبو أحمد سمور الآتي:
«مطلوب كيلو سكر وأوقية قهوة نظيفة، مقابل قطعة أرض 300 متر على شارع 10 م في الشيخ رضوان» فعلقت:
«من أطرف ما قرأت.. وهذا يستحق كتابة مقال، فهو يستحضر قصصاً شخصية ومسلسلات عن نكبة ١٩٤٨، بل ورواية ربيع جابر «أمريكا».
وأرجح أن قطعة الأرض هذه كانت قبل طوفان الأقصى تساوي نصف مليون دولار».
ما كتبته في ٨/ ٧ لفت انتباه القراء فعلق عبد الكريم عاشور المقيم في غزة «ههههههشارع عشرة لا يمكن الوصول إليه هذه الأيام»، وأما من لا يعرف غزة مثل مها خوري المقيمة في فلسطين ١٩٤٨ فعقبت «معقول!؟».
أما الكاتب في جريدة الأيام الفلسطينية الدكتور عبد المجيد سويلم فعقب: «فعلاً يستحق. جميل».
الخبر استثار في ذاكرتي شخصية أبو عايد في مسلسل الكاتب وليد سيف «التغريبة الفلسطينية» واستثار أيضاً قصصي مع زملائي في الجامعة ممن أولعوا بشراء الأراضي وسخروا مني، لأنني لم أتاجر بالتجارة السهلة التي تضاعف المال أضعافاً مضاعفة تفوق مكافأة نهاية الخدمة التي استمرت ٣٧ عاماً.
كان أبو عايد يشتري الأراضي، لأن مكانة المرء الاجتماعية في الريف تتحقق، في جانب كبير منها، بمقدار ما يملك من أراضٍ.
كان يشتريها كلما سنحت له فرصة، ولم يكن يرى في التعليم عاملاً يحقق المنزلة التي يحققها مقدار الأرض التي يمتلكها.
شعر أبو عايد بالفخر والزهو، فترفع عن فقراء القرية وسكانها العاديين، وعدّ نفسه مختلفاً، وبين عشية وضحاها طرده الإسرائيليون من قريته مع بقية سكانها، فوجد نفسه لاجئاً، بلا مأوى وبلا طعام وبلا شراب، ووجب عليه أن ينتظم بالدور، حتى يحصل على بعض ما تمنحه الهيئات الدولية للاجئين.
استكثر الوضع الجديد، فكيف ينتظم الدور مع من كان يترفع عليهم، ثم وجد نفسه واحداً من الطابور، فالأرض وما تثمره ضاعت وضاع معها مجده القديم.
وغالباً ما تذكرته وغالباً ما ذكرت به أحد زملائي.
في الجامعة تعرفت إلى زملاء شغفوا بشراء الأراضي، لدرجة أنهم اقترضوا المال من البنوك بفوائد ليشتروا قطعة هنا وأخرى هناك. لم يكونوا يتصرفون برواتبهم ليعيشوا حياة سهلة رغدة، فجزء منها يخصم للسداد، وهكذا ضيقوا على أنفسهم وعلى أسرهم. أحياناً كنت أصغي إلى روايات عن نمط حياتهم لا تليق بهم، فنابلس مدينة لا أسرار فيها والكل فيها يعرف أخبار الآخرين ويرويها فيتم تناقلها بسرعة، واسألوا سحر خليفة، أو اقرؤوا روايتها «باب الساحة»، وكنت شخصياً أتيت على هذا فيما يخصني في نصي «ليل الضفة الطويل» (١٩٩٣).
تستبيحك المدينة وتغدو سيرتك على كل لسان حتى لتردد سطر محمود درويش «ستروى أساطير عني» ولم يكن عبثاً أن صدرت النص في مسودته بالقصيدة التي ورد السطر فيها.
كم سنة عاش هؤلاء الزملاء عيشة الفقير، حتى يسددوا ما عليهم من قروض، ليثرى أبناؤهم؟.
«يعيشون فقراء ويموتون أغنياء» عبارة سمعتها عن أبناء مدينة فلسطينية معينة؛ لأنهم ينشغلون في حياتهم بالكد وجمع المال ولا يستمتعون به، فيكون من نصيب الورثة.
هل غاب عن ذهني أن المصارف والبنوك التي أودع فيها رصيدي، من رواتبي، قد يلم بها ما ألم بالمصارف والبنوك في أميركا في فترة الكساد العالمي في العامين ١٩٢٩/ ١٩٣٠، وبالتالي قد أجد نفسي بين عشية وضحاياها خاوي الوفاض، بلا تعريفة واحدة أو قرش أدفع به عني غائلة الجوع والبرد والعري؟
لن أنسى صورة ذلك الشاب الغزاوي التاجر الذي نزح في بداية الحرب من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، بناء على طلب جيش الاحتلال الإسرائيلي.
كان الشاب تاجراً منعماً يضع رأس ماله في متجره الفاخر وفي البنك أيضاً.
لم يكن يحمل النقود أو يخزنها مكتفياً ببطاقة الصراف الآلي، وحين عز وجود الصراف غدت البطاقة مجرد بطاقة لا تسمن ولا تغني من جوع.
لقد اضطر أيضاً أن ينتظم في الدور، مثل أبو عايد في المسلسل، إلى حين يفرجها الله، وقد يكون الشاب غادر قطاع غزة عبر معبر رفح ودفع خمسة آلاف دولار رشوة.
لا يغيب عن ذهني، وأنا أتابع صفحات أبناء قطاع غزة، رواية ربيع جابر «أمريكا» الصادرة في ٢٠٠٩، وفيها يأتي على ما مرت به أميركا في العامين ١٩٢٩ و ١٩٣٠ من كساد وإفلاس بنوك، حيث فقد المدخرون أموالهم وهاموا في الشوارع على وجوههم ولم يملكوا ما ينفقون به على أنفسهم.
يومها لاذ من اشترى الأرض والعقار بالأرض عله يزرعها ويأكل من غلالها، ولكن الطريف أن المزارعين لم يجدوا من يشتري منهم محصولاتهم فكبّوها ولم ينتفعوا بها.
هل كان زملائي على صواب وأنا على خطأ؟
في غزة لم يبقَ لأهلها أرض ولم يبقَ مدخرات وفي كثير من أشهر الحرب جاع الناس حتى عجنوا علف الحيوانات، والآن الجوع يضرب أطنابه ولا يجدي مال ولا أرض لطرد غائلته.
حالة تعبانة يا ليلى!
***
93- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «للحقيقة وجهان»، والخبز أحمر
إن تابعت صفحات غزيين مختلفة التوجه، أو شاهدت أشرطة فيديو يتحدثون فيها، فسوف تقرأ وتسمع روايات مختلفة في مواقفها مما يجري، ليس من السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وحسب - أكان خطوة صحيحة أم لا أدت إلى ما أدت إليه من نزوح وتشرد وفقدان بيوت وجرحى وقتلى و..؟ - بل أيضا في رد أسباب أزمة الطحين التي يعانون منها معاناة كبيرة تمثلت في شحه وارتفاع أسعاره، ما أدى إلى وفاة عديدين وبكاء أطفال يصرخون: «جوعان بدي آكل. بدي خبز».
ولا يخفى كيف تحولت مراكز توزيع المساعدات إلى مصيدة يذهب ضحيتها يوميا ما يقارب المائة مواطن، وحول الأخيرة أصغيت إلى شريط فيديو تحدث فيه منير العيادي عما رآه حيث يذهب الغزيون إلى هناك ليحصلوا على المساعدات. جن الرجل مما رأى حيث يدوس الناس بعضهم بعضا، ما أدى إلى وفاة ثلاثين بسبب التدافع، وأنهى شريطه بشتيمة أبناء شعبه، لدرجة أنه رأى أننا نستحق الحرق. قال ما قاله من حرقة دمه، ولا تعليق أكثر.
في صفحات مثقفين ناشطين، تقرأ عن التجار اللصوص المستغلين الذين يحتكرون البضائع ويفرضون أسعارا خيالية. يكتب شجاع الصفدي عن الخراب القادم للجائعين الذين قرروا أن يشهروا سيوفهم في وجه اللصوص «وبما أن الخراب عم ساحات حياتنا بأكملها، فلتكن خرابا، إذن».
على من تقع المسؤولية؟
هناك من يحملها للتجار، وآخرون للاحتلال، وثمة من يتهم فصائل بعينها، وتحديدا «حماس».
هل نتفاجأ إن قرأنا منشورا يتداوله نشيطون ويدرجونه في صفحاتهم:
«منقول:
يعني الله بقولو أنا مرمي بخيمة بمدرسة فهمي الجرجاوي وعلى بعد أمتار مني مخازن سكر وطحين وأكل وشرب.
رحت أقلهم بدي آكل واشرب، لهم بقولو هاد شغل خاص، قلتلهم فش خاص وعام أنا أولادي ماتوا من الجوع، لهم هددوني وطردوني.
لقيت شاب بعرفو بليل بياخد طحين وسكر/ وقفتو قلي أنت بتخاطر بحالك عدهم طخوك/ قلتلو الطخ أحسن من المذلة إيش النظام/ لهو بقلي أنا حفيدك: عشان ما تنطخش ما تدخل بهيك قصص. هاد مساعدات نسرقت وتأمنت بلمخزن هاد عسّكت/ بتنباع بأعلى سعر لرواتب حماس/ الشب مش حمساوي الشب بمشّيلهم لبضاعة وبياخد ١٠ بلمية من البيع وتاع المخزن١٠/ والـ٨٠ لابو ح.ن واخوتو لـ [..] واحد منهم ضل ٢../ الخلاصة التي فهمتها بعد أسبوع من التفتيش والله على ما أقول شهيد /السارق الحمساوي [..] إلي بصرف البضاعة.... بياع جاج قديم بسوق الزاوية من قبل الحرب كان محبوس ع تزوير فلوس حديد../صاحب المخزن... والي بأمنو شباب مقطعة بلحارة عشان الفلوس أبو... بطلع شب قسام و٩ مدنيين من الحارة/ وبعد جدال وقتال بيني وبينهم باعوني نص كيس ٢٥ كيلو بـ ٧٥٠ شيكل، وقلي هي خصم ومراعاة والمرة الجاي طَلَق/ وضربني كف سدتلو ياه لهم شباب هجموا عليا/ ونا خصمهم أمام الله/ عنوان المخازن.
غزة - شارع الوحدة [..] بيت... في طحين وسكر ورز وسيرج وغاز ٢ كيلو نظام كيس جلد قربة زي المطاط/ ورأيتهم بعيني اليوم مشاتيح ملهاش أول من آخر
٩ مقاطير»/ (من صفحة الشاعر عثمان حسين ويمكن أن تقرأ تحميل المسؤولية للمفاوضين في الدوحة وحركتهم في صفحات أنهار سكيك وأم أيمن الصوص ومحمد العطار وآخرين).
مقابل هذا المنشور القابل لقراءات عديدة مختلفة متناقضة يدرج ناشط من شمال القطاع شريط فيديو لتظاهرة في الضفة الغربية يهتف فيها فلسطيني، «حطوا السيف قبال السيف إحنا رجال محمد ضيف..» فيخرج من بين الموجودين رجل يخاطب الهتيف، «بلا ضيف بلا سيف» ويمهد الناشط لشريطه بكتابة قاسية يهاجم فيها السلطة.
وفي صفحة المنطقة الوسطى، أدرج شريط لشاب يتكلم بحرقة يقترح حلا وحيدا. «الحل الوحيد، لتجار غزة الـ..، هو تكسير بسطات ومحلات كل من يبيع الطحين، ويرفض اقتراح تأمين أبناء العائلات وصول المساعدات، لأنهم هم جزء من المشكلة. كيلو الطحين بمائة شيكل. كلهم حرامية. لا استثني أحد. في الوضع الحالي كل من يبيع الطحين جاسوس ابن جاسوس. لا أحد يرحم أحد. في الوضع الحالي بيع الطحين حرام. ارحموا الناس حتى يرحمكم الله. الله لا يرحم فيكم حد يا أولاد الحرام»/ وفي الصفحة نفسها أدرج في فجر ٢٠/ ٧ الآتي:
«أحد التجار في شارع العشرين باع الطحين بـ ١٢٠ ثم بـ ١٤٠ وقام ببيع البطاطا لأحد تجار الخضار ورفض بيعه للجمهور مباشرة.
وعند اعتراض الناس تم إطلاق النار من مسدسه في الهواء، بعدها ثارت الناس عليه وتم تكسير الجيب الخاص به؟ الخاصة به».
وكما كتب محمود درويش: «للحقيقة وجهان»، والخبز أحمر في قطاع غزة.
***
94- هوامش من وحي ما يجري في غزة: الــخــراب الأُســري
في صفحة الناشط الصحافي الغزي محمد الذهبي نقرأ، في ٢٢ تموز، المنشور الآتي مدرجاً مع شارة الشعور بالحزن:
«هذه شهادة لأحد المجوّعين عن مجوّع آخر..
بالأمس أيضاً قرأت شهادة أخرى تتحدث عن رجل في أحد خيام النزوح اعتدى على زوجته بالضرب؛ بعد أن طالبته بتوفير الطعام لصغارهما، ثم طلقها!
هذا الصباح أحد الجيران اعتدى على زوجته بالضرب أيضاً، وقبل يومين عنّف جار آخر زوجته جسدياً لأسباب لا أعرفها.
مع اشتداد قسوة التجويع، وازدياد ضيق الحال في غزة، بات النسيج الاجتماعي الأسري مهدداً بالانهيار؛
فيا أهلنا وأحبابنا، رفقاً بنسائكم، فإنهن مثلكم وأكثر، وليس لهن ذنب فيما أنتم فيه. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء..
ويدرج محمد الشهادة من صفحة Ahmad G Adwan. متابعة ونصها:
«طلعت ع الشارع قبل شوي وهي رجعتي من برا، بدوّر ع اشي، وأنا مروح أقسم بالله شب دبح مرتو من الكتل في الشارع، وقعد يكفر.. رحت بحكيلو اتقي الله حرام عليك؛ رد عليَّ ومش حرام اللي بيصير فينا، مديت ايدي أعطيه اللي فيه نصيب، قلي بديش مصاري بدي آكل.
مرتو بتقلو خد من الشاب واشتريلنا أكل، طلقها؛ أقسم بالله طلقها ومشى».
أما سماهر الخزندار فتنشر في الأول من آب صورة كف يد امرأة غزية ذبلت وتكتب عنها ومنه:
«هذه الكف لسيدة كان لها ركنها الخاص في منزلها تشرب قهوتها مع قطعة الحلوى.. أصبحت تجلس في خيمة.. تنظر لأطفالها، فتتخيلهم يحترقون حولها، فتضيق نفسها، وبدلاً من احتضانهم تتشاجر معهم؛ لأنهم لا يفهمون لِمَ هي حزينة..».
عندما قرأت ما سبق تذكرت قصة سميرة عزام «لأنه يحبهم»، وتذكرت ثلاث روايات لغسان كنفاني قرأت فيها قصصاً مشابهة لما كتب عنه محمد وما أدرجه.
تعد قصة سميرة، التي توفيت في الثامن من آب ١٩٦٧، مثالاً جيداً لانعكاس نكبة ١٩٤٨على المجتمع الفلسطيني. ففيها نقرأ عن فياض الحاج علي الذي يفقد كرامته بعد أن فقد أرضه وتقرأ عن البغي والوغد واللص. وما يهمنا هنا هو الحاج فياض الذي صار يستلم الإعاشة ليبيعها ويسكر بثمنها، تاركاً زوجته وأطفاله الخمسة جوعى، ولما اعترضت زوجته وحاولت منعه، ضربها فماتت، لينفق بقية عمره في السجن وليتشرد أطفاله.
في الرواية الأولى من روايات كنفاني «رجال في الشمس» يترك والد الطفل مروان أربعة أطفال ويطلق زوجته بلا أي سبب «ثم يتزوج من تلك الامرأة الشوهاء.. لأنها تمتلك بيتاً من ثلاث غرف في طرف البلد». أراد الرجل أن يستقر في شيخوخته لا أن يجد نفسه مجبراً على إطعام نصف دزينة من الأفواه المفتوحة.. «ألم يقل ذلك؟» وحتى الأخ الأكبر زكريا الذي سافر إلى الكويت لينفق على أمّه وإخوته، انقطعت أخباره لأنه أراد أن يلتفت إلى نفسه، فطلب من أمّه أن يترك أخوه مروان المدرسة ليسافر إلى الكويت ويعمل هناك وينفق على أمّه وإخوته.
وفي الثانية «ما تبقى لكم»، يجن جنون زكريا عندما تعلمه زوجته الثانية أنها حامل، فيصرخ في وجهها غير مستسيغ ما قالته، وكان لا يزال يأمل في أن تتخلص من الجنين بطريقة ما، فهو يرى في المولود القادم قطعة صراخ جهنمية ستجعل من مريم «زجاجة حليب بشرية ليس أكثر».
وفي الثالثة «أم سعد» نقرأ ما تقصّه عن زوجها في زمن اللجوء الأول وعن سوء تصرفاته في بيته معها. «وحين كان يتعطل عن العمل يزداد فظاظة، ويأخذ في الذهاب إلى القهوة حيث يشرب شاياً ويلعب الطاولة وينهر على كل الناس، وإذ يعود إلى البيت لا يطاق، وكان ينام واضعاً كفيه الكبيرتين الخشنتين اللتين تملؤهما آثار الإسمنت والتراب، تحت رأسه، ويأخذ بالشخير عالياً، وفي الصباح يشاجر خياله، ويترك أم سعد تحضر أشياءها الفقيرة لتمضي إلى شغلها تحت سياط نظرات حانقة لا تفسر، وذات يوم شمّت أم سعد، مع لهاثه، رائحة الخمر.
ترى أم سعد أن سبب ذلك يعود إلى الفقر:
«- الفقر يا بن العم الفقر.. الفقر يجعل الملاك شيطاناً ويجعل الشيطان ملاكاً، ما كان بوسع أبو سعد أن يفعل غير أن يترك خلقه يطلع ويفشه بالناس وبي وبخياله؟ كان أبو سعد مدعوساً، مدعوساً بالفقر ومدعوساً بالمقاهرة ومدعوساً بكرت الإعاشة ومدعوساً تحت سقف الزينكو ومدعوساً تحت بسطار الدولة.. فماذا كان بوسعه أن يفعل؟».
هل أكتب شيئاً عن مخيمنا، مخيم عسكر القديم عرفت فيه قصصاً مشابهة، قصة الضرير مؤذن الجامع أو قصة أبو محمد الذي وظف خادماً للجامع؟ هل أكتب عن...؟
النكبة مستمرة، وقد بلغت ذراها في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.
حالة تعبانة يا ليلى ورحم الله زياد الرحباني!! هل ما زال مغني الأغنية جوزيف صقر على قيد الحياة؟
***
95- هوامش من وحي ما يجري في غزة: مـطـار أثـيـنـا وقـطـاع غـزة «في ذكرى محمود درويش»
في المقتلة وحرب الإبادة استحضرت الأحداث الجارية، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، أحداثاً شبيهة مر بها الفلسطينيون منذ ١٩٤٨، مع فارق في التوحش الذي بلغ مرحلة لم نعهدها من قبل، وكان من الطبيعي أن تستحضر الذاكرة النصوص الأدبية التي كتبت في الأحداث السابقة، وأن تتكئ عليها لتعزز مقولة الروائي إلياس خوري التي جعلها عنواناً لآخر كتبه «النكبة المستمرة»، وكنت في بداية هذا العام أتيت في حلقات على نصوص محمود درويش التي حضرت في المقتلة الحالية أكثر من غيرها.
لم تفارقني نصوص الشاعر بعد ذلك، فأكثر ما كتبت تضمن منها واقتبس من روايات غسان كنفاني، وكنت أشعر أحياناً أنهما كتبا بعض ما يجري الآن، علماً أن الأول توفي في ٩ آب ٢٠٠٨ والثاني اغتيل في ٨ تموز ١٩٧٢.
وأنا أكتب في ٤ أيار ٢٠٢٥ عن رواية عاطف أبو سيف «القبر رقم 49»، وهي رواية عن المقتلة الحالية، التفت إلى عوالم شخصياتها المتعددة وهواجسها التي تختلف من واحدة لأخرى، على الرغم من أنها كلها محاصرة وتعيش الواقع نفسه؛ الحصار والقصف وغلاء الأسعار والفقدان.
كانت للشخصية الفردية معاناتها الخاصة، إلى جانب المعاناة الجمعية، وكل شخصية تبحث عن حل لمشكلتها.
ذكرتني الرواية بقصيدة درويش «مطار أثينا» التي اقتبست منها مقطعاً ضمنته المقال، وفي المقطع يفكر كل فلسطيني، بعد خروجه من بيروت، بما يؤرقه؛ المقاتل أين سيقاتل، وزوجته الحامل أين تهديه طفله، والموظف أين يوظف ماله، وهذا ما لا يهم المثقف: مالي ومالك؟، وأما رجال الجمارك فيسألون القادمين: من أين جئتم؟ وإلى أين تمضون؟ وأين عناوينكم؟ وهنا تجيبه امرأة من جماعتنا: بقجتي قريتي. (الأيام الفلسطينية).
سوف أتابع في الأشهر الأخيرة صفحات غزيين مختلفة التوجه، وسوف أرصد كثيراً منها وأعتمد عليها في كتابة اليوميات التي لم أتوقف عن مواصلتها إلا في الهدن العديدة.
من آخر ما قرأته مثلاً كان عن الباقين في شمال القطاع المصرين على ألا يغادروا، لأنهم تربوا على فكرة البقاء، فارتقوا.
هكذا ارتقت، في الشجاعية، الصحافية مروة مسلم وأخواها معتز ومنتصر معاً، في ٢/ ٨/ ٢٠٢٥.
ما الذي يهم تاجر العملة مثلاً في المقتلة؟
كتب غزيون كثر عن العمولة التي يطلبها منهم تجار العملة، حتى يوفروا لهم سيولة نقدية.
إن ما يشغل التجار أولاً وأخيراً هو توظيف أموالهم واستثمارها وزيادتها.
لقد تفننوا في وسائل الاحتيال وتجبروا ليفرضوا ما يريدون، ومن أطرف أشرطة الفيديو شريط تصغي فيه إلى الآتي:
«- خذ ع التطبيق يللي ماشي ع الطريق.
- بدنا سيولة. بكم العمولة؟
- ٤٠ بالمية.
- ٤٠ بشيلوك بجهنم يحطوك. روح انقلع.
- ٤٠ بالمية. هذا حقي الشرعي الطبيعي.
يقول آخر:
- أنا بروح ب ١ بالمية ع الدار.
- لا! وحنلاحقك عليه. بس اصبر شوية».
في ٣ آب ٢٠٢٥ كتبت د.هيا فريج أن الصريف يأخذ منها ٥٢ بالمائة عمولة على راتبها.
وإن كان الشاب الذي يريد أن يتزوج في قصيدة درويش يبحث عن غرفة لفض بكارة عروسه، فإن أهل الموتى في غزة انشغلوا بالبحث عن مقابر لمن فقدوا وانشغلوا أيضاً بتوفير تكلفة الدفن.
لقد عزت القبور وارتفعت التكلفة. تحدث مواطن في شريط فيديو عن أزمة الدفن «والله ما في مقابر ندفن الناس، فلا حجارة ولا بلاط، وبعض الشهداء أعيدوا إلى الثلاجات. إننا نناشد أي أحد إيجاد مقابر. أقل شيء هو أن ندفن الموتى. هذا هو أقل واجب» (الفيديو عن صفحة Mariam Abu Dagga).
وعن الدفن وشاهد رخام القبر كتب أبو سيف في روايته.
الجائعون الآن في غزة، وهم مئات الآلاف، لا يتحدثون إلا عن الرغيف والحصول على الطحين والصراع عليه.
وماذا عن المقاتلين الذين رأينا أحياناً، في مشاهد أشرطة فيديو، لحظات عابرة لإقدامهم وجرأتهم وسمعنا بعض عباراتهم؟
في يومياتي كتبت عن نص غزة الغائب الذي لم نكتبه. لقد غاب هذا النص عن كتاباتنا؛ لأن من يقاتلون ما زالوا يقاتلون ولم يخرجوا إلى مطار أثينا ليسألوا:
- أين نقاتل؟
وماذا لو نظرنا في صفحات بعض أبناء الضفة أو فلسطين في ١٩٤٨؟
أحد طلابي، وهو مصباح الحاج محمد، صار منذ ١٥ عاماً تقريباً معلم حكومة لا يقبض راتبه في موعده، وإن قبضه لا يصرف له كاملاً، وهو غالباً ما يكتب عن الرواتب وموعد الصرف ونسبته وما للمعلمين من ديون على الحكومة، وأما ما ينشغل به أهلنا في مناطق ١٩٤٨ فهو تفشي الجريمة التي يزداد عدد ضحاياها شيباً وشباناً، ذكوراً وإناثاً و..
وحالة تعبانة يا ليلى، ورحم الله محمود درويش الذي تمر في هذه الأيام ذكرى وفاته، علما أنه كان فيما أكتب الأكثر حضوراً.
***
96- تصافح الأعداء: مصافحة مرأة (ويتكوف)
في ٤/ ٨/ ٢٠٢٥ تم بث شريط فيديو لمقابلة أجراها شاب من قطاع غزة مع امرأة ذهبت إلى مركز توزيع المساعدات، علّها تحصل على طحين، لتطعم أبناءها، خاصة بعد أن تم تحديد أيام للنساء، ففي الأيام الأسبق كان الرجال والنساء يذهبون معا ما يسبب مشاكل في أثناء التدافع، عدا صعوبته وخطورته، فغالبا ما أطلق أفراد جيش الاحتلال الإسرائيلي وقسم من الأميركان، النار على الموجودين، فاصطادوا العشرات، حتى لصار عدد القتلى، في اليوم، يتجاوز المائة، عدا الجرحى.
عندما أثيرت ضجة في وسائل الإعلام العالمي وصار الغزيون يحمّلون المسؤولية للإسرائيليين والأميركان معا، وعندما عرف الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) شيئا من زوجته التي عبرت عن مشاعر سلبية، ذهب المبعوث الأميركي (ويتكوف) ليرى ما يحدث هناك بعينيه وليخبر، من ثم، رئيسه.
أراد (ويتكوف) رسول العناية الإلهية الأميركية، ولكي تلتقط له صور مع فلسطينيات تظهر عكس ما تقوله وسائل الإعلام، أن يقابل امرأة، ليتحدث معها وليسمع منها مباشرة.
تقدمت المرأة التي اختيرت، بعد أن فتشوها، وصافحت (ويتكوف)، وشاعت القصة ودار حولها جدل بعضه أساء للمرأة، ما دفع شابا إلى مقابلة المرأة، لنسمع منها الحقيقة، ولكي يدافع عنها.
ويستطيع المتابع أن يرصد الجدل في كتابات عديدة بدأتها بمنشورين من يومياتي عن الحرب، في ٥ و٦/ ٨/ ٢٠٢٥ تحت عنوان «غزة 669 وغزة 670: مصافحة المرأة (ويتكوف).
بخصوصي، فقد استحضرت الحادثة في ذهني أحداثا وقصصا وروايات فلسطينية وعالمية دار أيضا حولها جدل وسال فيها، في زمن الكتابة الورقية، حبر كثير.
ولعل أبرز تلك الأعمال قصة طويلة فرنسية شغف بها الفلسطينيون والعرب وهي قصة (فيركور) «صمت البحر» التي كان طه حسين عميد الأدب العربي أول من نقلها عن الفرنسية وكتب عنها، وبعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ أعيدت طباعتها في مصر مع مجموعة إميل حبيبي «سداسية الأيام الستة»، كما طبعها في نهاية ٧٠ القرن ٢٠، في رام الله، الكاتب أسعد الأسعد الذي تأثر بها في قصته الطويلة «غياب».
في «صمت البحر» التي يجري حدثها في فرنسا، إبان الحرب العالمية الثانية، ترفض الشابة الفرنسية الحديث مع الجندي الألماني المحتل؛ لأنه محتل.
طبعا شتان بين وضع الشابة الفرنسية والمواطنة الفلسطينية في غزة، فالأولى ظلت تقيم في بيتها ولم ينقصها الطعام، والثانية دمر بيتها ونزحت لتقيم في الخيام، ولتحرم من الطعام، فتجوع ويجوع زوجها ويجوع أطفالها، وتضطر إلى أن تصافح عدو شعبها، فالجوع كافر، بل أبو الكفار.
ومنذ العام ١٩٤٨ والفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي يفضلون البقاء في وطنهم على مغادرته والعيش في المنافي التي جربوها كلها فوجدوها أشبه بمسامير بوذي هندي على رأي إميل حبيبي.
كان الباقون من الفلسطينيين، إثر نكبة العام ١٩٤٨، مضطرين لأن يعملوا في التعليم والمزارع والمصانع والمطاعم والفنادق الإسرائيلية، ولقد آثار هذا في حينه بين نخبهم جدلا واسعا تحدث عنه حبيبي في مقابلة أجريت معه ونشرت في مجلة «مشارف» في حزيران ١٩٩٦، ومما قاله إنه ورفاقه في الحزب وقفوا ضد العمال والمعلمين، ثم اكتشفوا لاحقا أنهم كانوا على خطأ، فالناس يريدون أن يأكلوا ويمكن لهم المقاومة بالصمت، ليظلوا صامدين في أرضهم ولا يهاجرون.
في الجزء الثاني من سيرتها «الرحلة الأصعب» تروي الشاعرة فدوى طوقان ما لا يذكر حادث مصافحة المرأة إزاءه.
بعد هزيمة ١٩٦٧ يطلب (موشيه دايان) وزير الدفاع الإسرائيلي من رئيس بلدية نابلس حمدي كنعان أن يزوره في بيته، مصطحبا معه العلامة قدري طوقان والشاعرة فدوى طوقان، ويذهب الثلاثة معا إلى تل أبيب ويلتقون بالوزير وابنته الكاتبة (ياعيل) ويتحدثون في الأوضاع الجديدة. وتصاب فدوى بالرعب وتطلب من مصطحبَيها أن يعلنا عن الزيارة فالمخبأ بندوق، وتذهب إلى ما هو أكثر من ذلك فتحكي عن رسالة حملها إياها الوزير للرئيس المصري جمال عبد الناصر، وقد أتيت على هذا وبالتفصيل في مقالي «فدوى طوقان وموشيه دايان» (الأيام الفلسطينية ١٢/ ١١/ ٢٠١٧)، بل وتكتب فدوى بالتفصيل عن لقاء وجهاء مدينة نابلس ومثقفيها مع الحاكم العسكري للمدينة. (أنظر مقالي «تداعيات حرب ٢٠٢٣: الاحتلال الإسرائيلي الرحيم المريح ٢٦/ ١١/ ٢٠٢٣).
كم كتب أدباؤنا في الموضوع؟ وكم جدل خاضت الفصائل المتحاربة بخصوص قصص مشابهة منذ بداية الاحتلال؟ كم تجادلنا واختلفنا وتخاصمنا؟ والمرأة لا تريد شيئا سوى الحصول على الطحين لتعجنه وتخبزه وتطعم زوجها المريض وأطفالها، ولعنة الله على مندوب العناية الإلهية الأميركية وكل من أوصل الفلسطينيين إلى ما وصلوا إليه. إنها لا تختلف كثيرا عن بائعة السمك في مسرحية الكاتب الألماني (برتولد بريخت) «محاكمة لوكللوس». هل تتذكرون قصتها؟!
حالة تعبانة يا ليلى!
***
97- هوامش من وحي ما يجري في غزة: برتولد بريخت و«محاكمة لوكللوس» الإسرائيلي
في سبعينيات القرن العشرين، أعادت منشورات صلاح الدين في القدس طباعة بعض مسرحيات الكاتب الألماني (برتولد بريخت) ومنها «دائرة الطباشير القوقازية» و»الاستثناء والقاعدة» و»محاكمة لوكللوس»، ومنذ تلك الأيام، صار اسم المؤلف معروفا لقراء فلسطين المحتلة، ولما سافرت إلى ألمانيا درست، مع أستاذ متخصص في مسرح (بريخت)، ويدرسه ويكتب عنه، درست المسرح الملحمي.
ركز الأستاذ على ثلاث مسرحيات هي «الأم الشجاعة وأبناؤها» و»الرجل الطيب من سيزوان» و»دائرة الطباشير القوقازية» وطلب منا ابتداء، قبل الشروع بقراءة المسرحيات الثلاث ومناقشتها، أن نقرأ كتابا صغيرا لـ(بريخت) عن مسرحه واختلافه عن مسرح أرسطو التقليدي؛ مسرحه الذي عرفناه أيضا من خلال مسرح سعد الله ونوس ومنه «سهرة مع أبي خليل القباني» و»حفلة سمر من أجل خمسة حزيران».
لم أدرس مع الأستاذ مسرحية (بريخت) «محاكمة لوكللوس»، ولكنني منذ قرأتها سنة إصدارها ظلت عالقة في ذهني، ولطالما استحضرتها في خربشاتي عن حروب غزة المتتالية منذ العام ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩، واستحضرتها أكثر يوم كتبت عن أسطر نشرها ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي ونسبوها لمحمود درويش. يومها كتبت خمس مقالات متتالية عن انتحال الأسطر التي غنتها كارول سماحة ففجرت ضجة «ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتظل تلك العجوز تنتظر ابنها... «(راجع الأيام الفلسطينية في آذار ١٢ و١٩ و٢٦ ونيسان ٢ و٩ من العام ٢٠٢٣).
مؤخرا، شاهدت مقابلات مع أمهات أسرى إسرائيليين، ومؤخرا، أصغيت إلى شريط فيديو يتحدث فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) عن الدور المنوط به في توسع إسرائيل، ومما قاله:
«أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحية نيابة عن الشعب اليهودي».
قال ما سبق بعد أن قالت (عيناف) والدة الأسير (متان تسنغوكر) في ٧/ ٨:
«لقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة. هذا المساء، نتنياهو وشركاؤه يريدون أن يفرضوا الموت على متان ابني، وعلى جميع الأسرى الأحياء، يريدون أن يحكموا على الأسرى القتلى بالاختفاء الأبدي.
نتنياهو وحكومته الملطخة أيديهم بالدماء ينوون إرسال جنودنا إلى حتفهم في غزة. يجب أن نوقف هذا الجنون.
ابتداء من هذا المساء سنجتاح الشوارع في أنحاء البلاد معا... نتنياهو كذب عليّ، لقد كذب علينا جميعا، ليس لدى نتنياهو أي نية لإعادة أبنائنا، لقد قرر قتلهم، وحكم علينا بحرب أبدية، وبمستوطنات من أجل بن غفير وسموتريتش ..»
في ١٨/ ٨ نشر مؤمن مقداد عن الصحف العبرية الآتي:
يعكوف شقيق الأسير ألكاناه بوحبوت:
«إن كان بن غفير يعتبر نفسه بطلا فليضع نفسه مكان أخي. على القائد أن يتصرف بقدر من الحكمة والتعقل، خصوصا بعد أن عرفنا أن كل خطوة يقوم بها بن غفير تنعكس على الأسرى سلبا، إذا كان همه هو إهانة الآخرين، فهل من المنطقي أن يكون ذلك على حساب ومعاناة الأسرى؟».
ما سبق من آراء صدرت عن قائد يخوض حربا بحثا عن مجد، دون أن يكترث لإزهاق أرواح الجنود، أعادني إلى مسرحية (بريخت) التي نقرأ فيها عن قائد لا يختلف عنه (نتنياهو) كثيرا، ونقرأ عن أم أيضا لا يختلف ما قالته له كثيرا أيضا عما قالته (عيناف) والدة الأسير (متان تسنغوكر) للثاني.
في مسرحية «محاكمة لوكللوس» يجري حوار بين القائد العظيم (لوكللوس) وبين الأم بائعة السمك التي تنتظر عودة ابنها من الحرب:
«- لوكللوس: يا له من سؤال! هل كان عليّ أن أزحف بجيوشي، لكي اقتنص كرسيا جديدا لبائعة السمك؟
- بائعة السمك: إن كنت لم تجلب لنا شيئا إلى سوق السمك، فقد أخذت من سوق السمك أبناءنا».
- أنا اعترض على هذا الكلام. كيف يحكم على الحرب من لا يعرف شيئا عنها؟
- ولدي سقط في الحرب صريعا، كنت بائعة سمك في السوق عن ساحة (الفورو)، وذات يوم قيل لنا، إن السفن التي تحمل العائدين من الحرب في آسيا قد دخلت الميناء. أسرعت أجري من السوق ووقفت على شاطئ (التيبر) ساعات عديدة حيث كانوا يفرغونها، وفي المساء، كانت السفن كلها خاوية ولم يظهر ولدي على سطحها».
ترى هل اختلف المشهد المعاصر الذي نتابع أخباره يوميا عن المشهد الذي قرأناه في المسرحية؟
ولكي أكون في الكتابة موضوعيا، فإن هناك من أبناء قطاع غزة، ممن لهم مواقف معارضة لطوفان الأقصى، يحاكمون فيما يكتبون قادة «حماس» لما قامت به، وغالبا ما يعيرون مفاوضيها في الدوحة، بأنهم لا يعيشون الجحيم الذي يعيشه أبناء قطاع غزة، وأستطيع أن أذكر أسماء نشطاء كثر على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.
ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا، ولا عجب فالثنائيات، كما يقول أصحاب المنهج البنيوي، ثابتة ومحدودة منذ بدء الخلق تتغير مظاهرها/ بناها السطحية، أما البنية العميقة فواحدة تقريبا.
***
98- هوامش من وحي ما يجري في غزة تل الزعتر وبيروت وغزة وثلاث قصائد لمحمود درويش
في ٢٢ آب قرأت قصيدة محمود درويش «القربان» وسمعتها بصوته أيضاً، ورأيت أنها تقول لنا إن غزة هي قربان الفلسطينيين والعرب والمسلمين. هل كنت أبالغ؟
عندما أدرجتها في صفحتي عقّب على رأيي فيها أربعة هم: شمس محمد رباع إحدى طالباتي في قسم اللغة العربية، والدكتور خالد الجبر المتخصص في الأدب العربي وهو شاعر وناقد أصدر كتابين عن محمود درويش، والناشطان سليم البسط وتوفيق أبو سعدة وهما من الضفة الغربية.
كتبت شمس:
«نعم هي كذلك. غزة هي القربان وهي وحدها من دفعت وما زالت تدفع الثمن».
ورأى الدكتور خالد أن القصيدة تصدق تماماً على الحال الحاضر، كما صدقت على أحوال قبله... «نعيش هذه الحالة منذ ٨٠ سنة».
وكان سليم البسط حاداً فكتب: «بلا عرب - بلا مسلمين - بلا بطيخ - الكل معني بإنهاء غزة وعلى رأسهم ترامب كبيرهم الذي يشفط أموالهم».
وأما توفيق أبو سعدة فكان تعقيبه يمس شاعرية الشاعر. هل القصيدة شعر؟: «لو أعطينا هذا النص لمائة شخص لخرجنا بمئة فهم مختلف، وكلها تختلف عن قصد القائل، إن كان له قصد. فأي شعر هذا وأين البيان؟ ولو كتب بحروف صينية لما كان هناك فرق. هل تظن أن مثل هذا سيصمد للزمن بعد زوال العكازات؟»
والإجابة الأخيرة أعادتني إلى نظريات نقدية حديثة لست متأكداً من أن صاحبها - أي الإجابة - ملم بها - أي بالنظريات -؛ نظريات ترى أن فهم النص يتكئ على ثقافة القارئ وتجربته ولا تلتفت إلى قصد المؤلف.
وكما يعرف الملمون بالنقد فإن هناك مناهج، مثل المنهج الاجتماعي، كانت تقرأ النص بناء على قصد مؤلفه [مؤلف > نص]، فإن التبس الأمر على القارئ سئل المؤلف، وظل الأمر كذلك حتى جاءت نظرية التلقي التي نقلت مركز الثقل من المؤلف إلى القارئ [نص > قارئ]، هذا إذا تجاوزنا بعض الأسلوبيات والمنهج البنيوي، وهي مناهج تقرأ النص على أنه نشاط لغوي، مركزة على النص فقط [نص].
شخصياً ربطت قصيدة «القربان» بقصائد محددة من قصائد درويش كتبها في ظروف مشابهة للظرف الذي يمر به قطاع غزة، ظروف حوصر فيها فلسطينيون لم يجدوا من يقف إلى جانبهم ليساعدهم في فك الحصار.
ثمة معاناة وموت، وثمة عجز وصمت واكتفاء بالمشاهدة وإصدار بيانات إدانة. وعندما كتب الشاعر «القربان» في ٢٠٠١ لم يكن الوضع مختلفاً. يومها كانت رام الله تحاصر كما حوصر، من قبل، مخيم تل الزعتر وبيروت.
هنا أشير إلى قصيدة «أحمد الزعتر» ١٩٧٦ التي كتبت في حصار مخيم تل الزعتر وسقوطه، وقصيدة «مديح الظل العالي» التي كتبت في حصار بيروت ١٩٨٢.
تعكس القصائد الثلاث البنية نفسها وتأتي على ثنائية الفدائي/ الآخرون، ويتجسد الآخرون في العدو والعالم العربي في القصيدتين الأوليين، والكهان في قصيدة «القربان».
في الأولى يخاطب أحمد الزعتر، وفي الثانية الظل العالي، وفي الثالثة القربان، والثلاثة يقاومون ويحاصرون وهم الأجمل والأبهى.
في القصيدة الأولى للفدائي الهتاف ووصايا البرتقال، والقصائد في النزيف، وتجاعيد الجبال، والزفاف، والمجلات الملونة، والمراثي المطمئنة، وملصقات الحائط، والعلم، والتقدم، وفرقة الإنشاد، ومرسوم الحداد، وكل شيء حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجهه. إنه وحيد أعدوا له، من المحيط إلى الخليج ومن الخليج إلى المحيط، الجنازة وانتخاب المقصلة.
وفي الثانية هو المسألة، له أن يكون ولا يكون، فكل أسئلة الوجود وراء ظله مهزلة، وله الكون، وهو خالقه، دفتره الصغير.
إنه يمشي من أسطورة إلى أسطورة علما. وهو سيد روحنا وسيد الكينونة المتحولة، وهو حرية التكوين وخالق الطرقات وعكس المرحلة، وليس له العروش- المزبلة.
إنه أوسع من بلاد الناس وأوسع من فضاء المقصلة، ووحده يدافع عن جدار ليس له، فالعرب باعوا روحهم وضاعوا وضاعت معهم لغتهم التي تفتش عن بنيها الأموات وتموت ككل ما فيها وترمى في المعاجم.
وفي الثالثة تظهر له صورة بهية لا تختلف. إنه كبش الفداء - فدائنا، وهو أيقونة للحائرين وزينة للساهرين شهيد وشاهد، ولد من نور ومن نار، وهو حبيب الله وابن شقائق النعمان واستعارتنا الوحيدة فوق هاوية الغنائيين.
يضيء لنا الدم الزكي وكل ورد الأرض لا يكفي لعرشه. يحترق ليضيئنا، فقد تمطر السحب القديمة من نوافذ حرفه العالي «كن نور البشارة واكتب الرؤيا على باب المغارة واهدنا درباً سوياً».
به يأمل الشاعر أن يحتفل كل ما يخضر من شجر ومن حجر... الخ.
ويمكن، لو كان هناك مساحة أوسع، الكتابة عن الصورة السلبية للآخرين.
ترى لو كان الشاعر نفسه حياً، ماذا كان سيكتب؟ هل سيكتب قصيدة رابعة، إن بحثنا عن صورة الفلسطيني المقاوم فيها وصورة الآخر الإسرائيلي وصورة النظام العربي، سنكتب عن أربع قصائد لها البنية نفسها؟
***
99- هوامش من وحي ما يجري في غزة:
أدب رثاء البيوت والحارات وأشياء المنزل
المتابع لما يقوله أبناء قطاع غزة في وسائل الإعلام مثل الإذاعة وفي أشرطة الفيديو، ولما يكتبونه في وسائل التواصل الاجتماعي من نصوص ومنشورات، سيقرأ مراثي لبيوتهم وأشيائها، ما يذكرنا بقصيدة محمود درويش «البيت قتيلا» التي ظهرت في ديوانه «أثر الفراشة» (٢٠٠٧)؛ القصيدة التي انتبهت إليها في ٢١ تموز ٢٠٢٤، فأدرجتها على صفحتي وعدت لأدرجها ثانية في ٦/ ٨/ ٢٠٢٤ وأكتب فقرة عنها أنبه فيها أبناء قطاع غزة إلى الموضوع، وأظن أن قسما منهم كتب فيه، بل هناك من استحضر نصوصا شعرية عربية قديمة في رثاء الديار وقرأها على أنقاض بيته.
في نهاية آب والأول من أيلول ٢٠٢٥، قرأت نصوصا لأكرم الصوراني وديانا الشناوي وشجاع الصفدي عن بيوتهم وذكرياتهم فيها، وأصغيت إلى محمد عمران الأسطل يتحدث عما ألم بمنزله ومنازل عائلته. وقبل هذا وذاك، شاهدت شريط فيديو للأستاذ الجامعي محمود عبد المجيد عساف يقف على أنقاض بيته متحسرا على مشروع العمر ضاربا رأسه في بقايا الجدران راثيا أوضاعه التي آل إليها.
يكتب أكرم نصا لافتا عن الأيام الأخيرة له، ولزوجته ولابنه خالد ولابنته كارمن، في البيت قبل النزوح منه، يفتتحه بالآتي:
«كل الشبابيك بتزكرني فيك وأكثر شيء بحبه بهالبيت هوي الشبابيك..!
الأغنية التي أدمنتها «ودانك ووداني»
يبدو ستصبح غصة العمر يا أماني».
يكتب أكرم عن زوجته التي أخذت في الأسبوع الأخير من آب تطوي البيت، فيما كان هو يتأمل ما تفعله، ويستغرب تماسكها وهي تجرح قطعة من روحها وجوارحها، رائيا في ذلك أنها قد تعودت أو أنها قد تبلدت، ويدهش من طاقتها في ترتيب الأشياء وتصفيط الملابس وكتابتها لاصقا عليه اسم الشيء. ولم يطل تماسك الزوجة فقد انهارت. كأنها كانت تعد مراسم تشييع البيت وإقامة عزاء له. وهنا بدأ أكرم يدرك أن روح الدار كلها أخذ ينهار: «الأدوات الكهربائية لم نسمع لها صوتا منذ وقت، الغسالة، الثلاجة، التلفزيون، المكنسة، خلاط المولنكس، التكييف، السماعات وجهاز الصوت كأن على رؤوسهم الموت».
في ليلة وداع البيت التي كانت ليلة قاسية نام على بلاط أرضية المطبخ، وللبلاط قصة.
يرثي أكرم مكتبة والده ويتخيل أن للدرج قلبا يكاد ينفجر، إذ لم يتحمل خبر الإخلاء. ويبدو له أن أعراض حمى النزوح، ستلازمهم عمرهم القادم. «يبدو أن هذا الوقت هو آخر عهدنا بالبيت.. هي إذاً قيامة النزوح.. أو هو إذاً نزوح الروح».
أما ديانا الشناوي فتصف مغادرة بيتها كما لو أنها اقتلاع جزء من روحها، فالجدران ما زالت تحتفظ بظلها، والممرات تردد وقع خطاها، والنوافذ التي شهدت صمتها وحنينها تغلق خلفها كعيون دامعة.
وماذا عن رائحة الخبز التي كانت تعبق في الصباح؟ إنها تختفي، وأما صوت ضحكاتها القديمة فيذوب في الفراغ.
في بيت ديانا كل زاوية تعرفها، وكل حجر يذكرها بما كانت عليه، ومع ذلك ترحل وتمضي نحو المجهول محملة بوجع لا يهدأ: «كأنني أساق إلى التيه بلا خريطة ولا وعد بالعودة».
وماذا تجد في الخارج؟
«ضباب وسواد وغصة تنحت القلب حتى تشق الروح». فهل تيأس؟: «ومع ذلك يظل في داخلي باب يفتح صدري» و»وردة لا يذبلها الخراب».
شجاع الصفدي الذي قضى حياته حريصا حد الهوس على كل قصاصة ورق وكل هدية، وكان لديه انتماء مخيف للأشياء التي تحمل طابع الذكرى، وقد أورد ذكرها، شجاع صار يحتاج بعض الورق يوميا لتشتعل النار. لم يعد يكترث بخسارة شيء، وسيخاطب ابنه، الذي يحضر له الأوراق ليختار منها ما يمكن حرقه، قائلا: «احرق ما شئت.... احرق ذكرياتي، احرق قصاصاتي، احرق أي شيء من هذه الأكوام المكدسة في بقايا مكتبي. ثروة العمر من الذكريات لم تعد تساوي شيئا، دعها تحترق فتساعدنا قليلا قبل أن نتركها وتحترق بلا جدوى».
إن ما يراه شجاع الآن يشعل حرائق في القلب «ولهذا يخاطب أهل قطاع غزة: «احرقوا الذكريات بأيديكم، قبل أن تحترق قلوبكم عليها».
ويبدو، بخلاف ديانا، متشائما ومثله الدكتور محمود عبد المجيد عساف الذي تحسر على شقاء العمر؛ على منزله وعلى مكتبته التي جمع كتبها خلال خمسة وأربعين عاما، فبكى وضرب رأسه في الجدار، وعندما نزح مؤخرا تمنى أن يعجل الله بأخذ وديعته.
محمد عمران الأسطل مراسل إذاعة أجيال حكى، قبل ستة أيام، في رسالة صوتية له لإذاعة «أجيال»، بحسرة عن فقدانه منزله. حكى عما قاله له ابن عمه عبد الرحمن الذي فقد منازل له ولأبنائه من أن منزل المرء هو كعبته وأقصاه ولا يقل عن الكعبة والأقصى والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وحكى عن حلم ابنته دانة ابنة السابعة عشرة عاما من عمرها: أن تعود إلى المنزل وتنام في سريرها؛ ولكن المنزل دمر فدمر معه الحلم.
أول من أمس الجمعة، في الخامس من أيلول، تم تدمير برج مشتهى في مدينة غزة والقصد هو تهجير الفلسطينيين من القطاع، وفيه كتب كتاب كثيرون منهم اكرم الصوراني ويسري الغول، وتحسر عليه سكانه وبكى الرجال، كما في شريط فيديو بثه شاب يودع شقته في البرج. قبل الجدران ودعا الله، وهو يغادرها، أن يعيده إليها، وبكى .. نعم بكى.
حالة تعبانة يا الله!
يتبع
***
100- هوامش من وحي ما يجري في غزة : عيسى العوام
في العام ١٩٧٩ كتبت قصة قصيرة عنوانها " هل مات العوام غرقا ؟ " عبرت فيها عن الواقع من خلال استلهام التاريخ ، وكان الدافع للكتابة بالدرجة الأولى التهرب من الرقابة الإسرائيلية على الصحافة الأدبية ، إذ كان الرقيب يشطب كثيرا من القصص ذات الأسلوب الواقعي ، رائيا فيها تحريضا ، ما ترك أثرا سلبيا على بعض الكتاب وحال بينهم والنشر .
ولما كنت درست الأدب العربي وقرأت بعض قصص كتاب وظفوا التاريخ للتعبير عن الواقع ، مثل جمال أبو حمدان ، ومثل زكريا تامر و جمال الغيطاني اللذين أعادت منشورات صلاح الدين في القدس طباعة بعض أعمالهما مثل " النمور في اليوم العاشر " و " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " ، فقد سلكت مسلك هؤلاء ، وأسعفني في ذلك دراسة مادة أدب الحروب الصليبية ، فقد تماثلت بعض أحداث تلك الفترة مع الأحداث المعاصرة . ولعل أهم حدث هو توقبع اتفاقية كامب ديفيد التي ذكرتني بقصة الملك الكامل والصلح الذي عقده مع الصليبيين ، وكان ذلك قبل أن أقرأ قصة الكاتب الإسرائيلي ( أ. ب. يهوشع ) " أمام الغابات " وكتاب أمين معلوف " الحروب الصليبية " .
من الشخصيات التي استحضرتها عيسى العوام الذي أسهم في تخفيف الحصار عن عكا المحاصرة . استحضرتها لأكتب من خلالها عن حصار الاحتلال الإسرائيلي على مواطني الضفة الغربية ، حيث ضيق الخناق على من يحضرون الأموال من الخارج ويوزعونها على بعض أهل الضفة الغربية ، ممن قاوموا الاحتلال .
عندما أعدت مؤخرا قراءة قصتي لاحظت أنها تكتب عن الواقع المعاصر وقليلا ما كتبت عن فترة حصار عكا ، إذ اقتصرت الكتابة على استحضار الحدث وشخصية عيسى العوام . ويعود السبب في ذلك إلى أنني لم أقرأ بما فيه الكفاية عن شخصية عيسى وعن عكا تحت الحصار ، وعندما نشرت في آخر اب ٢٠٢٥ فقرة عن عيسى وما قام به كتب لي الدكتور جمال جودة أستاذ التاريخ الفقرة التالية :
" أهل غزة الآن بحاجة إلى عيسى ذو الأنفاق !!!
ويذكر ابن شداد أنه لما حاصر الإفرنج عكا ، فإلى جانب مهمات عيسى العوام ، قام أهل بيروت أو أهل لبنان بتجهيز مركب بالمواد التموينية والأسلحة ، ولبس الذين في المركب الصلبان ، وحملوا معهم الخنازير ، ولبس الجميع لباس الفرنجة ، واتجهوا بمركبهم هذا إلى عكا ، وانخدع الفرنجة بهم وظنوهم منهم ، ودخلوا عكا ليلا ، وأمدوا سكانها المحاصرين بما يحتاجونه ؟!؟! ... أيذكرنا هذا بوقوف بيروت ولبنان إلى جانب غزة ومساندتهم !؟!؟!؟ هذه جوانب إيجابية سجلها مؤرخونا ، ولكن اذا درس تاريخنا بمنهجية علمية ستنقلب الطاولة على غالبية .... !؟!؟ " .
والسؤال هو ما علاقة ما سبق بما يجري في غزة ؟
عندما فاجأت حماس العالم بطوفان الأقصى وحاصرت إسرائيل القطاع وشنت عليه حرب إبادة وجوعت سكانه أخذوا يستنجدون بالعرب والمسلمين ، لعل هؤلاء يساعدون في فك الحصار ومنع التجويع بمد أهل القطاع بالمواد الصحية والمواد الغذائية التي صارت تنقصهم بشكل لافت ، ولا أريد أن أتحدث عن شعور الفلسطينيين بالخذلان وتخلي العرب عنهم .
بعض الدول العربية قامت - بموافقة إسرائيلية طبعا - بإنزال مساعدات على المحاصرين من خلال الجو . كأنما تقول هذا هو أقصى ما نستطيعه أو ما نقدر عليه أو كأنما تريد أن تسجل موقفا للتاريخ أنها لم تتخل عن الفلسطينيين في حصارهم .
هل كان ما قامت به هذه الدول يشبه ما قام به عيسى العوام ؟ وهل سيكتب التاريخ لاحقا إن روح الرجل حلت بمن قام بإنزال المساعدات ؟ وهل رأت حركة حماس في عملية الإنزال موقفا إيجابيا أم أنها رأت فيها حركة مسرحية ؟
وأنا أصغي إلى شريط فيديو لمقدم برنامج في تلفاز عربي لاحظت أنه أتى على مسؤول حماس خليل الحية وموقفه من الإنزال . هاجم مقدم البرنامج الحية هجوما قاسيا مدافعا عن بلده ، وهذا ذكرني بمواطنة مصرية هاجمت في بداية الحرب حركة حماس وما أقدمت عليه فردحت متسائلة إن كانت الحركة أخذت رأي مصر فيما أقدمت عليه ، وذهبت إلى أن الفلسطينيين ورطوا أنفسهم ويريدون توريط العرب .
المشهد هذا كله دفعني لأن أكتب تحت عنوان :
" التاريخ حين تكذبه الوقائع "
وقد أتيت على بعض أشرطة تصور ما يجري في غزة ؛ أشرطة يعبر فيها المتحدثون عن شعورهم بالمرارة والخذلان من العرب والمسلمين . في أحد هذه الأشرطة تري امرأة ما حصلت عليه لتطعم زوجها المريض وأطفالها ، وما حصلت عليه ليس سوى كراتين فارغة ، وفي شريط ثان تصرخ امرأة ثانية في وجه الصحفية مريم أبو دقة التي استشهدت لاحقا :
- لمين بتصورينا ،؟ لمين ؟ حسبي الله في اللي كان السبب "
فيما كتبته أنا تساءلت :
- ماذا سيكتب مؤرخو الأنظمة العربية عما يجري في غزة ؟
وتذكرت ما قاله ( كارلوس فونتيس ) لكاظم جهاد في مقابلة أجراها الأخير مع الأول نشرت في مجلة الكرمل في العدد ١٨ وكنت كتبت عن المقابلة مقالا في جريدة الشعب المقدسية في ٢٠ / ١ / ١٩٨٧ استعرت عنوانه من عنوان المقابلة وهو :
" كارلوس فونتيس : تقول الرواية ما يحجبه التاريخ " ، وهذا يعني أن ما قرأناه من تاريخ رسمي حجب تاربخ الناس العاديين . هل ستقرأ الأجيال القادمة عما قام به عيسى العوام في حصار غزة ؟
ربما وجب أن يكتب روائيوها روايات الناس العاديين الذين نزحوا وتقطعت أوصالهم وقتلوا وجرحوا وجاعوا ونهشت جثث موتاهم الكلاب و .. !
لقد صدق ( فونتيس ) حقا .
( الأربعاء ٣ / ٩ والثلاثاء ٩ / ٩ / ٢٠٢٥ )
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٤ / ٩ / ٢٠٢٥
في الأسبوعين الأخيرين قرأ المتابعون لما يجري في غزة أخبار القتل الجماعي الذي لا يدخل رأس عاقل، وبلغ الأمر أن تظاهر في تل أبيب، مساء الأحد ٢٥/ ٥/ ٢٠٢٥، بضعة آلاف من الإسرائيليين، ضد الحرب وضد الإبادة الجماعية في غزة، وأغلقوا مفرق عزرئيلي رافعين شعارات «الحرية لغزة» و»أطفال غزة يستحقون الحياة».
في ٢٢ أدرج ناشط غزاوي، في صفحته، مناشدة وصلته لإنقاذ أطفال محاصرين في منطقة الأوروبي هذا نصها:
«أفاد اليوم نازحون تمكنوا من الخروج من منطقة الأوروبي بأن رامي أبو لبدة وزوجته دنيا أبو لبدة شوهدا مقتولين على باب منزلهما (يعتقد من الكوادر كابتر) والزوجان لديهما ثلاثة أبناء أطفال أكبرهم ٤ سنوات وأصغرهم سنة ونصف ما زالوا داخل المنزل بدون أي شخص بالغ لرعايتهم. نناشد كل من لديه القدرة (الصليب الأحمر، الأوتشا، منظمة الصحة العالمية، أو أي جهة أخرى) للمساعدة في إنقاذ هؤلاء الأطفال وإخراجهم من المنطقة».
الخبر الصاعق الذي هز الجميع هو ما ألم بالدكتورة آلاء النجار أخصائية الأطفال في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي التي لديها عشرة أبناء أكبرهم لم يتجاوز 12 عاماً.
خرجت الدكتورة آلاء مع زوجها الدكتور حمدي النجار ليوصلها إلى عملها، وبعد عودته إلى بيته بدقائق سقط صاروخ على منزله، فاستشهد تسعة من أطفاله وأصيب هو وطفله آدم، الطفل الوحيد المتبقي، ويرقد حمدي في العناية المركزة.
لقد ارتقى كل من يحيى وركان ورسلان وجبران وإيف وريفان وسيدين ولقمان وسيدار.
عندما قرأت الخبر الأخير عقبت «ما يجري في غزة يفوق قدرة عقولنا على التصور وقدرتنا على الاحتمال أيضاً».
الذهول مما يجري ذكرني بقصة الكاتب اليهودي التشيكي (فرانز كافكا ١٨٨٣ - ١٩٢٤) «بنات آوى وعرب» التي أثير، في العالم العربي، حولها وحول كاتبها، ضجة كبيرة سببها الاشتباه بمؤلفها إن كان صهيونياً ينتقص من العرب، لا يهودياً وحسب.
لقد وصف ابن آوى الكبير، للرجل القادم من الشمال، العرب، بأنهم، خلافاً لأهل الشمال، ينقصهم الفهم، فلا تحس لديهم ذرة عقل «إنهم يقتلون الحيوانات ليفترسوها، ويسيئون استخدام الجيف».
بنات آوى لا تخاف العرب، ومن سوء حظها أنها مطرودة من شعب كهذا. ومع أن الرجل القادم من الشمال لا يدعي رأياً في الأشياء التي تقع بعيدة عنه، إلا أن ما يبدو له هو «أن ثمة خصومة قديمة جداً تقع في الدم، وربما ستنتهي كذلك بالدم».
قرأ القصة قراء عرب عديدون قراءات مختلفة واختلفوا في تأويلها وتحديد مدلولاتها.
هل دال «بنات آوى» رمزي أم لا؟ ثم ما الذي جعل كافكا يختار العرب، دون غيرهم من الأمم والشعوب، ليكتب عنهم، هو الذي لم يزر فلسطين كما قيل ؟ وهل كان يؤمن بنظرية الدم هو الذي شنع في الكتابة عن والده، حين كتب رسالة إليه «رسالة إلى والدي» - علينا هنا أن نميز بين مؤلف القصة وراويها القادم من الشمال -، فكافكا اختار العزلة والوحدة، ولم يشارك في نشاط عام للحركة الصهيونية - علما أنه شهد بزوغ الحركة الصهيونية - بل وهو الذي كتب باللغة الألمانية، لا باللغة التشيكية، مع أنه من سكان براغ، أو اللغة العبرية، مع أنه ولد لعائلة يهودية في مرحلة بدء بعث اللغة العبرية؟
في العالم العربي كتب في موضوع كافكا، فيما يخص الجانب المشار إليه، الكثير، ولا يخفى على القراء كتاب بديعة أمين الدارسة العراقية «هل ينبغي إحراق كافكا؟» ولا يخفى على العرب الملمين بالألمانية ما كتبه الدارس السوري عبده عبود، في كتابه «تلقي الرواية الألمانية باللغة العربية»، عن الجدل في العالم العربي حول كافكا، بل ولا يخفى على قراء الرواية الألمانية المترجمة إلى العربية جهود مترجمين كثر لرواياته وقصصه وإعجابهم بها، وبلغ الأمر أن ترجمت رواية «التحول / المسخ» تسع ترجمات عن لغات مختلفة؛ الإنجليزية والفرنسية والألمانية والتشيكية.
فيما يلاحظه متابع المشهد السياسي في الدولة الإسرائيلية يلحظ المرء انعطافاً نحو اليمين المتطرف الذي يكره العرب ويدعو إلى طردهم من البلاد، ليس طرد أهل قطاع غزة وحسب، بل وطرد أهل الضفة الغربية وأكثر: طرد فلسطينيي المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨، وآخر استطلاع أجرته إحدى الصحف العبرية ذهب إلى أن ٨٢ بالمائة من المصوتين يؤيدون طرد سكان قطاع غزة وأن ٥٦ بالمائة يوافقون على طرد فلسطينيي ١٩٤٨.
لماذا ذهب راوي قصة كافكا إلى أن العداوة في الدم؟
لا أظن أن العداء والكراهية، في أثناء كتابة كافكا قصته، كانت كما هي اليوم. اليوم على الرغم من كل ما جرى، منذ ١٩٤٨ حتى الآن، هناك ١٨بالمائة في المجتمع الإسرائيلي يصوتون ضد تهجير سكان غزة و٤٤ بالمائة ضد طرد فلسطينيي ١٩٤٨، ولو كانت العداوة بالدم - إذا ذهبنا إلى أن دال «بنات آوى» دال رمزي يرمز لليهود - لكانت النسبة ١٠٠ بالمائة.
ترى هل كان كافكا يتنبأ حين ورد في قصته، على لسان ابن آوى الكبير، الآتي:
«- أنت ذكي جداً، وهذا الذي تقوله يلائم تعاليمنا التاريخية! يعني نسحب منهم دمهم وتكون الخصومة قد انتهت»
قلت متوحشاً، كما أردت:
سوف يقاومون! وسوف ينقضون ببنادقهم عليكم ويرمونكم أسراباً بالرصاص»؟.
الحكاية طويلة.
***
86- روح المؤلف ونصه: "كوانتوم" لأحمد أبو سليم
«كوانتوم» 2018 هي الرواية الثالثة للكاتب الفلسطيني المقيم في الأردن أحمد أبو سليم، وهو شاعر وروائي نشط درس الفيزياء في الاتحاد السوفياتي سابقاً، والتحق بالمقاومة الفلسطينية وبعد خروجها من بيروت عاش في المنافي إلى أن استقر في الأردن في 1992.
تجري أحداث «كوانتوم» في القدس إثر نكبة العام 1948 ويتواصل زمنها الروائي إلى ما بعد اتفاقات «أوسلو»، والرواية يسردها غير سارد بأكثر من ضمير، وكما تتعدد الشخصيات تتعدد ضمائر السرد وتراوح بدرجة كبيرة بين الضميرين؛ الأول- أي الأنا، والثاني- أي الأنا / أنت، ولكن روح المؤلف أبداً حاضرة في الرواية كلها.
وتحضر فيها، كما في القدس، شخصيات عربية ويهودية، وتصلح نموذجا لدراسة مرايا الذات والآخر وفق منهج المرايا المتعاكسة.
يقدم الفلسطيني تصوره لنفسه ويقدم تصوره لليهودي، كما يقدم تصور اليهودي لذاته وتصوره للعربي، وغالباً ما يقرأ المرء، في الرواية، التصورات المعروفة لليهودي، ولكن من منظور قومي. إن بعض الشخصيات تعتنق الفكر القومي وتنتمي إلى حركة القوميين العرب، وعموما يقرأ المرء كلمة يهودي لا كلمة صهيوني. وهنا قد يعترض معترض ويقول إن القوميين العرب ميزوا في خطابهم بين اليهود العرب واليهود الغربيين، وهذا ما لا يبدو في الرواية، فعلى أي أساس ذهبت أنا إلى ما ذهبت إليه. إن هذا الجانب ربما يحتاج إلى وقفة طويلة في مكان آخر، فالرواية لا تخلو من موقف من يهودي شرير (جدعون) يدعو بعض اليهود الفلسطينيين إلى الوقوف في وجهه معا.
الأهم ربما من الكتابة عن مرايا الذات والآخر في الرواية هو كتابة أستاذ فيزياء فن الرواية، وكتابة رواية عن مكان صلة الكاتب به قائمة، ولكنها عابرة، فقد زار أبو سليم القدس زيارة قصيرة وكتب روايته عنها، وحين يقارن المرء ما كتبه عن القدس بما كتبه أبناء المدينة المقيمون عن مدينتهم، مثل عارف الحسيني وعزام توفيق أبو السعود، يلحظ الاختلاف واضحاً.
على أن الأهم مما سبق هو النقطة الأسبق، وهي كتابة أستاذ فيزياء الرواية.
هناك من المناهج النقدية منهج يؤمن بوحدة النص وكاتبه، ويرى أن النص يعبر عن روح كاتبه، وهذا المنهج هو المنهج الوضعي ومن أعلامه (سانت بيف) و(هيوبوليت تين) اللذان لا يفصلان بين الكاتب ونصه، ويريان أنه كما تكون الشجرة يكون ثمرها، فشجرة الإجاص، كما كتب إميل حبيبي، لا تثمر الباذنجان. وهكذا فإن روح أستاذ الفيزياء تحضر في نصه على الرغم من أنه هو شخصياً غير حاضر في روايته. إن شخوصه درسوا الفيزياء وكان لموضوع دراستهم حضور كبير شغل أذهانهم وشغل ذهني قارئاً معهم، بحيث صرت مثلهم مهووساً بعنوان الرواية «كوانتوم» وأخذت أتابع قراءة الرواية لأعرف مدلول العنوان، وهو لا يتضح تماماً إلا مع قراءة الأسطر الأخيرة. حقاً إنه كلما واصلت قراءة الرواية أخذ المعنى يتضح رويداً رويداً، إلا أنك ستظل تجد تأويلات له حتى في الصفحات الأخيرة. وربما بدا العنوان غير لافت غامضاً لا يشجع على القراءة ومنفراً أيضاً وذا مدلول علمي لا صلة له بعالم الأدب، ولولا أن الناشر كتب في أعلى لوحة الغلاف كلمة «رواية» لظننت أن الكتاب ليس رواية وليس عملاً أدبياً، فإن كنت متخصصاً بالفيزياء ظننت أنه كتاب فيزياء ليس إلا.
ولسوف تحضر كلمة كوانتوم في الرواية في مواطن كثيرة، ويعزز هذا الحضور المقولة النقدية التي ترى أن العلاقة بين العنوان والنص علاقة مستمرة ومتواصلة ولا تنتهي إلا مع انتهاء قراءة النص. إن آخر صفحة ورد فيها دال العنوان كانت صفحة 385، والرواية تقع في 388 صفحة. والقارئ وهو يقرأ هذا الدال وتعريفه يعود إلى لوحة الغلاف التي صممها الفنان العراقي عدي حاتم، وكما أخبرني أحمد فإنه أرسل المخطوط إلى الفنان فقرأه بدوره وصمم لوحة الغلاف بناء على ما فهمه «مطر شتوي أسود» وهذا المطر الشتوي الأسود هو ما يفكر فيه العلماء الإسرائيليون في المبنى «M» في الجامعة العبرية للتخلص من خصومهم.
كانت هند التي تحركها قوة خفية، بعد العام 1948، تقود المقاومين عبر الأنفاق في القدس، للتسلل لمقاومة العدو، ثم يلقى القبض عليهم فيقتلون وتخضع هند لتجارب تؤدي إلى عطب في شخصيتها، وينشغل أهلها بمعرفة ما جرى لها، وما جرى لها ليس بعيداً عن المبنى «M» وما يجري فيه.
هل في هذا الكون عوالم أخرى تشبه عالمنا؟
وهل في العوالم الأخرى نظائر لنا تكملنا وتشبهنا وتوحي لنا بما علينا أن نفعله ونسلكه؟ هل هي صورتنا؟ هل هي الأصل ونحن الصورة أم العكس؟
ومع أن تتبّع مدلول العنوان في الرواية يحتاج إلى كتابة خاصة، ومع أنه يربك القارئ لتعدده، ويجعله- أي القارئ- مثل أبطال الرواية مهووسا بالكوانتوم وهلوساته، إلا أن الرواية تبدو رواية مختلفة.
والحقيقة أن ما شدني شخصيا في الرواية هو أسئلتها وأسلوبها وقوة عبارتها. وأنا أقرؤها استحضرت لغة غسان كنفاني وأسئلته وقوة عبارته في «ما تبقى لكم». كما لو أنك وأنت تقرأ «كوانتوم» تواصل قراءة كنفاني حقاً، وفي الصفحات الأخيرة تستحضر الأنا/أنت في أشعار محمود درويش:
«أأنت يا ضيفي أنا» و»من أنا بعد ليل الغريبة» و»أنا أنت .. في كل أنا أنت».
يصدّر أحمد روايته بالعبارة الآتية لـ (ماكس بلانك):
«لا بد من تقديم تفسير نظري مهما بلغت التكلفة وبأي ثمن» ويحضر (ماكس بلانك) وعبارته في الرواية على لسان الشخصيات، وهي كما ذكرت، تختلف عن الكاتب، في الصفحات 233/289/330، وإن عنى هذا شيئاً فإنما يعني ما ذهبت إليه في عنوان المقال ومقدمته، وهو وحدة النص وكاتبه، فمن يستطيع أن يقرأ هذي الرواية بمعزل عن قراءة كاتبها؟ ومن يستطيع أن يكتب هذي الرواية سوى متخصص بالعلوم والفيزياء؟
في مقال لفيصل دراج عن الرواية الفلسطينية المعاصرة ذكر ثلاثة أسماء روائية هي عاطف أبو سيف وأكرم مسلم ووليد الشرفا، ولا أعرف إن كان دراج قرأ أبو سليم، وأعتقد أنه صوت روائي يستحق أن يشار إليه؛ لأسلوبه وقوة عبارته وغزارة أسئلته وعمقها، وإن ظل سؤال الكتابة عن مكان لم يتشربه الكاتب ولم يلم بدقائق تفاصيله يراودني شخصياً.
***
87- هوامش من وحي ما يجري في غزة: حزيران وحزيران، وأكتوبر وأكتوبر.
أرادت غزة أن تحذو بطوفان الأقصى حذو مصر وسورية في أكتوبر١٩٧٣، فبدأت هجومها في ٧ أكتوبر كأنه استمرار لـ ٦ أكتوبر ١٩٧٣ أو كأنه الفصل الثاني من فصول الحرب واليوم التالي له، وأرادت إسرائيل أن تنسى أكتوبر سيئ الذكر لها فاحتلت نابلس المحتلة منذ التاسع من حزيران ١٩٦٧ واختارت ١٠ حزيران ٢٠٢٥ ليكون اليوم التالي لحربها الأولى. كأنها ترد «حزيران ٢٠٢٥ عن حزيران ١٩٦٧ ما بفرق».
هكذا رفعت القوات الإسرائيلية التي اقتحمت المدينة، واستباحت بلدتها القديمة، علمها، وأحلته، هذه المرة، محل العلم الفلسطيني، خلافا للمرة الأولى حيث أحلته محل العلم الأردني.
أرادت إسرائيل المتورطة في رمال غزة، حيث فقدت في الأيام الأخيرة عددا من الجنود، أرادت انتصارا سهلا ينسيها حربها منذ ٦١٣ يوما.
هكذا رأى محللون فلسطينيون خطوة إسرائيل.
منذ أيام، أخذنا نتندر، حاسدين أنفسنا على الهدوء الذي نعيشه، رغم حصار المدينة وإغلاق بواباتها، ذاهبين إلى أننا في نابلس مسالمون، ذلك أن أصول بعض عائلات المدينة أصول يهودية. ولا أعرف إن كان الأدب العبري التفت إلى هذا، التفاته إلى البدو الفلسطينيين الذين رأى فيهم صورة للعبرانيين الأوائل الذين أسلموا.
هل ستلجأ إسرائيل إلى إجراء فحص DNA لسكان نابلس كلهم لتتأكد من أصولهم؟
فقدت المدينة اثنين من أبنائها، وأصيب أكثر من عشرين مواطنا.
وفقدت غزة ما يقارب المائة من أبنائها بحثوا عن أكياس الطحين، فاختلط طحينهم بدمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
حصل الرجل على كيس طحين، فأصابته رصاصة لم تحل بينه وبين تمسكه بكيس طحينه حتى لو مات. صار الطحين، في غزة، إكسير الحياة، وكانت الطفلة الغزاوية ابنة الثانية تبكي تريد خبزا، وذهب الأب ليحضر، من بيته في الشجاعية، الطحين، ليطعم أبناءه وبناته السبعة وأمهم فارتقى وظل أبناؤه ينتظرونه. والصور القادمة من غزة لا تدخل إلى القلب إلا الوجع والألم والحسرة. «لم تكن غزة في يوم من الأيام كما هي الآن» كتب أستاذ جامعي، معلقا على مشهد أبناء قطاع غزة أمام مركز توزيع المساعدات.
الكتابة لا تغني عن أشرطة الفيديو التي تقول لنا أكثر وعليها اتكأت.
غزة حزينة ونابلس حزينة والطرقات في الضفة حزينة ونفسياتنا حزينة. صارت أحزاننا صحراوية مثل أحزان الكاتب الأردني المنتحر - بسبب هزيمة حزيران ١٩٦٧ - تيسير سبول وأكثر بآلاف المرات.
كما لو أننا في السادس من حزيران ١٩٦٧!
هل صارت غزة نسياً منسياً؟
وسائل التواصل الاجتماعي كلها، منذ فجر يوم الجمعة، منشغل نشطاؤها بالهجوم الإسرائيلي - الأميركي على إيران، وقلما ورد ذكر لما يجري في غزة، علما بأن موقع رام الله الإخباري نشر، قبل قليل، أن هناك غارات عنيفة على شمال القطاع، بخاصة جباليا.
الذهول والذهول فقط هو ما أصابني شخصيا، علما بأنني أتابع، بملل وضجر عجيبين، المنشورات، بحثا عن خبر معاكس. كأن ما ألم بـ»حزب الله» وبالدولة السورية تكرر اليوم في إيران، وكأننا نعيش أجواء حرب الأيام الستة - حزيران ١٩٦٧. لقد تحطمت الطائرات عند الفجر وحسمت المعركة في ست ساعات لتنتهي المعارك البرية في ستة أيام وتعرف تلك الحرب بحرب الأيام الستة.
في العام ٢٠١٦ كتبت «حزيران الذي لا ينتهي»، وعندما اجتاحت القوات الإسرائيلية في ١١/ ٦/ ٢٠٢٥ مدينة نابلس ربطت بين حزيران وحزيران وأكتوبر وأكتوبر. هل كنت متسرعا؟ فحزيران الذي تكرر هو ما وقع في الثالث عشر منه، لا في الحادي عشر. (كم أبدو بائسا، فأنا من مواليد الثالث عشر من حزيران!).
في تموز العام ١٩٨١، قصفت الطائرات الإسرائيلية المفاعل النووي العراقي - تموز، فسخر مواطن فلسطيني: أين الدفاعات الجوية التي تحمي المفاعل؟ ومما قاله إنه يمتلك عنزتين ويحرسهما جيدا. اليوم، حفلت تعليقات الناشطين بعبارات مشابهة: أين الدفاعات الجوية الإيرانية؟
غزة تجوع ويموت سكانها من قلة الطحين، وإن سعوا لإحضاره قنصهم القناصون الإسرائيليون، وأمس، ارتقى ما يقارب المائة مواطن غزاوي.
هل سترد إيران ردا مزلزلا؟
لست أدري!
كما لو أنني أعيش اليوم السابع من حزيران ١٩٦٧، علما بأن ما تلا اليوم السادس استمر واحدا وخمسين عاما وأكثر.
«طول عمرك يا زبيبة في (..) هالعودة» يقول مثلنا الشعبي.
***
88- هوامش من وحي ما يجري في غزة : " أنظر للناس يا الله "
في ٣٠ / ٥ / ٢٠٢٥ نشر شريط فيديو يظهر نزوح الغزاويين من جباليا البلد . ثمة رجل يجر عربة فيها بعض فرشات وألحفة ، وثمة امرأة ، تحمل على رأسها فرشة ، تردد " ما يشموا ريحة الجنان اللي كانوا السبب في هذه الحرب " . وثمة نسوة وأطفالهن يحملون أغراضهم . أكياس وجالونات وطناجر . وثمة شخص يجر دراجة/ بسكليت عليها أيضا أكياس ، وأما الأجواء فيملؤها غبار المباني من التفجيرات . رعب وصياح و .. والرجل الذي يحمل الفرشات والألحفة يخاطب الله بعبارة " أنظر للناس يا الله " ويكررها .
في صباح الأحد ١ / ٦ / ٢٠٢٥ ارتقى أكثر من خمسين فلسطينيا وجرح أكثر من مائتين ، ولم يختلف الأمر في يومي الاثنين والثلاثاء ٢ و ٣ حزيران ، فقد بلغ عدد المرتقين أكثر من مائة وتضاعف عدد الجرحى ، ولم يتوقف القتل في ٤ / ٦ فقد ارتقى حتى الظهيرة ٣٢ مواطنا ، وتواصل الحال في الأيام اللاحقة . ذهب آلاف الغزاويين إلى مركز توزيع المساعدات في رفح ، لاستلام الطحين ومواد أخرى ، فأطلق الجيش الإسرائيلي النار عليهم . جاء هؤلاء من الوسط والجنوب ، ومن الشمال أيضا ، يحدوهم الأمل بالحصول على ما يطعمهم ويطعم أبناءهم ، فتم حصدهم ، تماما كما حصد في ٢٩ / ١٠ / ١٩٥٦ أبناء قرية كفر قاسم ، وهم عائدون من الحقول إلى بيوتهم ، التزاما بنظام منع التجول الذي فرضته سلطات الحكم العسكري . يومها ارتقى خمسون قرويا ، وعندما حوكم الضابط ( شدمي ) ، الذي أصدر ، لجنوده ، أمر إطلاق النار ، أفرج عنه بغرامة مقدارها قرش عرف لاحقا بقرش شدمي .
وأنا أصغي إلى خبر وقوع ٢٥٠ ما بين شهيد وجريح وجدتني أكرر عبارات شبيهة بعبارة الرجل الغزاوي " أنظر للناس يا الله ! " ، والعبارة هذه كررها الروائيون والشعراء الفلسطينيون في كتاباتهم منذ الخروج الكبير في ١٩٤٨ .
قبل العودة إلى ما كرره الروائيون والشعراء أشير إلى أن الكاتب الغزي شجاع الصفدي الذي ما زال مقيما هناك ، كتب بتاريخ ٣ / ٦ تحت عنوان " كلمتين بالعامية # " عن نقاش حول صوابية كشف المساويء وانتقادها أم تغطيتها وعدم ذكرها ، وأتى على سوء ما وصل إليه الوضع الديني والأخلاقي والمجتمعي ، ومما كتبه :
" يا أخي الناس بتتباهى بالربا عندنا ، بينادي يلا ربا اللي بده ربا !! بنص الشارع !!
سب الذات الإلهية مثل كلمة مرحبا ، الكلام البذيء أمام الفتيات والنساء دون أي رادع أخلاقي ، البلطجة لغة التعامل ، احكي مع أي شخص إنه عيب هيك بيرد عليك رد لو لاحقته حتصير مذبحة!!".
والصحيح أن الموضوع لفت انتباهي وانتباه غيري منذ فترة أبكر .
في ٣١ / ١ / ٢٠٢٤ شاهدت شريط فيديو خاطب فيه طفل غزاوي ، فقد أباه ، الله :
- ليش يا الله ؟ ليش ؟
وفي ١٢ / ٨ / ٢٠٢٤ كتبت في يومياتي " أهل غزة والإيمان والذات الإلهية " متكئا على يوميات الدكتور خضر مححز ، وكان من مبعدي حركة المقاومة الإسلامية إلى مخيم مرج الزهور في العام ١٩٩٢ ، وهو روائي وناقد وأكاديمي ارتقى له في الحروب ابنان . كتب الدكتور عن آثار الحرب على السكان وأشار إلى ظاهرة ضيق قسم منهم وتذمرهم وتبرمهم ، لا من الأوضاع والبشر وحسب ، بل من الذات الإلهية ، وتساءل :
كيف سينصر الله هؤلاء في حربهم ؟
وقد عقبت على ما كتب :
- فلماذا لا يستسيغ كثيرون بعض عبارات محمود درويش في بعض قصائده ، وبعض أسطر غسان كنفاني في بعض قصصه القصيرة ، وفي رواياته مثل " رجال في الشمس " و" أرض البرتقال الحزين " ؟ .
صراخ الطفل الغزاوي ذكرني بالفقرة الآتية من قصة غسان " أرض البرتقال الحزين " :
" بل إنني أنا أيضا ، الطفل الذي نشأ في مدرسة دينية متعصبة ، كنت ساعتذاك أشك في أن هذا الله يسمع كل شيء .. ويرى كل شيء... " . تماما كما أن عبارة الرجل " أنظر إلى الناس يا الله " ذكرتني بحالة " أبو الخيزران " سائق الخزان في " رجال في الشمس " :
" يا إلهي العزيز العلي القدير ، كيف يمكن لقمة هضبة ما أن تعني كل هذه المشاعر التي تموج في شرايينه وتصب لهبها على جلده الملوث بالوحل عرقا مالحا ؟ يا إلهي العلي الذي لم تكن معي أبدا ، الذي لم تنظر إلي أبدا ، الذي لا أومن بك أبدا . أيمكن أن تكون هنا هذه المرة ؟ هذه المرة فقط ؟".
هل غابت أسطر محمود درويش اللافتة في قصيدته " مديح الظل العالي " ( ١٩٨٢ ) عن أذهاننا ونحن نتابع أخبار طوفان الأقصى ؟
قال الشاعر :
" وبيروت اختبار الله . جربناك جربناك
من أعطاك هذا اللغز ؟ من سماك ؟
من أعلاك فوق جراحنا ليراك ؟
فاظهر مثل عنقاء الرماد من الدمار ! " .
وقال :
" والله غمس باسمك البحري اسبوع الولادة واستراح إلى الأبد
كن أنت . كن حتى تكون !
لا .. لا أحد
يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجل !"
هل سيتجلى الله مستجيبا لدعاءات أطفال غزة ونسائها وعواجبزها وأراملها ومظلوميها ومشوهيها و ...
في الحرب والظروف القاسية يخرج المرء عن إيمانه وقد لا يستطيع ضبط أعصابه ، وقد التفت إلى هذا الصحفي الغزاوي المؤمن الذي يخاطب أهل غزة عبر أشرطة الفيديو. محمود العمودي ، إذ وجه له أكثر من مواطن سؤالا شبيها بالسؤال الآتي :
- لماذا لا ينظر إلينا الله ؟ وأين نصره الذي وعد به عباده ؟
في الحرب قد يخرج المرء عن طوره .
( تاريخ الكتابة ٢ و ٣ و ١٢ / ٦ / ٢٠٢٥ )
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٥ / ٦ / ٢٠٢٥ )
لم ينشر لحساسية موضوعه .
عادل الاسطة .
===
88- هوامش من وحي ما يجري في غزة : روح الفكاهة
في مساء السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ سادت في تعليقات الفلسطينيين في الأرض المحتلة روح الفكاهة، بل والسخرية أيضاً، فقد فاجأهم الحدث الذي لم يتخيلوا حدوثه حتى في أحلامهم.
يومها كتبت في يومياتي عن روح السخرية وأوردت بعض تعليقاتهم، ثم سرعان ما غابت هذه الروح، لتصدر عن أفواه بعض الجنود الإسرائيليين أو في كتاباتهم.
بدت على لسان المتحدث (أفيخاي درعي) وفي خربشات كتبها الجنود الإسرائيليون على جدران بقايا البيوت أو أسوار (فيللها) المهدمة، وأذكر أنني كتبت تحت عنوان «تحشيش غزاوي أم تحشيش يهودي؟» (١٠/ ٦/ ٢٠٢٤)
غالباً ما يروي الفلسطينيون المسلمون حديثاً يعزى إلى الرسول (ص) خلاصته أنه لن تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود غربي النهر. يختبئ اليهودي وراء حجر فيصرخ الحجر:
- يا مسلم ورائي يهودي فاقتله.
في الحرب في غزة حرف الجنود الإسرائيليون الحديث وجعلوه:
- يا يهود! لا تقوم الساعة حتى يقاتل اليهود الغزازوة ويصيح الحجر أو الشجر: يا يهودي يا عبد الله إذا رأيت الغزازوة فاقتلهم».
عندما قرأ المواطن الغزاوي ما كتبه الجنود الإسرائيليون خاطب صاحبه قائلاً:
- شوف اليهود شو كاتبين. وأخذ يضحك ويقول: الله يلعن الشيطان.
بعض قراء المنشور من المثقفين عزوا الحديث إلى تأثير الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية.
مرات عديدة، وأنا أكتب عن الفكاهة في أدبياتنا، كنت أتوقف أمام ظاهرة شبه نادرة، دون أن يغيب عن ذهني ظهورها في أشعار إبراهيم طوقان ومقالات غسان كنفاني، لا رواياته وقصصه ومسرحياته - فهذه تخلو من السخرية وخفة الدم - وروايات إميل حبيبي، وقصص توفيق زياد «حال الدنيا»، وبعض كتابات رشاد أبو شاور ومحمود شقير، والأخير بعد العام ٢٠٠٣. لكن قليلاً ما بدت لي في عشرات الروايات والقصص القصيرة التي قرأتها.
وغالباً ما عزوت ذلك إلى طبيعة حياتنا وقسوة واقعنا وفهم كتابنا للكتابة الملتزمة الهادفة كأنها يجب أن تخلو من الهزل والدعابة والفكاهة، ويجب أن تتسم بالجدية والصرامة، وأحياناً إلى ابتعاد كتابنا عن حياة شعبنا الذي يحفل بنماذج إنسانية تتصف بخفة الدم والدعابة، بل والميل إلى السخرية.
في صباح ١٦/ ٦/ ٢٠٢٥ صحا أهل مدينة نابلس وعثروا، في شارع حلاوة، على حطام صاروخ احتاروا في أمره: أهو صاروخ إيراني أم صاروخ إسرائيلي اعترضه؟
وأنا أقرأ التعليقات لاحظت روح الفكاهة والمرح والدعابة التي غالباً ما تخلو منها أعمالنا الأدبية، ما جعلني أتساءل إن كان أدباؤنا يحيون حقاً بين الناس ويكتبون عن نماذج بشرية حية يرصدونها ويدرسونها ويتمثلونها، ثم يظهرونها في قصصهم ورواياتهم.
في التعليقات على صورة حطام الصاروخ قرأت الآتي:
١ - يمكن صاروخ اعتراضي/ لا. مبين إيراني من حجمه/ كبير الصاروخ. معه هوية.٢ - هذا جزء من الصاروخ بنفصل عن الرأس قبل ما يسقط الرأس. ٣ - مين إللي أسقطه أستاذ؟/ جوز عمتي أبو حامد/ ما شاء الله عنه. يسعد صباحك/ صباحووو المضادات خيي تحيط بنابلس من كل جانب.
٤ - المهم طلع ٧ مييييييتر ولا أكثر؟/ هيني رايح أقيسه/ أجيب لك متر. أما أسئلة بوجهولك إياها/ شوفو إذا ٧ متر بكون عماد أما إذا أكثر بكون رشاد.٥ - المهم أخدو يبيعو المنيوم ولا لا؟٦ - بسرعة على الكازيات معناته/ والله ما ينعز. مبارح حلبوهم وسكرو. ٧ - عنجد هي الشرطة عنا/ هههه/ الحمدلله على سلامتكم/ حبيبنا أستاذ تخفش لابسين طناجر تاعت الجبنة.٨ - اعملو نصب اوعكم تاعين الحديد ياخدوو. ٩ - يله يبيعوه حديد هي أجتهم رزقه. ههههه..١٠ - المهم ما يهجمو ع الكازيات. - بجيب معكم ١٠٠٠ دولار. ١١ - يي مكبرو.١٢ - منيح ما نزل ع حدا. ١٣ - يييييي مكبرو عااااامود.
وابن البيئة النابلسية يعرف مغزى العبارات التي لا تخلو من الدعابة وروح الفكاهة لقائلها.
هل يملك الصاروخ الذي وصف بكبر حجمه هوية تدل على ذلك؟
وحين يسأل شخص عمن أسقط الصاروخ يجيب المسؤول إجابة ساخرة لافتة لا تخلو من روح الفكاهة: زوج عمتي أبو حامد.
وإذ يسأل آخر إن كان طول الصاروخ حقاً سبعة أمتار يجيب المسؤول بروح الدعابة: سأحضر متراً أقيسه، فيرد عليه آخر ببداهة: أروح أجيب لك متراً. وتبدو السخرية لافتة حين يعرض أحدهم أخذ الصاروخ لبيعه لتجار الخردة، وكم سخر سكان قطاع غزة، وهم يشاهدون الدبابات المدمرة في الحرب، من زعم الإسرائيليين بأنها محصنة تحميهم.
لقد تصوروا مع حطامها وأخذوا ينادون عليها خردة للبيع، بل إن من نساء غزة من حولتها إلى منشر تنشر عليه الملابس التي غسلتها. بل إن بعض المعلقين من أبناء نابلس يسخر من سلوك سكان مدينته في الأزمات، فما إن يحدث حدث لافت حتى يهجموا على محطات البنزين ومحال المواد الغذائية ليشتروا ما فيها، وهذا ما حدث يومها حقاً، فقد شهدت نابلس إقبال أصحاب السيارات على المحطات وأحدثوا أزمة دفعت بقسم من أهل المدينة إلى جلد الذات وشتمها.
وانظر تعقيب أحدهم وما فيه من بلاغة «امبارح حلبوهم وسكرو» إذ شبه الكازية ببقرة تحلب حتى يجف ضرعها، بل وانظر بم أجاب مواطن عقب على سقوط الصاروخ: «امنيح ما سقط على راس واحد»: حبيبنا أستاذ تخفش لابسين طناجر تاعت الجبنة.
وغالباً ما تحفل التعليقات التي تكتب على منشور يخلو من روح السخرية والدعابة والفكاهة والتهكم غالباً ما تحفل بها، وهذا ما يدفعني شخصياً إلى قراءتها ولفت النظر إليها وإثارة السؤال عن ضآلة حضورها في أدبياتنا.
***
89- السرقات.. كأننا لا رحنا ولا جينا
في ٢١/ ٦/ ٢٠٢٥ نشر موقع «صوت رام الله والبيرة» الآتي:
«متداول: حدث في إحدى مدن الضفة الغربية:
(جيش داخلين على دار خالتي حاكيلها الضابط لمي كل ذهب والمصاري وخديهم معك عشان جنود ما يوخدو. رايحة لامة، وهي طالع ماخد الكيس وحاكيلها يسلمو اديكي ورايح)».
وفي ٢٥/ ٦ كتبت أم أيمن الصوص، من غزة، عن السرقات «يا فرحة ما تمت. أخذها الحرامي وطار: سرقة ٧٥ شاحنة مساعدات عند دوار بني سهيلا كانت مخصصة للمنطقة الوسطى. إنها حرب التجويع التي رسمها الاحتلال وينفذها لصوص المساعدات. وللأسف غداً ستجدهم في الأسواق يبيعوننا التموين المخصص لنا بأسعار فلكية!
هكذا سقطنا في امتحان الأخلاق وفي أحلك حالات التجويع التي أفرزتها حرب الإبادة».
وطالبت بالحماية من قريب لا يعرف معنى الشرف.
وفي الوقت نفسه كتب محمد العطار «الحرامية والعصابات عملوا خطة رهيبة!! سمحوا بدخول ٢٥ شاحنة وخلوا كل البلد تروح تؤمنهم وتصدق حالها وبعدها سرقوا الـ ٧٥ شاحنة اللي جايين بعدها!!
تأمين إيش هذا يا حاج».
البضاعة المسروقة تباع بأسعار فلكية، وهو ما قرأته في صفحة المحافظة الوسطى:
«علبة مختوم ٣٥٠ جرام بـ ١٠٠ شيكل. وقية قهوة بن زحيمان بـ ٣٠٠ شيكل. حبة السنكرز بـ ٤٥ شيكل . حبة البونتي بـ ٤٥ شيكل. علبة بسكويت نمبر ون بـ ٢٣ شيكل. وقية المشمش المجفف بـ ١٠٠ شيكل».
ما سبق يذكرنا بقصص وروايات وأخبار عاشها الفلسطينيون في نكبة ١٩٤٨ وبعدها، وأولها قصة غسان كنفاني القصيرة «القميص المسروق» المكتوبة في الكويت في ١٩٥٨، وفيها يصور معاناة اللاجئين في مخيم فلسطيني بسبب تأخير تسليمهم الطحين، ويكون عليهم أن ينتظروا عشرة أيام ليأكلوا، والسبب هو أن الموظف الأميركي وبعض الفلسطينيين يتاجرون به ليربحوا، وتتكرر قصة السرقة في قصة سميرة عزام «لأنه يحبهم».
في روايات كتبت في فترة لاحقة يعود زمنها الروائي إلى ١٩٤٨ نقرأ عن سرقات قام بها الإسرائيليون في فوضى تهجير الفلسطينيين، وهنا أشير إلى أربع هي: «الطريق إلى بئر سبع» للكاتبة (ايثيل مانين) و «١٩٤٨» للكاتب (يورام كانيوك) و»أولاد الغيتو: إسمي آدم» لإلياس خوري و «المتشائل» لإميل حبيبي.
في الأولى التي تأتي على احتلال اللد تجرد العصابات الصهيونية سكان البيت من ساعات معاصمهم وأقلام حبرهم وخواتم الزواج، ثم تطلب مجندة من صاحب البيت مفاتيح سيارته وتنطلق مع رفيقيها بها. (ص ١٤)
ما ورد في رواية (مانين) نقرأ ما يعززه في رواية «١٩٤٨» التي كتبت، في فترة متأخرة - تقريبا ٢٠١٠ - فـ (كانيوك) الذي شارك في الحرب في حينه، وكان فتى، يصف ما جرى في حي القطمون في القدس حين استولت العصابات الصهيونية عليه في طريق عودتنا شاهدنا سكان أورشليم يتهافتون للسلب والنهب. طفقنا نسير ونغني في الشوارع، وكان السكان غير المنشغلين بالسلب والنهب يصفقون لنا» (ص ١٨٥).
في «أولاد الغيتو: اسمي آدم» نقرأ بتفصيل أكثر، بل وبإطناب، عن سرقات في اللد؛ سرقات التي قامت بها العصابات الصهيونية ولصوص فلسطينيون عملوا معها وتحت أوامرها:
«روى ما رواه له الشاب الذي نسي اسمه، عن حفلة النهب التي تمت بقرار وإشراف من الجيش الإسرائيلي.
قال الشاب الذي نسينا اسمه عن مجموعته التي تألفت من خمسة أشخاص، وكانت مهمتها تنظيف المحال التجارية من محتوياتها .... كان علينا أن نملأ شاحنات الجيش الصغيرة بالمعلبات والحبوب والطحين والسكر والبن وكل شيء.... كنا نعلم أن الشاحنات تذهب إلى تل أبيب، وكنا نعمل مكرهين، وتحت ضغط الخوف. لكن بعد يومين من العمل بدأ كل شيء يتغير. دبت فينا الحماسة وأحسسنا بنشوة اللصوص. كنا نسرق بلا خوف، فالجيش يحمينا، وشعرنا بلذة النهب وتمتعنا بالعمل.
«تفو علينا كيف صرنا» قال مراد»(ص ٣٩٩).
في رواية حبيبي قصة تشبه ما نقله موقع «صوت رام الله والبيرة» ففي «حكاية الثريا التي رجعت تسف الثرى» نقرأ عن اللاجئة اللداوية التي زارت، بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧، بيتها لتبحث عن ذهبها الذي خبأته في الجدار، ولما كان لا بد من حضور الشرطة الإسرائيلية، فقد عثرت عليه بحضورها، ولما مدت يدها لتطول مصوغات عرسها «ناولها رجل القيم على «أراضي إسرائيل» شهادة بالذهب، وأخذ الذهب وذهب، وأما الثريا فأخذت «شهادة الذهب» وذهبت، عبر الجسور المفتوحة، راجعة لتسف الثرى في مخيم الوحدات...» (ص ١٣٩، ط ٧ حيفا ١٩٨٥).
هل اختلف الوضع، في غزة والضفة الغربية، بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣؟
وهل كان المجتمع الإسرائيلي نفسه، في أثناء قصف مدينة تل أبيب، خالياً من ظاهرة السلب؟
لقد قرأنا عن مهاجمة قوات إسرائيلية محال صرافة ومجوهرات في حلحول ونابلس، وعن لصوص في تل أبيب نفسها. وأما أطرف ما تنوقل فهو أن بعض اليهود في تل أبيب يذهبون إلى المطاعم ليأكلوا، حتى إذا ما سمعوا صافرات الإنذار غادروا دون أن يحاسبوا على ثمن الطعام.
***
90- هواجس من وحي ما يجري في غزة:
لقد تعقدت الأمور كثيراً يا غسان كنفاني
لقد مرّ على استشهادك يا غسان ثلاثة وخمسون عاماً، خيضت خلالها حروب عديدة لم تسو الأمور. ألم يقل «سعيد. س» شخصية روايتك «عائد إلى حيفا» (1969) مخاطباً ابنه خلدون: تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب؟!
لقد جرت مياه كثيرة في النهر، ولا أظن أن ما نشاهده يجري في غزة كان يخطر ببالك في أسوأ كوابيس حياتك، أنت الذي شهد النكبة الأولى واستلهمها في قصصه القصيرة ورواياته ودرسها في كتبه، بل وغاص في أدبيات الطرف الآخر، أعني الصهيوني.
نعم لقد جرت مياه كثيرة وتعقدت الأمور، وإن كنت قاربت قسماً منها.
نعم لقد كتبت عن الفقد وكتبت عن الدفن في المقابر. كتبت عن الفقد في روايتك المذكورة، حيث فقد الوالدان «سعيد. س» وزوجته صفية ابنهما خلدون، وصار، بعد أن ربته عائلة يهودية، «دوف»، ليقاتل في قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكتبت عن الدفن في المقابر من خلال كذبة طفلك الصغير في قصة «كعك على الرصيف»، حيث أخبرك أنه عانى لدفن أمه. ألم يخاطبك حين قلت له: «أيها الكذاب.. أنت تعيش مع أمك.. أليس كذلك أيها الكذاب؟».
ألم يخاطبك قائلاً: «كلا يا أستاذ.. كلا.. إن أمي ميتة ولكنني لا أستطيع أن أقول... فحينما ماتت أمي طلب والدي منّا أن لا نقول شيئاً عن موتها.. أن نصمت».
- لماذا؟
- «لم يكن يملك أجرة الدفن.. وكان خائفاً من الحكومة» (ا.ك صفحة 96).
هل كنت تتخيل يا غسان، في أسوأ كوابيسك، أن تقرأ، عن الفقدان وعن الدفن، الآتي: عائلات بأكملها تباد، منها عائلة الشاعر ابن يافا سليم النفار.. عائلات لم ينجُ منها إلا فرد أو فردان، ومنها عائلة الدكتورة آلاء النجار التي فقدت زوجها وثمانية من أبنائها، ولم ينجُ إلا هي وابنها آدم.. عائلات فقدت أبناءها الأربعة دفعة واحدة ولم تستخرج جثثها إلا بعد ثلاثة أشهر، وهنا أخص الشاعرة د. آلاء القطراوي.
أصغ إليّ إن كنت تستطيع، أو اقرأ ما سأكتبه نقلاً عما ورد في صفحات أبناء قطاع غزة في هذه الأيام.
في الثلاثين من حزيران قصفت القوات الإسرائيلية مقهى الباقة على شاطئ البحر، فارتقى ثلاثون فرداً وأكثر.
لقد قتلوا، كما كتب ناهض زقوت، دون ذنب ودون هدف، لكي يصبحوا في محرقة غزة أرقاماً ضمن تعداد وزارة الصحة، ولكي تصبح المشكلة، الآن، كيف يمكن أن توجد لكل هؤلاء قبور لدفنهم في أزمة عدم وجود قبور؛ قبور ارتفع ثمن الواحد منها من 700 إلى 1200 شيكل، أي من 200 دولار إلى 360 دولاراً.
وفي اليوم نفسه قرأت في صفحة الناشطة الفيسبوكية ميسون كحيل الآتي: تمّ التعرف على رفات جثة متحللة للشاب حسام البردويل، حيث فقدت آثاره منذ عام ونصف، وعثر عليه مواطن داخل أرضه في منطقة البيدر غرب نيتساريم وسط غزة.. تعرّفت عليه والدته من ملابسه التي كان يرتديها في آخر مرة خرج فيها من منزله».
ميسون نفسها كانت نشرت تطلب المساعدة في العثور على أخيها ماهر، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة. لقد فقد في 15 أيار 2024، بعد خروجه من منطقة قيزان النجار في خان يونس، ولم يتم العثور عليه، فأعادت نشر الإعلان عن الفقد في الثاني من تموز 2025.
ولم يختلف حال الدكتورة حكمت عليان المصري التي أدرجت في صفحتها خبر اختفاء أختها أم محمد، وعدتها في عداد المفقودين.
وفي اليوم المشار إليه الذي ارتقى فيه الثلاثون، في مقهى الباقة على الشاطئ، شاهدت شريط فيديو أدرجته مريم أبو دقة يتحدث فيه رجل عن أزمة المقابر في غزة في هذه الحرب. لا حجارة ولا بلاط ولا قبور، والجثث تعاد إلى ثلاجات المشافي لعدم وجود القبور.
ماذا أكتب لك يا غسان عن الذين دفنت، وهم على قيد الحياة، بعض أعضائهم، فصاروا بلا أيد أو بلا أرجل، وربما بلا أيد ولا أرجل.
ثمة ما لا يقال عن 160 ألف جريح في هذه الحرب، لا جريح واحد كما في قصتك «ورقة من غزة»، فعن أي من هؤلاء كنت ستكتب لو امتد بك العمر، وعشت تجربة الحرب هذه؟!
بعد صدور روايتك المذكورة التي قال فيها «سعيد. س» عبارته الواردة في بداية هذه الكتابة، حدثت حروب وحروب، وما زالوا في بيوتنا في حيفا ويافا، وفي الحرب هذه قاتل أكثر من «دوف» في جيش الاحتلال وماتوا هناك في غزة، وفي الحرب هذه أقام أمثال «دوف» في صحراء النقب استراحات لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي يستريحون فيها حين يعودون من خوض المعارك في قطاع غزة.
وليس هذا يا غسان بجديد، فهو يتردد منذ بدأت الحرب في 7 أكتوبر 2023.
لقد تعقدت الأمور كثيراً، وأكثر مما كان يخطر على بال أحد.
***
91- هواجس من وحي ما يجري في غزة.. تــلامــيــذ غــزة وأطــفــالــهــا
في انتفاضة ١٩٨٧ كتب نزار قباني قصيدته «يا تلاميذ غزة» وطلب منهم فيها أن يعلموا العرب بعض ما عندهم من رجولة، فالرجال في العالم العربي صاروا عجينا، وأن يعلموهم كيف الحجارة تغدو، بين أيديهم، ماسا ثمينا وأن يعلموهم:
«كيف تغدو دراجة الطفل لغما وشريط الحرير كمينا، وكيف تحولت مصاصة الحليب سكينا.
وألا يبالوا بإذاعات العرب وألا يسمعوها.
وبإيجاز، مدح الشاعر تلاميذ غزة ووسمهم بالبطولة وواصل جلد الذات القومية، فالعرب يتسمون بالحساب والجمع والطرح. إنهم الهاربون من خدمة الجيش، لهذا يستحقون الشنق. إنهم موتى لا يملكون ضريحا، ويتامى لا يملكون عيونا، لزموا جحورهم وطلبوا من تلاميذ غزة أن يقاتلوا التنينا. لقد صغروا أمام تلاميذ غزة ألف قرن:
«لا تعودوا إلى كتاباتنا ولا تقرأونا/ نحن آباؤكم فلا تشبهونا/ نحن أصنامكم فلا تعبدونا/ نتعاطى القات السياسي والقمع/ ونبني مقابرا أو سجونا/ حررونا من عقدة الخوف فينا/ واطردوا من رؤوسنا الأفيونا».. الخ.
نقرأ نثرا قريبا في نغمته من شعر نزار في كتابة الأردني عبد الهادي راجي المجالي، فقد خاطب في غير مقال غزة وسكانها ومقاتليها، وآخر مقال له عنوانه «المذهب التفجيري»، وفيه يطلب من الشاب المقاتل الغزي الذي فجر دبابة أن يعلمه مذهبه الذي سماه المذهب التفجيري «أنا على مذهبك يا شيخي.. فاعقد درسك من اليوم على بقايا دباباتهم وعلمنا أن نكتب تعاليمك على عبوات (ال شو اظ) ووصاياك يا إمامي وشيخي سندونها (بال ي ا سين 105) ..».
ثمة صورة أسطورية تبرزها القصيدة والمقالة، وهي صورة ليست بعيدة عن المخيلة الشعبية الفلسطينية والعربية؛ صورة يسمعها المرء حين يكون في حافلة عامة.
قبل شهرين، صعدت حافلة عمومية أقلت معلمة حكومية اشترت سجادة، وتمكنت من ذلك لاستلامها جزءا من راتبها. كانت الموظفة تتجاذب والسائق أطراف الحديث، وقد أتت على مهنتها معلمة للغة الإنجليزية وما تفعله مع تلاميذ غزة. ثمنت قدرتهم على الاستيعاب عاليا وقللت من قدرة تلاميذ مدرستها. قالت، إنها تعلم ألفي تلميذ غزاوي تعليما إلكترونيا وكلهم يتفاعلون معها. لقد أبرزت لهم صورة أسطورية يحذرنا منها بعض كتاب غزة، بل إننا حين نشاهد بعض أشرطة الفيديو التي يظهر فيها الأطفال جائعين منهكين باكين آباءهم أو أمهاتهم الذين قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي نعرف أن أطفال غزة أطفال عاديون يفرحون ويحزنون ويتأثرون بالظروف التي يمرون بها؛ سلبا أو إيجابا. إن جاعوا صرخوا يريدون الرغيف وإن عطشوا بكوا يسألون عن الماء، وإن فقدوا آباءهم أو أمهاتهم جلسوا قرب الجسد المسجى يذرفون الدموع ويناشدون الأب أو الأم بأن يعودوا لهم، فهم لا يقوون على مواجهة الحياة بلا والدين. حقا، إن الطفل فيصل الخالدي الذي قتل الجنود أمه الحامل وأباه، داخل بيتهم أمام عينه، بدا طفلا أسطورة، فتكلم عما شاهد برباطة جأش، فأذهل كل من شاهده وأصغى إليه، لكنه لم يكن صورة لأطفال غزة كلهم، فهناك العشرات غيره لم يظهروا، حين فقدوا أحد والديهم، متماسكين مثله. لقد بكوا، بل وأجهشوا بالبكاء، وحين جاعوا صرخوا: «بدي خبز. بدي آكل»، ولم تفلح أمهاتهم بالضحك عليهم تصبرهم وهي تطبخ لهم اللاشيء كتمثيلية عساهم ينامون.
من أبرز الصور صورة طفلة برجل واحدة تقف وبيدها عكاز على شاطئ البحر. هذه الطفلة سألت الطبيب ببراءة:
- دكتور متى ستنبت لي قدمي؟
وكما أن الأطفال ليسوا أسطوريين فإن آباءهم وأمهاتهم لم يكونوا أيضا كذلك. لقد بكوا أبناءهم وبناتهم وعبروا عن حسرتهم جراء الفقد. هل ننسى صرخة والدة الطفل يوسف أبو شعر كيرلي؟ هل ننسى عبارة والد حسن الذي غنى «اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت»:
- كسرت ظهري يا حسن.
حقا، إن الذاكرة تحفل بقصص مشابهة، مثل قصة الطفلة هدى أبو غالية، التي فقدت أسرتها على شط البحر بالكامل، وفيها كتب محمود درويش «الفتاة/ الصرخة»، وفي الحرب هذه سنقرأ عن الطفلة هلا أبو دهليز (١٢ عاما) التي كانت تتأرجح قرب خيمة نزوحها، حين باغتتها غارة إسرائيلية دمرت ما تبقى من طفولتها. سقطت الأرجوحة فوقها، فمزقت فروة رأسها بالكامل، واقتلعت شعرها من الجذور تاركة جراحا لا تشفى في الجسد وفي الروح. في إحدى الصور، تمسك بخصلة شعرها، كأنها تتمسك بما تبقى من ماضيها، وفي أخرى تنظر بحزن إلى صورتها قبل الإصابة، وثمة صورة لها بعد الإصابة، ولا تزال رهينة الحصار، عاجزة عن مغادرة غزة لتلقي العلاج (عن صفحة أحمد نصر).
وفي صفحة سماح نصار، تدرج صورة أحمد الحناوي مع طفلتيه وتكتب «عائلة شهيدة. شاب في بداية الثلاثينيات من عمره وطفلتان بملابس أنيقة والصحة بادية عليهما... جمال لافت».
في صفحة أحمد نصر شريط فيديو لغزاوي ارتقى وهو يبحث عن طحين. حول جثته طفله ابن السابعة يبكيه: بابا بابا.. يا عمي وين بابا.. أمانة.. .
وماذا عن تلاميذ غزة، الآن؟
إنهم منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ بلا مدارس يهيمون في الشوارع أو يقتلون وهم في الخيام.
حالة تعبانة.
***
92- هوامش من وحي ما يجري في غزة: أراضٍ للمقايضة
في ٧/ ٧/ ٢٠٢٥ قرأت في صفحة الناشط الغزاوي أبو أحمد سمور الآتي:
«مطلوب كيلو سكر وأوقية قهوة نظيفة، مقابل قطعة أرض 300 متر على شارع 10 م في الشيخ رضوان» فعلقت:
«من أطرف ما قرأت.. وهذا يستحق كتابة مقال، فهو يستحضر قصصاً شخصية ومسلسلات عن نكبة ١٩٤٨، بل ورواية ربيع جابر «أمريكا».
وأرجح أن قطعة الأرض هذه كانت قبل طوفان الأقصى تساوي نصف مليون دولار».
ما كتبته في ٨/ ٧ لفت انتباه القراء فعلق عبد الكريم عاشور المقيم في غزة «ههههههشارع عشرة لا يمكن الوصول إليه هذه الأيام»، وأما من لا يعرف غزة مثل مها خوري المقيمة في فلسطين ١٩٤٨ فعقبت «معقول!؟».
أما الكاتب في جريدة الأيام الفلسطينية الدكتور عبد المجيد سويلم فعقب: «فعلاً يستحق. جميل».
الخبر استثار في ذاكرتي شخصية أبو عايد في مسلسل الكاتب وليد سيف «التغريبة الفلسطينية» واستثار أيضاً قصصي مع زملائي في الجامعة ممن أولعوا بشراء الأراضي وسخروا مني، لأنني لم أتاجر بالتجارة السهلة التي تضاعف المال أضعافاً مضاعفة تفوق مكافأة نهاية الخدمة التي استمرت ٣٧ عاماً.
كان أبو عايد يشتري الأراضي، لأن مكانة المرء الاجتماعية في الريف تتحقق، في جانب كبير منها، بمقدار ما يملك من أراضٍ.
كان يشتريها كلما سنحت له فرصة، ولم يكن يرى في التعليم عاملاً يحقق المنزلة التي يحققها مقدار الأرض التي يمتلكها.
شعر أبو عايد بالفخر والزهو، فترفع عن فقراء القرية وسكانها العاديين، وعدّ نفسه مختلفاً، وبين عشية وضحاها طرده الإسرائيليون من قريته مع بقية سكانها، فوجد نفسه لاجئاً، بلا مأوى وبلا طعام وبلا شراب، ووجب عليه أن ينتظم بالدور، حتى يحصل على بعض ما تمنحه الهيئات الدولية للاجئين.
استكثر الوضع الجديد، فكيف ينتظم الدور مع من كان يترفع عليهم، ثم وجد نفسه واحداً من الطابور، فالأرض وما تثمره ضاعت وضاع معها مجده القديم.
وغالباً ما تذكرته وغالباً ما ذكرت به أحد زملائي.
في الجامعة تعرفت إلى زملاء شغفوا بشراء الأراضي، لدرجة أنهم اقترضوا المال من البنوك بفوائد ليشتروا قطعة هنا وأخرى هناك. لم يكونوا يتصرفون برواتبهم ليعيشوا حياة سهلة رغدة، فجزء منها يخصم للسداد، وهكذا ضيقوا على أنفسهم وعلى أسرهم. أحياناً كنت أصغي إلى روايات عن نمط حياتهم لا تليق بهم، فنابلس مدينة لا أسرار فيها والكل فيها يعرف أخبار الآخرين ويرويها فيتم تناقلها بسرعة، واسألوا سحر خليفة، أو اقرؤوا روايتها «باب الساحة»، وكنت شخصياً أتيت على هذا فيما يخصني في نصي «ليل الضفة الطويل» (١٩٩٣).
تستبيحك المدينة وتغدو سيرتك على كل لسان حتى لتردد سطر محمود درويش «ستروى أساطير عني» ولم يكن عبثاً أن صدرت النص في مسودته بالقصيدة التي ورد السطر فيها.
كم سنة عاش هؤلاء الزملاء عيشة الفقير، حتى يسددوا ما عليهم من قروض، ليثرى أبناؤهم؟.
«يعيشون فقراء ويموتون أغنياء» عبارة سمعتها عن أبناء مدينة فلسطينية معينة؛ لأنهم ينشغلون في حياتهم بالكد وجمع المال ولا يستمتعون به، فيكون من نصيب الورثة.
هل غاب عن ذهني أن المصارف والبنوك التي أودع فيها رصيدي، من رواتبي، قد يلم بها ما ألم بالمصارف والبنوك في أميركا في فترة الكساد العالمي في العامين ١٩٢٩/ ١٩٣٠، وبالتالي قد أجد نفسي بين عشية وضحاياها خاوي الوفاض، بلا تعريفة واحدة أو قرش أدفع به عني غائلة الجوع والبرد والعري؟
لن أنسى صورة ذلك الشاب الغزاوي التاجر الذي نزح في بداية الحرب من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، بناء على طلب جيش الاحتلال الإسرائيلي.
كان الشاب تاجراً منعماً يضع رأس ماله في متجره الفاخر وفي البنك أيضاً.
لم يكن يحمل النقود أو يخزنها مكتفياً ببطاقة الصراف الآلي، وحين عز وجود الصراف غدت البطاقة مجرد بطاقة لا تسمن ولا تغني من جوع.
لقد اضطر أيضاً أن ينتظم في الدور، مثل أبو عايد في المسلسل، إلى حين يفرجها الله، وقد يكون الشاب غادر قطاع غزة عبر معبر رفح ودفع خمسة آلاف دولار رشوة.
لا يغيب عن ذهني، وأنا أتابع صفحات أبناء قطاع غزة، رواية ربيع جابر «أمريكا» الصادرة في ٢٠٠٩، وفيها يأتي على ما مرت به أميركا في العامين ١٩٢٩ و ١٩٣٠ من كساد وإفلاس بنوك، حيث فقد المدخرون أموالهم وهاموا في الشوارع على وجوههم ولم يملكوا ما ينفقون به على أنفسهم.
يومها لاذ من اشترى الأرض والعقار بالأرض عله يزرعها ويأكل من غلالها، ولكن الطريف أن المزارعين لم يجدوا من يشتري منهم محصولاتهم فكبّوها ولم ينتفعوا بها.
هل كان زملائي على صواب وأنا على خطأ؟
في غزة لم يبقَ لأهلها أرض ولم يبقَ مدخرات وفي كثير من أشهر الحرب جاع الناس حتى عجنوا علف الحيوانات، والآن الجوع يضرب أطنابه ولا يجدي مال ولا أرض لطرد غائلته.
حالة تعبانة يا ليلى!
***
93- هوامش من وحي ما يجري في غزة: «للحقيقة وجهان»، والخبز أحمر
إن تابعت صفحات غزيين مختلفة التوجه، أو شاهدت أشرطة فيديو يتحدثون فيها، فسوف تقرأ وتسمع روايات مختلفة في مواقفها مما يجري، ليس من السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وحسب - أكان خطوة صحيحة أم لا أدت إلى ما أدت إليه من نزوح وتشرد وفقدان بيوت وجرحى وقتلى و..؟ - بل أيضا في رد أسباب أزمة الطحين التي يعانون منها معاناة كبيرة تمثلت في شحه وارتفاع أسعاره، ما أدى إلى وفاة عديدين وبكاء أطفال يصرخون: «جوعان بدي آكل. بدي خبز».
ولا يخفى كيف تحولت مراكز توزيع المساعدات إلى مصيدة يذهب ضحيتها يوميا ما يقارب المائة مواطن، وحول الأخيرة أصغيت إلى شريط فيديو تحدث فيه منير العيادي عما رآه حيث يذهب الغزيون إلى هناك ليحصلوا على المساعدات. جن الرجل مما رأى حيث يدوس الناس بعضهم بعضا، ما أدى إلى وفاة ثلاثين بسبب التدافع، وأنهى شريطه بشتيمة أبناء شعبه، لدرجة أنه رأى أننا نستحق الحرق. قال ما قاله من حرقة دمه، ولا تعليق أكثر.
في صفحات مثقفين ناشطين، تقرأ عن التجار اللصوص المستغلين الذين يحتكرون البضائع ويفرضون أسعارا خيالية. يكتب شجاع الصفدي عن الخراب القادم للجائعين الذين قرروا أن يشهروا سيوفهم في وجه اللصوص «وبما أن الخراب عم ساحات حياتنا بأكملها، فلتكن خرابا، إذن».
على من تقع المسؤولية؟
هناك من يحملها للتجار، وآخرون للاحتلال، وثمة من يتهم فصائل بعينها، وتحديدا «حماس».
هل نتفاجأ إن قرأنا منشورا يتداوله نشيطون ويدرجونه في صفحاتهم:
«منقول:
يعني الله بقولو أنا مرمي بخيمة بمدرسة فهمي الجرجاوي وعلى بعد أمتار مني مخازن سكر وطحين وأكل وشرب.
رحت أقلهم بدي آكل واشرب، لهم بقولو هاد شغل خاص، قلتلهم فش خاص وعام أنا أولادي ماتوا من الجوع، لهم هددوني وطردوني.
لقيت شاب بعرفو بليل بياخد طحين وسكر/ وقفتو قلي أنت بتخاطر بحالك عدهم طخوك/ قلتلو الطخ أحسن من المذلة إيش النظام/ لهو بقلي أنا حفيدك: عشان ما تنطخش ما تدخل بهيك قصص. هاد مساعدات نسرقت وتأمنت بلمخزن هاد عسّكت/ بتنباع بأعلى سعر لرواتب حماس/ الشب مش حمساوي الشب بمشّيلهم لبضاعة وبياخد ١٠ بلمية من البيع وتاع المخزن١٠/ والـ٨٠ لابو ح.ن واخوتو لـ [..] واحد منهم ضل ٢../ الخلاصة التي فهمتها بعد أسبوع من التفتيش والله على ما أقول شهيد /السارق الحمساوي [..] إلي بصرف البضاعة.... بياع جاج قديم بسوق الزاوية من قبل الحرب كان محبوس ع تزوير فلوس حديد../صاحب المخزن... والي بأمنو شباب مقطعة بلحارة عشان الفلوس أبو... بطلع شب قسام و٩ مدنيين من الحارة/ وبعد جدال وقتال بيني وبينهم باعوني نص كيس ٢٥ كيلو بـ ٧٥٠ شيكل، وقلي هي خصم ومراعاة والمرة الجاي طَلَق/ وضربني كف سدتلو ياه لهم شباب هجموا عليا/ ونا خصمهم أمام الله/ عنوان المخازن.
غزة - شارع الوحدة [..] بيت... في طحين وسكر ورز وسيرج وغاز ٢ كيلو نظام كيس جلد قربة زي المطاط/ ورأيتهم بعيني اليوم مشاتيح ملهاش أول من آخر
٩ مقاطير»/ (من صفحة الشاعر عثمان حسين ويمكن أن تقرأ تحميل المسؤولية للمفاوضين في الدوحة وحركتهم في صفحات أنهار سكيك وأم أيمن الصوص ومحمد العطار وآخرين).
مقابل هذا المنشور القابل لقراءات عديدة مختلفة متناقضة يدرج ناشط من شمال القطاع شريط فيديو لتظاهرة في الضفة الغربية يهتف فيها فلسطيني، «حطوا السيف قبال السيف إحنا رجال محمد ضيف..» فيخرج من بين الموجودين رجل يخاطب الهتيف، «بلا ضيف بلا سيف» ويمهد الناشط لشريطه بكتابة قاسية يهاجم فيها السلطة.
وفي صفحة المنطقة الوسطى، أدرج شريط لشاب يتكلم بحرقة يقترح حلا وحيدا. «الحل الوحيد، لتجار غزة الـ..، هو تكسير بسطات ومحلات كل من يبيع الطحين، ويرفض اقتراح تأمين أبناء العائلات وصول المساعدات، لأنهم هم جزء من المشكلة. كيلو الطحين بمائة شيكل. كلهم حرامية. لا استثني أحد. في الوضع الحالي كل من يبيع الطحين جاسوس ابن جاسوس. لا أحد يرحم أحد. في الوضع الحالي بيع الطحين حرام. ارحموا الناس حتى يرحمكم الله. الله لا يرحم فيكم حد يا أولاد الحرام»/ وفي الصفحة نفسها أدرج في فجر ٢٠/ ٧ الآتي:
«أحد التجار في شارع العشرين باع الطحين بـ ١٢٠ ثم بـ ١٤٠ وقام ببيع البطاطا لأحد تجار الخضار ورفض بيعه للجمهور مباشرة.
وعند اعتراض الناس تم إطلاق النار من مسدسه في الهواء، بعدها ثارت الناس عليه وتم تكسير الجيب الخاص به؟ الخاصة به».
وكما كتب محمود درويش: «للحقيقة وجهان»، والخبز أحمر في قطاع غزة.
***
94- هوامش من وحي ما يجري في غزة: الــخــراب الأُســري
في صفحة الناشط الصحافي الغزي محمد الذهبي نقرأ، في ٢٢ تموز، المنشور الآتي مدرجاً مع شارة الشعور بالحزن:
«هذه شهادة لأحد المجوّعين عن مجوّع آخر..
بالأمس أيضاً قرأت شهادة أخرى تتحدث عن رجل في أحد خيام النزوح اعتدى على زوجته بالضرب؛ بعد أن طالبته بتوفير الطعام لصغارهما، ثم طلقها!
هذا الصباح أحد الجيران اعتدى على زوجته بالضرب أيضاً، وقبل يومين عنّف جار آخر زوجته جسدياً لأسباب لا أعرفها.
مع اشتداد قسوة التجويع، وازدياد ضيق الحال في غزة، بات النسيج الاجتماعي الأسري مهدداً بالانهيار؛
فيا أهلنا وأحبابنا، رفقاً بنسائكم، فإنهن مثلكم وأكثر، وليس لهن ذنب فيما أنتم فيه. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء..
ويدرج محمد الشهادة من صفحة Ahmad G Adwan. متابعة ونصها:
«طلعت ع الشارع قبل شوي وهي رجعتي من برا، بدوّر ع اشي، وأنا مروح أقسم بالله شب دبح مرتو من الكتل في الشارع، وقعد يكفر.. رحت بحكيلو اتقي الله حرام عليك؛ رد عليَّ ومش حرام اللي بيصير فينا، مديت ايدي أعطيه اللي فيه نصيب، قلي بديش مصاري بدي آكل.
مرتو بتقلو خد من الشاب واشتريلنا أكل، طلقها؛ أقسم بالله طلقها ومشى».
أما سماهر الخزندار فتنشر في الأول من آب صورة كف يد امرأة غزية ذبلت وتكتب عنها ومنه:
«هذه الكف لسيدة كان لها ركنها الخاص في منزلها تشرب قهوتها مع قطعة الحلوى.. أصبحت تجلس في خيمة.. تنظر لأطفالها، فتتخيلهم يحترقون حولها، فتضيق نفسها، وبدلاً من احتضانهم تتشاجر معهم؛ لأنهم لا يفهمون لِمَ هي حزينة..».
عندما قرأت ما سبق تذكرت قصة سميرة عزام «لأنه يحبهم»، وتذكرت ثلاث روايات لغسان كنفاني قرأت فيها قصصاً مشابهة لما كتب عنه محمد وما أدرجه.
تعد قصة سميرة، التي توفيت في الثامن من آب ١٩٦٧، مثالاً جيداً لانعكاس نكبة ١٩٤٨على المجتمع الفلسطيني. ففيها نقرأ عن فياض الحاج علي الذي يفقد كرامته بعد أن فقد أرضه وتقرأ عن البغي والوغد واللص. وما يهمنا هنا هو الحاج فياض الذي صار يستلم الإعاشة ليبيعها ويسكر بثمنها، تاركاً زوجته وأطفاله الخمسة جوعى، ولما اعترضت زوجته وحاولت منعه، ضربها فماتت، لينفق بقية عمره في السجن وليتشرد أطفاله.
في الرواية الأولى من روايات كنفاني «رجال في الشمس» يترك والد الطفل مروان أربعة أطفال ويطلق زوجته بلا أي سبب «ثم يتزوج من تلك الامرأة الشوهاء.. لأنها تمتلك بيتاً من ثلاث غرف في طرف البلد». أراد الرجل أن يستقر في شيخوخته لا أن يجد نفسه مجبراً على إطعام نصف دزينة من الأفواه المفتوحة.. «ألم يقل ذلك؟» وحتى الأخ الأكبر زكريا الذي سافر إلى الكويت لينفق على أمّه وإخوته، انقطعت أخباره لأنه أراد أن يلتفت إلى نفسه، فطلب من أمّه أن يترك أخوه مروان المدرسة ليسافر إلى الكويت ويعمل هناك وينفق على أمّه وإخوته.
وفي الثانية «ما تبقى لكم»، يجن جنون زكريا عندما تعلمه زوجته الثانية أنها حامل، فيصرخ في وجهها غير مستسيغ ما قالته، وكان لا يزال يأمل في أن تتخلص من الجنين بطريقة ما، فهو يرى في المولود القادم قطعة صراخ جهنمية ستجعل من مريم «زجاجة حليب بشرية ليس أكثر».
وفي الثالثة «أم سعد» نقرأ ما تقصّه عن زوجها في زمن اللجوء الأول وعن سوء تصرفاته في بيته معها. «وحين كان يتعطل عن العمل يزداد فظاظة، ويأخذ في الذهاب إلى القهوة حيث يشرب شاياً ويلعب الطاولة وينهر على كل الناس، وإذ يعود إلى البيت لا يطاق، وكان ينام واضعاً كفيه الكبيرتين الخشنتين اللتين تملؤهما آثار الإسمنت والتراب، تحت رأسه، ويأخذ بالشخير عالياً، وفي الصباح يشاجر خياله، ويترك أم سعد تحضر أشياءها الفقيرة لتمضي إلى شغلها تحت سياط نظرات حانقة لا تفسر، وذات يوم شمّت أم سعد، مع لهاثه، رائحة الخمر.
ترى أم سعد أن سبب ذلك يعود إلى الفقر:
«- الفقر يا بن العم الفقر.. الفقر يجعل الملاك شيطاناً ويجعل الشيطان ملاكاً، ما كان بوسع أبو سعد أن يفعل غير أن يترك خلقه يطلع ويفشه بالناس وبي وبخياله؟ كان أبو سعد مدعوساً، مدعوساً بالفقر ومدعوساً بالمقاهرة ومدعوساً بكرت الإعاشة ومدعوساً تحت سقف الزينكو ومدعوساً تحت بسطار الدولة.. فماذا كان بوسعه أن يفعل؟».
هل أكتب شيئاً عن مخيمنا، مخيم عسكر القديم عرفت فيه قصصاً مشابهة، قصة الضرير مؤذن الجامع أو قصة أبو محمد الذي وظف خادماً للجامع؟ هل أكتب عن...؟
النكبة مستمرة، وقد بلغت ذراها في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.
حالة تعبانة يا ليلى ورحم الله زياد الرحباني!! هل ما زال مغني الأغنية جوزيف صقر على قيد الحياة؟
***
95- هوامش من وحي ما يجري في غزة: مـطـار أثـيـنـا وقـطـاع غـزة «في ذكرى محمود درويش»
في المقتلة وحرب الإبادة استحضرت الأحداث الجارية، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، أحداثاً شبيهة مر بها الفلسطينيون منذ ١٩٤٨، مع فارق في التوحش الذي بلغ مرحلة لم نعهدها من قبل، وكان من الطبيعي أن تستحضر الذاكرة النصوص الأدبية التي كتبت في الأحداث السابقة، وأن تتكئ عليها لتعزز مقولة الروائي إلياس خوري التي جعلها عنواناً لآخر كتبه «النكبة المستمرة»، وكنت في بداية هذا العام أتيت في حلقات على نصوص محمود درويش التي حضرت في المقتلة الحالية أكثر من غيرها.
لم تفارقني نصوص الشاعر بعد ذلك، فأكثر ما كتبت تضمن منها واقتبس من روايات غسان كنفاني، وكنت أشعر أحياناً أنهما كتبا بعض ما يجري الآن، علماً أن الأول توفي في ٩ آب ٢٠٠٨ والثاني اغتيل في ٨ تموز ١٩٧٢.
وأنا أكتب في ٤ أيار ٢٠٢٥ عن رواية عاطف أبو سيف «القبر رقم 49»، وهي رواية عن المقتلة الحالية، التفت إلى عوالم شخصياتها المتعددة وهواجسها التي تختلف من واحدة لأخرى، على الرغم من أنها كلها محاصرة وتعيش الواقع نفسه؛ الحصار والقصف وغلاء الأسعار والفقدان.
كانت للشخصية الفردية معاناتها الخاصة، إلى جانب المعاناة الجمعية، وكل شخصية تبحث عن حل لمشكلتها.
ذكرتني الرواية بقصيدة درويش «مطار أثينا» التي اقتبست منها مقطعاً ضمنته المقال، وفي المقطع يفكر كل فلسطيني، بعد خروجه من بيروت، بما يؤرقه؛ المقاتل أين سيقاتل، وزوجته الحامل أين تهديه طفله، والموظف أين يوظف ماله، وهذا ما لا يهم المثقف: مالي ومالك؟، وأما رجال الجمارك فيسألون القادمين: من أين جئتم؟ وإلى أين تمضون؟ وأين عناوينكم؟ وهنا تجيبه امرأة من جماعتنا: بقجتي قريتي. (الأيام الفلسطينية).
سوف أتابع في الأشهر الأخيرة صفحات غزيين مختلفة التوجه، وسوف أرصد كثيراً منها وأعتمد عليها في كتابة اليوميات التي لم أتوقف عن مواصلتها إلا في الهدن العديدة.
من آخر ما قرأته مثلاً كان عن الباقين في شمال القطاع المصرين على ألا يغادروا، لأنهم تربوا على فكرة البقاء، فارتقوا.
هكذا ارتقت، في الشجاعية، الصحافية مروة مسلم وأخواها معتز ومنتصر معاً، في ٢/ ٨/ ٢٠٢٥.
ما الذي يهم تاجر العملة مثلاً في المقتلة؟
كتب غزيون كثر عن العمولة التي يطلبها منهم تجار العملة، حتى يوفروا لهم سيولة نقدية.
إن ما يشغل التجار أولاً وأخيراً هو توظيف أموالهم واستثمارها وزيادتها.
لقد تفننوا في وسائل الاحتيال وتجبروا ليفرضوا ما يريدون، ومن أطرف أشرطة الفيديو شريط تصغي فيه إلى الآتي:
«- خذ ع التطبيق يللي ماشي ع الطريق.
- بدنا سيولة. بكم العمولة؟
- ٤٠ بالمية.
- ٤٠ بشيلوك بجهنم يحطوك. روح انقلع.
- ٤٠ بالمية. هذا حقي الشرعي الطبيعي.
يقول آخر:
- أنا بروح ب ١ بالمية ع الدار.
- لا! وحنلاحقك عليه. بس اصبر شوية».
في ٣ آب ٢٠٢٥ كتبت د.هيا فريج أن الصريف يأخذ منها ٥٢ بالمائة عمولة على راتبها.
وإن كان الشاب الذي يريد أن يتزوج في قصيدة درويش يبحث عن غرفة لفض بكارة عروسه، فإن أهل الموتى في غزة انشغلوا بالبحث عن مقابر لمن فقدوا وانشغلوا أيضاً بتوفير تكلفة الدفن.
لقد عزت القبور وارتفعت التكلفة. تحدث مواطن في شريط فيديو عن أزمة الدفن «والله ما في مقابر ندفن الناس، فلا حجارة ولا بلاط، وبعض الشهداء أعيدوا إلى الثلاجات. إننا نناشد أي أحد إيجاد مقابر. أقل شيء هو أن ندفن الموتى. هذا هو أقل واجب» (الفيديو عن صفحة Mariam Abu Dagga).
وعن الدفن وشاهد رخام القبر كتب أبو سيف في روايته.
الجائعون الآن في غزة، وهم مئات الآلاف، لا يتحدثون إلا عن الرغيف والحصول على الطحين والصراع عليه.
وماذا عن المقاتلين الذين رأينا أحياناً، في مشاهد أشرطة فيديو، لحظات عابرة لإقدامهم وجرأتهم وسمعنا بعض عباراتهم؟
في يومياتي كتبت عن نص غزة الغائب الذي لم نكتبه. لقد غاب هذا النص عن كتاباتنا؛ لأن من يقاتلون ما زالوا يقاتلون ولم يخرجوا إلى مطار أثينا ليسألوا:
- أين نقاتل؟
وماذا لو نظرنا في صفحات بعض أبناء الضفة أو فلسطين في ١٩٤٨؟
أحد طلابي، وهو مصباح الحاج محمد، صار منذ ١٥ عاماً تقريباً معلم حكومة لا يقبض راتبه في موعده، وإن قبضه لا يصرف له كاملاً، وهو غالباً ما يكتب عن الرواتب وموعد الصرف ونسبته وما للمعلمين من ديون على الحكومة، وأما ما ينشغل به أهلنا في مناطق ١٩٤٨ فهو تفشي الجريمة التي يزداد عدد ضحاياها شيباً وشباناً، ذكوراً وإناثاً و..
وحالة تعبانة يا ليلى، ورحم الله محمود درويش الذي تمر في هذه الأيام ذكرى وفاته، علما أنه كان فيما أكتب الأكثر حضوراً.
***
96- تصافح الأعداء: مصافحة مرأة (ويتكوف)
في ٤/ ٨/ ٢٠٢٥ تم بث شريط فيديو لمقابلة أجراها شاب من قطاع غزة مع امرأة ذهبت إلى مركز توزيع المساعدات، علّها تحصل على طحين، لتطعم أبناءها، خاصة بعد أن تم تحديد أيام للنساء، ففي الأيام الأسبق كان الرجال والنساء يذهبون معا ما يسبب مشاكل في أثناء التدافع، عدا صعوبته وخطورته، فغالبا ما أطلق أفراد جيش الاحتلال الإسرائيلي وقسم من الأميركان، النار على الموجودين، فاصطادوا العشرات، حتى لصار عدد القتلى، في اليوم، يتجاوز المائة، عدا الجرحى.
عندما أثيرت ضجة في وسائل الإعلام العالمي وصار الغزيون يحمّلون المسؤولية للإسرائيليين والأميركان معا، وعندما عرف الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) شيئا من زوجته التي عبرت عن مشاعر سلبية، ذهب المبعوث الأميركي (ويتكوف) ليرى ما يحدث هناك بعينيه وليخبر، من ثم، رئيسه.
أراد (ويتكوف) رسول العناية الإلهية الأميركية، ولكي تلتقط له صور مع فلسطينيات تظهر عكس ما تقوله وسائل الإعلام، أن يقابل امرأة، ليتحدث معها وليسمع منها مباشرة.
تقدمت المرأة التي اختيرت، بعد أن فتشوها، وصافحت (ويتكوف)، وشاعت القصة ودار حولها جدل بعضه أساء للمرأة، ما دفع شابا إلى مقابلة المرأة، لنسمع منها الحقيقة، ولكي يدافع عنها.
ويستطيع المتابع أن يرصد الجدل في كتابات عديدة بدأتها بمنشورين من يومياتي عن الحرب، في ٥ و٦/ ٨/ ٢٠٢٥ تحت عنوان «غزة 669 وغزة 670: مصافحة المرأة (ويتكوف).
بخصوصي، فقد استحضرت الحادثة في ذهني أحداثا وقصصا وروايات فلسطينية وعالمية دار أيضا حولها جدل وسال فيها، في زمن الكتابة الورقية، حبر كثير.
ولعل أبرز تلك الأعمال قصة طويلة فرنسية شغف بها الفلسطينيون والعرب وهي قصة (فيركور) «صمت البحر» التي كان طه حسين عميد الأدب العربي أول من نقلها عن الفرنسية وكتب عنها، وبعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ أعيدت طباعتها في مصر مع مجموعة إميل حبيبي «سداسية الأيام الستة»، كما طبعها في نهاية ٧٠ القرن ٢٠، في رام الله، الكاتب أسعد الأسعد الذي تأثر بها في قصته الطويلة «غياب».
في «صمت البحر» التي يجري حدثها في فرنسا، إبان الحرب العالمية الثانية، ترفض الشابة الفرنسية الحديث مع الجندي الألماني المحتل؛ لأنه محتل.
طبعا شتان بين وضع الشابة الفرنسية والمواطنة الفلسطينية في غزة، فالأولى ظلت تقيم في بيتها ولم ينقصها الطعام، والثانية دمر بيتها ونزحت لتقيم في الخيام، ولتحرم من الطعام، فتجوع ويجوع زوجها ويجوع أطفالها، وتضطر إلى أن تصافح عدو شعبها، فالجوع كافر، بل أبو الكفار.
ومنذ العام ١٩٤٨ والفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي يفضلون البقاء في وطنهم على مغادرته والعيش في المنافي التي جربوها كلها فوجدوها أشبه بمسامير بوذي هندي على رأي إميل حبيبي.
كان الباقون من الفلسطينيين، إثر نكبة العام ١٩٤٨، مضطرين لأن يعملوا في التعليم والمزارع والمصانع والمطاعم والفنادق الإسرائيلية، ولقد آثار هذا في حينه بين نخبهم جدلا واسعا تحدث عنه حبيبي في مقابلة أجريت معه ونشرت في مجلة «مشارف» في حزيران ١٩٩٦، ومما قاله إنه ورفاقه في الحزب وقفوا ضد العمال والمعلمين، ثم اكتشفوا لاحقا أنهم كانوا على خطأ، فالناس يريدون أن يأكلوا ويمكن لهم المقاومة بالصمت، ليظلوا صامدين في أرضهم ولا يهاجرون.
في الجزء الثاني من سيرتها «الرحلة الأصعب» تروي الشاعرة فدوى طوقان ما لا يذكر حادث مصافحة المرأة إزاءه.
بعد هزيمة ١٩٦٧ يطلب (موشيه دايان) وزير الدفاع الإسرائيلي من رئيس بلدية نابلس حمدي كنعان أن يزوره في بيته، مصطحبا معه العلامة قدري طوقان والشاعرة فدوى طوقان، ويذهب الثلاثة معا إلى تل أبيب ويلتقون بالوزير وابنته الكاتبة (ياعيل) ويتحدثون في الأوضاع الجديدة. وتصاب فدوى بالرعب وتطلب من مصطحبَيها أن يعلنا عن الزيارة فالمخبأ بندوق، وتذهب إلى ما هو أكثر من ذلك فتحكي عن رسالة حملها إياها الوزير للرئيس المصري جمال عبد الناصر، وقد أتيت على هذا وبالتفصيل في مقالي «فدوى طوقان وموشيه دايان» (الأيام الفلسطينية ١٢/ ١١/ ٢٠١٧)، بل وتكتب فدوى بالتفصيل عن لقاء وجهاء مدينة نابلس ومثقفيها مع الحاكم العسكري للمدينة. (أنظر مقالي «تداعيات حرب ٢٠٢٣: الاحتلال الإسرائيلي الرحيم المريح ٢٦/ ١١/ ٢٠٢٣).
كم كتب أدباؤنا في الموضوع؟ وكم جدل خاضت الفصائل المتحاربة بخصوص قصص مشابهة منذ بداية الاحتلال؟ كم تجادلنا واختلفنا وتخاصمنا؟ والمرأة لا تريد شيئا سوى الحصول على الطحين لتعجنه وتخبزه وتطعم زوجها المريض وأطفالها، ولعنة الله على مندوب العناية الإلهية الأميركية وكل من أوصل الفلسطينيين إلى ما وصلوا إليه. إنها لا تختلف كثيرا عن بائعة السمك في مسرحية الكاتب الألماني (برتولد بريخت) «محاكمة لوكللوس». هل تتذكرون قصتها؟!
حالة تعبانة يا ليلى!
***
97- هوامش من وحي ما يجري في غزة: برتولد بريخت و«محاكمة لوكللوس» الإسرائيلي
في سبعينيات القرن العشرين، أعادت منشورات صلاح الدين في القدس طباعة بعض مسرحيات الكاتب الألماني (برتولد بريخت) ومنها «دائرة الطباشير القوقازية» و»الاستثناء والقاعدة» و»محاكمة لوكللوس»، ومنذ تلك الأيام، صار اسم المؤلف معروفا لقراء فلسطين المحتلة، ولما سافرت إلى ألمانيا درست، مع أستاذ متخصص في مسرح (بريخت)، ويدرسه ويكتب عنه، درست المسرح الملحمي.
ركز الأستاذ على ثلاث مسرحيات هي «الأم الشجاعة وأبناؤها» و»الرجل الطيب من سيزوان» و»دائرة الطباشير القوقازية» وطلب منا ابتداء، قبل الشروع بقراءة المسرحيات الثلاث ومناقشتها، أن نقرأ كتابا صغيرا لـ(بريخت) عن مسرحه واختلافه عن مسرح أرسطو التقليدي؛ مسرحه الذي عرفناه أيضا من خلال مسرح سعد الله ونوس ومنه «سهرة مع أبي خليل القباني» و»حفلة سمر من أجل خمسة حزيران».
لم أدرس مع الأستاذ مسرحية (بريخت) «محاكمة لوكللوس»، ولكنني منذ قرأتها سنة إصدارها ظلت عالقة في ذهني، ولطالما استحضرتها في خربشاتي عن حروب غزة المتتالية منذ العام ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩، واستحضرتها أكثر يوم كتبت عن أسطر نشرها ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي ونسبوها لمحمود درويش. يومها كتبت خمس مقالات متتالية عن انتحال الأسطر التي غنتها كارول سماحة ففجرت ضجة «ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتظل تلك العجوز تنتظر ابنها... «(راجع الأيام الفلسطينية في آذار ١٢ و١٩ و٢٦ ونيسان ٢ و٩ من العام ٢٠٢٣).
مؤخرا، شاهدت مقابلات مع أمهات أسرى إسرائيليين، ومؤخرا، أصغيت إلى شريط فيديو يتحدث فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) عن الدور المنوط به في توسع إسرائيل، ومما قاله:
«أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحية نيابة عن الشعب اليهودي».
قال ما سبق بعد أن قالت (عيناف) والدة الأسير (متان تسنغوكر) في ٧/ ٨:
«لقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة. هذا المساء، نتنياهو وشركاؤه يريدون أن يفرضوا الموت على متان ابني، وعلى جميع الأسرى الأحياء، يريدون أن يحكموا على الأسرى القتلى بالاختفاء الأبدي.
نتنياهو وحكومته الملطخة أيديهم بالدماء ينوون إرسال جنودنا إلى حتفهم في غزة. يجب أن نوقف هذا الجنون.
ابتداء من هذا المساء سنجتاح الشوارع في أنحاء البلاد معا... نتنياهو كذب عليّ، لقد كذب علينا جميعا، ليس لدى نتنياهو أي نية لإعادة أبنائنا، لقد قرر قتلهم، وحكم علينا بحرب أبدية، وبمستوطنات من أجل بن غفير وسموتريتش ..»
في ١٨/ ٨ نشر مؤمن مقداد عن الصحف العبرية الآتي:
يعكوف شقيق الأسير ألكاناه بوحبوت:
«إن كان بن غفير يعتبر نفسه بطلا فليضع نفسه مكان أخي. على القائد أن يتصرف بقدر من الحكمة والتعقل، خصوصا بعد أن عرفنا أن كل خطوة يقوم بها بن غفير تنعكس على الأسرى سلبا، إذا كان همه هو إهانة الآخرين، فهل من المنطقي أن يكون ذلك على حساب ومعاناة الأسرى؟».
ما سبق من آراء صدرت عن قائد يخوض حربا بحثا عن مجد، دون أن يكترث لإزهاق أرواح الجنود، أعادني إلى مسرحية (بريخت) التي نقرأ فيها عن قائد لا يختلف عنه (نتنياهو) كثيرا، ونقرأ عن أم أيضا لا يختلف ما قالته له كثيرا أيضا عما قالته (عيناف) والدة الأسير (متان تسنغوكر) للثاني.
في مسرحية «محاكمة لوكللوس» يجري حوار بين القائد العظيم (لوكللوس) وبين الأم بائعة السمك التي تنتظر عودة ابنها من الحرب:
«- لوكللوس: يا له من سؤال! هل كان عليّ أن أزحف بجيوشي، لكي اقتنص كرسيا جديدا لبائعة السمك؟
- بائعة السمك: إن كنت لم تجلب لنا شيئا إلى سوق السمك، فقد أخذت من سوق السمك أبناءنا».
- أنا اعترض على هذا الكلام. كيف يحكم على الحرب من لا يعرف شيئا عنها؟
- ولدي سقط في الحرب صريعا، كنت بائعة سمك في السوق عن ساحة (الفورو)، وذات يوم قيل لنا، إن السفن التي تحمل العائدين من الحرب في آسيا قد دخلت الميناء. أسرعت أجري من السوق ووقفت على شاطئ (التيبر) ساعات عديدة حيث كانوا يفرغونها، وفي المساء، كانت السفن كلها خاوية ولم يظهر ولدي على سطحها».
ترى هل اختلف المشهد المعاصر الذي نتابع أخباره يوميا عن المشهد الذي قرأناه في المسرحية؟
ولكي أكون في الكتابة موضوعيا، فإن هناك من أبناء قطاع غزة، ممن لهم مواقف معارضة لطوفان الأقصى، يحاكمون فيما يكتبون قادة «حماس» لما قامت به، وغالبا ما يعيرون مفاوضيها في الدوحة، بأنهم لا يعيشون الجحيم الذي يعيشه أبناء قطاع غزة، وأستطيع أن أذكر أسماء نشطاء كثر على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.
ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا، ولا عجب فالثنائيات، كما يقول أصحاب المنهج البنيوي، ثابتة ومحدودة منذ بدء الخلق تتغير مظاهرها/ بناها السطحية، أما البنية العميقة فواحدة تقريبا.
***
98- هوامش من وحي ما يجري في غزة تل الزعتر وبيروت وغزة وثلاث قصائد لمحمود درويش
في ٢٢ آب قرأت قصيدة محمود درويش «القربان» وسمعتها بصوته أيضاً، ورأيت أنها تقول لنا إن غزة هي قربان الفلسطينيين والعرب والمسلمين. هل كنت أبالغ؟
عندما أدرجتها في صفحتي عقّب على رأيي فيها أربعة هم: شمس محمد رباع إحدى طالباتي في قسم اللغة العربية، والدكتور خالد الجبر المتخصص في الأدب العربي وهو شاعر وناقد أصدر كتابين عن محمود درويش، والناشطان سليم البسط وتوفيق أبو سعدة وهما من الضفة الغربية.
كتبت شمس:
«نعم هي كذلك. غزة هي القربان وهي وحدها من دفعت وما زالت تدفع الثمن».
ورأى الدكتور خالد أن القصيدة تصدق تماماً على الحال الحاضر، كما صدقت على أحوال قبله... «نعيش هذه الحالة منذ ٨٠ سنة».
وكان سليم البسط حاداً فكتب: «بلا عرب - بلا مسلمين - بلا بطيخ - الكل معني بإنهاء غزة وعلى رأسهم ترامب كبيرهم الذي يشفط أموالهم».
وأما توفيق أبو سعدة فكان تعقيبه يمس شاعرية الشاعر. هل القصيدة شعر؟: «لو أعطينا هذا النص لمائة شخص لخرجنا بمئة فهم مختلف، وكلها تختلف عن قصد القائل، إن كان له قصد. فأي شعر هذا وأين البيان؟ ولو كتب بحروف صينية لما كان هناك فرق. هل تظن أن مثل هذا سيصمد للزمن بعد زوال العكازات؟»
والإجابة الأخيرة أعادتني إلى نظريات نقدية حديثة لست متأكداً من أن صاحبها - أي الإجابة - ملم بها - أي بالنظريات -؛ نظريات ترى أن فهم النص يتكئ على ثقافة القارئ وتجربته ولا تلتفت إلى قصد المؤلف.
وكما يعرف الملمون بالنقد فإن هناك مناهج، مثل المنهج الاجتماعي، كانت تقرأ النص بناء على قصد مؤلفه [مؤلف > نص]، فإن التبس الأمر على القارئ سئل المؤلف، وظل الأمر كذلك حتى جاءت نظرية التلقي التي نقلت مركز الثقل من المؤلف إلى القارئ [نص > قارئ]، هذا إذا تجاوزنا بعض الأسلوبيات والمنهج البنيوي، وهي مناهج تقرأ النص على أنه نشاط لغوي، مركزة على النص فقط [نص].
شخصياً ربطت قصيدة «القربان» بقصائد محددة من قصائد درويش كتبها في ظروف مشابهة للظرف الذي يمر به قطاع غزة، ظروف حوصر فيها فلسطينيون لم يجدوا من يقف إلى جانبهم ليساعدهم في فك الحصار.
ثمة معاناة وموت، وثمة عجز وصمت واكتفاء بالمشاهدة وإصدار بيانات إدانة. وعندما كتب الشاعر «القربان» في ٢٠٠١ لم يكن الوضع مختلفاً. يومها كانت رام الله تحاصر كما حوصر، من قبل، مخيم تل الزعتر وبيروت.
هنا أشير إلى قصيدة «أحمد الزعتر» ١٩٧٦ التي كتبت في حصار مخيم تل الزعتر وسقوطه، وقصيدة «مديح الظل العالي» التي كتبت في حصار بيروت ١٩٨٢.
تعكس القصائد الثلاث البنية نفسها وتأتي على ثنائية الفدائي/ الآخرون، ويتجسد الآخرون في العدو والعالم العربي في القصيدتين الأوليين، والكهان في قصيدة «القربان».
في الأولى يخاطب أحمد الزعتر، وفي الثانية الظل العالي، وفي الثالثة القربان، والثلاثة يقاومون ويحاصرون وهم الأجمل والأبهى.
في القصيدة الأولى للفدائي الهتاف ووصايا البرتقال، والقصائد في النزيف، وتجاعيد الجبال، والزفاف، والمجلات الملونة، والمراثي المطمئنة، وملصقات الحائط، والعلم، والتقدم، وفرقة الإنشاد، ومرسوم الحداد، وكل شيء حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجهه. إنه وحيد أعدوا له، من المحيط إلى الخليج ومن الخليج إلى المحيط، الجنازة وانتخاب المقصلة.
وفي الثانية هو المسألة، له أن يكون ولا يكون، فكل أسئلة الوجود وراء ظله مهزلة، وله الكون، وهو خالقه، دفتره الصغير.
إنه يمشي من أسطورة إلى أسطورة علما. وهو سيد روحنا وسيد الكينونة المتحولة، وهو حرية التكوين وخالق الطرقات وعكس المرحلة، وليس له العروش- المزبلة.
إنه أوسع من بلاد الناس وأوسع من فضاء المقصلة، ووحده يدافع عن جدار ليس له، فالعرب باعوا روحهم وضاعوا وضاعت معهم لغتهم التي تفتش عن بنيها الأموات وتموت ككل ما فيها وترمى في المعاجم.
وفي الثالثة تظهر له صورة بهية لا تختلف. إنه كبش الفداء - فدائنا، وهو أيقونة للحائرين وزينة للساهرين شهيد وشاهد، ولد من نور ومن نار، وهو حبيب الله وابن شقائق النعمان واستعارتنا الوحيدة فوق هاوية الغنائيين.
يضيء لنا الدم الزكي وكل ورد الأرض لا يكفي لعرشه. يحترق ليضيئنا، فقد تمطر السحب القديمة من نوافذ حرفه العالي «كن نور البشارة واكتب الرؤيا على باب المغارة واهدنا درباً سوياً».
به يأمل الشاعر أن يحتفل كل ما يخضر من شجر ومن حجر... الخ.
ويمكن، لو كان هناك مساحة أوسع، الكتابة عن الصورة السلبية للآخرين.
ترى لو كان الشاعر نفسه حياً، ماذا كان سيكتب؟ هل سيكتب قصيدة رابعة، إن بحثنا عن صورة الفلسطيني المقاوم فيها وصورة الآخر الإسرائيلي وصورة النظام العربي، سنكتب عن أربع قصائد لها البنية نفسها؟
***
99- هوامش من وحي ما يجري في غزة:
أدب رثاء البيوت والحارات وأشياء المنزل
المتابع لما يقوله أبناء قطاع غزة في وسائل الإعلام مثل الإذاعة وفي أشرطة الفيديو، ولما يكتبونه في وسائل التواصل الاجتماعي من نصوص ومنشورات، سيقرأ مراثي لبيوتهم وأشيائها، ما يذكرنا بقصيدة محمود درويش «البيت قتيلا» التي ظهرت في ديوانه «أثر الفراشة» (٢٠٠٧)؛ القصيدة التي انتبهت إليها في ٢١ تموز ٢٠٢٤، فأدرجتها على صفحتي وعدت لأدرجها ثانية في ٦/ ٨/ ٢٠٢٤ وأكتب فقرة عنها أنبه فيها أبناء قطاع غزة إلى الموضوع، وأظن أن قسما منهم كتب فيه، بل هناك من استحضر نصوصا شعرية عربية قديمة في رثاء الديار وقرأها على أنقاض بيته.
في نهاية آب والأول من أيلول ٢٠٢٥، قرأت نصوصا لأكرم الصوراني وديانا الشناوي وشجاع الصفدي عن بيوتهم وذكرياتهم فيها، وأصغيت إلى محمد عمران الأسطل يتحدث عما ألم بمنزله ومنازل عائلته. وقبل هذا وذاك، شاهدت شريط فيديو للأستاذ الجامعي محمود عبد المجيد عساف يقف على أنقاض بيته متحسرا على مشروع العمر ضاربا رأسه في بقايا الجدران راثيا أوضاعه التي آل إليها.
يكتب أكرم نصا لافتا عن الأيام الأخيرة له، ولزوجته ولابنه خالد ولابنته كارمن، في البيت قبل النزوح منه، يفتتحه بالآتي:
«كل الشبابيك بتزكرني فيك وأكثر شيء بحبه بهالبيت هوي الشبابيك..!
الأغنية التي أدمنتها «ودانك ووداني»
يبدو ستصبح غصة العمر يا أماني».
يكتب أكرم عن زوجته التي أخذت في الأسبوع الأخير من آب تطوي البيت، فيما كان هو يتأمل ما تفعله، ويستغرب تماسكها وهي تجرح قطعة من روحها وجوارحها، رائيا في ذلك أنها قد تعودت أو أنها قد تبلدت، ويدهش من طاقتها في ترتيب الأشياء وتصفيط الملابس وكتابتها لاصقا عليه اسم الشيء. ولم يطل تماسك الزوجة فقد انهارت. كأنها كانت تعد مراسم تشييع البيت وإقامة عزاء له. وهنا بدأ أكرم يدرك أن روح الدار كلها أخذ ينهار: «الأدوات الكهربائية لم نسمع لها صوتا منذ وقت، الغسالة، الثلاجة، التلفزيون، المكنسة، خلاط المولنكس، التكييف، السماعات وجهاز الصوت كأن على رؤوسهم الموت».
في ليلة وداع البيت التي كانت ليلة قاسية نام على بلاط أرضية المطبخ، وللبلاط قصة.
يرثي أكرم مكتبة والده ويتخيل أن للدرج قلبا يكاد ينفجر، إذ لم يتحمل خبر الإخلاء. ويبدو له أن أعراض حمى النزوح، ستلازمهم عمرهم القادم. «يبدو أن هذا الوقت هو آخر عهدنا بالبيت.. هي إذاً قيامة النزوح.. أو هو إذاً نزوح الروح».
أما ديانا الشناوي فتصف مغادرة بيتها كما لو أنها اقتلاع جزء من روحها، فالجدران ما زالت تحتفظ بظلها، والممرات تردد وقع خطاها، والنوافذ التي شهدت صمتها وحنينها تغلق خلفها كعيون دامعة.
وماذا عن رائحة الخبز التي كانت تعبق في الصباح؟ إنها تختفي، وأما صوت ضحكاتها القديمة فيذوب في الفراغ.
في بيت ديانا كل زاوية تعرفها، وكل حجر يذكرها بما كانت عليه، ومع ذلك ترحل وتمضي نحو المجهول محملة بوجع لا يهدأ: «كأنني أساق إلى التيه بلا خريطة ولا وعد بالعودة».
وماذا تجد في الخارج؟
«ضباب وسواد وغصة تنحت القلب حتى تشق الروح». فهل تيأس؟: «ومع ذلك يظل في داخلي باب يفتح صدري» و»وردة لا يذبلها الخراب».
شجاع الصفدي الذي قضى حياته حريصا حد الهوس على كل قصاصة ورق وكل هدية، وكان لديه انتماء مخيف للأشياء التي تحمل طابع الذكرى، وقد أورد ذكرها، شجاع صار يحتاج بعض الورق يوميا لتشتعل النار. لم يعد يكترث بخسارة شيء، وسيخاطب ابنه، الذي يحضر له الأوراق ليختار منها ما يمكن حرقه، قائلا: «احرق ما شئت.... احرق ذكرياتي، احرق قصاصاتي، احرق أي شيء من هذه الأكوام المكدسة في بقايا مكتبي. ثروة العمر من الذكريات لم تعد تساوي شيئا، دعها تحترق فتساعدنا قليلا قبل أن نتركها وتحترق بلا جدوى».
إن ما يراه شجاع الآن يشعل حرائق في القلب «ولهذا يخاطب أهل قطاع غزة: «احرقوا الذكريات بأيديكم، قبل أن تحترق قلوبكم عليها».
ويبدو، بخلاف ديانا، متشائما ومثله الدكتور محمود عبد المجيد عساف الذي تحسر على شقاء العمر؛ على منزله وعلى مكتبته التي جمع كتبها خلال خمسة وأربعين عاما، فبكى وضرب رأسه في الجدار، وعندما نزح مؤخرا تمنى أن يعجل الله بأخذ وديعته.
محمد عمران الأسطل مراسل إذاعة أجيال حكى، قبل ستة أيام، في رسالة صوتية له لإذاعة «أجيال»، بحسرة عن فقدانه منزله. حكى عما قاله له ابن عمه عبد الرحمن الذي فقد منازل له ولأبنائه من أن منزل المرء هو كعبته وأقصاه ولا يقل عن الكعبة والأقصى والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وحكى عن حلم ابنته دانة ابنة السابعة عشرة عاما من عمرها: أن تعود إلى المنزل وتنام في سريرها؛ ولكن المنزل دمر فدمر معه الحلم.
أول من أمس الجمعة، في الخامس من أيلول، تم تدمير برج مشتهى في مدينة غزة والقصد هو تهجير الفلسطينيين من القطاع، وفيه كتب كتاب كثيرون منهم اكرم الصوراني ويسري الغول، وتحسر عليه سكانه وبكى الرجال، كما في شريط فيديو بثه شاب يودع شقته في البرج. قبل الجدران ودعا الله، وهو يغادرها، أن يعيده إليها، وبكى .. نعم بكى.
حالة تعبانة يا الله!
يتبع
***
100- هوامش من وحي ما يجري في غزة : عيسى العوام
في العام ١٩٧٩ كتبت قصة قصيرة عنوانها " هل مات العوام غرقا ؟ " عبرت فيها عن الواقع من خلال استلهام التاريخ ، وكان الدافع للكتابة بالدرجة الأولى التهرب من الرقابة الإسرائيلية على الصحافة الأدبية ، إذ كان الرقيب يشطب كثيرا من القصص ذات الأسلوب الواقعي ، رائيا فيها تحريضا ، ما ترك أثرا سلبيا على بعض الكتاب وحال بينهم والنشر .
ولما كنت درست الأدب العربي وقرأت بعض قصص كتاب وظفوا التاريخ للتعبير عن الواقع ، مثل جمال أبو حمدان ، ومثل زكريا تامر و جمال الغيطاني اللذين أعادت منشورات صلاح الدين في القدس طباعة بعض أعمالهما مثل " النمور في اليوم العاشر " و " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " ، فقد سلكت مسلك هؤلاء ، وأسعفني في ذلك دراسة مادة أدب الحروب الصليبية ، فقد تماثلت بعض أحداث تلك الفترة مع الأحداث المعاصرة . ولعل أهم حدث هو توقبع اتفاقية كامب ديفيد التي ذكرتني بقصة الملك الكامل والصلح الذي عقده مع الصليبيين ، وكان ذلك قبل أن أقرأ قصة الكاتب الإسرائيلي ( أ. ب. يهوشع ) " أمام الغابات " وكتاب أمين معلوف " الحروب الصليبية " .
من الشخصيات التي استحضرتها عيسى العوام الذي أسهم في تخفيف الحصار عن عكا المحاصرة . استحضرتها لأكتب من خلالها عن حصار الاحتلال الإسرائيلي على مواطني الضفة الغربية ، حيث ضيق الخناق على من يحضرون الأموال من الخارج ويوزعونها على بعض أهل الضفة الغربية ، ممن قاوموا الاحتلال .
عندما أعدت مؤخرا قراءة قصتي لاحظت أنها تكتب عن الواقع المعاصر وقليلا ما كتبت عن فترة حصار عكا ، إذ اقتصرت الكتابة على استحضار الحدث وشخصية عيسى العوام . ويعود السبب في ذلك إلى أنني لم أقرأ بما فيه الكفاية عن شخصية عيسى وعن عكا تحت الحصار ، وعندما نشرت في آخر اب ٢٠٢٥ فقرة عن عيسى وما قام به كتب لي الدكتور جمال جودة أستاذ التاريخ الفقرة التالية :
" أهل غزة الآن بحاجة إلى عيسى ذو الأنفاق !!!
ويذكر ابن شداد أنه لما حاصر الإفرنج عكا ، فإلى جانب مهمات عيسى العوام ، قام أهل بيروت أو أهل لبنان بتجهيز مركب بالمواد التموينية والأسلحة ، ولبس الذين في المركب الصلبان ، وحملوا معهم الخنازير ، ولبس الجميع لباس الفرنجة ، واتجهوا بمركبهم هذا إلى عكا ، وانخدع الفرنجة بهم وظنوهم منهم ، ودخلوا عكا ليلا ، وأمدوا سكانها المحاصرين بما يحتاجونه ؟!؟! ... أيذكرنا هذا بوقوف بيروت ولبنان إلى جانب غزة ومساندتهم !؟!؟!؟ هذه جوانب إيجابية سجلها مؤرخونا ، ولكن اذا درس تاريخنا بمنهجية علمية ستنقلب الطاولة على غالبية .... !؟!؟ " .
والسؤال هو ما علاقة ما سبق بما يجري في غزة ؟
عندما فاجأت حماس العالم بطوفان الأقصى وحاصرت إسرائيل القطاع وشنت عليه حرب إبادة وجوعت سكانه أخذوا يستنجدون بالعرب والمسلمين ، لعل هؤلاء يساعدون في فك الحصار ومنع التجويع بمد أهل القطاع بالمواد الصحية والمواد الغذائية التي صارت تنقصهم بشكل لافت ، ولا أريد أن أتحدث عن شعور الفلسطينيين بالخذلان وتخلي العرب عنهم .
بعض الدول العربية قامت - بموافقة إسرائيلية طبعا - بإنزال مساعدات على المحاصرين من خلال الجو . كأنما تقول هذا هو أقصى ما نستطيعه أو ما نقدر عليه أو كأنما تريد أن تسجل موقفا للتاريخ أنها لم تتخل عن الفلسطينيين في حصارهم .
هل كان ما قامت به هذه الدول يشبه ما قام به عيسى العوام ؟ وهل سيكتب التاريخ لاحقا إن روح الرجل حلت بمن قام بإنزال المساعدات ؟ وهل رأت حركة حماس في عملية الإنزال موقفا إيجابيا أم أنها رأت فيها حركة مسرحية ؟
وأنا أصغي إلى شريط فيديو لمقدم برنامج في تلفاز عربي لاحظت أنه أتى على مسؤول حماس خليل الحية وموقفه من الإنزال . هاجم مقدم البرنامج الحية هجوما قاسيا مدافعا عن بلده ، وهذا ذكرني بمواطنة مصرية هاجمت في بداية الحرب حركة حماس وما أقدمت عليه فردحت متسائلة إن كانت الحركة أخذت رأي مصر فيما أقدمت عليه ، وذهبت إلى أن الفلسطينيين ورطوا أنفسهم ويريدون توريط العرب .
المشهد هذا كله دفعني لأن أكتب تحت عنوان :
" التاريخ حين تكذبه الوقائع "
وقد أتيت على بعض أشرطة تصور ما يجري في غزة ؛ أشرطة يعبر فيها المتحدثون عن شعورهم بالمرارة والخذلان من العرب والمسلمين . في أحد هذه الأشرطة تري امرأة ما حصلت عليه لتطعم زوجها المريض وأطفالها ، وما حصلت عليه ليس سوى كراتين فارغة ، وفي شريط ثان تصرخ امرأة ثانية في وجه الصحفية مريم أبو دقة التي استشهدت لاحقا :
- لمين بتصورينا ،؟ لمين ؟ حسبي الله في اللي كان السبب "
فيما كتبته أنا تساءلت :
- ماذا سيكتب مؤرخو الأنظمة العربية عما يجري في غزة ؟
وتذكرت ما قاله ( كارلوس فونتيس ) لكاظم جهاد في مقابلة أجراها الأخير مع الأول نشرت في مجلة الكرمل في العدد ١٨ وكنت كتبت عن المقابلة مقالا في جريدة الشعب المقدسية في ٢٠ / ١ / ١٩٨٧ استعرت عنوانه من عنوان المقابلة وهو :
" كارلوس فونتيس : تقول الرواية ما يحجبه التاريخ " ، وهذا يعني أن ما قرأناه من تاريخ رسمي حجب تاربخ الناس العاديين . هل ستقرأ الأجيال القادمة عما قام به عيسى العوام في حصار غزة ؟
ربما وجب أن يكتب روائيوها روايات الناس العاديين الذين نزحوا وتقطعت أوصالهم وقتلوا وجرحوا وجاعوا ونهشت جثث موتاهم الكلاب و .. !
لقد صدق ( فونتيس ) حقا .
( الأربعاء ٣ / ٩ والثلاثاء ٩ / ٩ / ٢٠٢٥ )
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٤ / ٩ / ٢٠٢٥