عبدالمجيد العيباري - عن النقاش المتواصل حول أطروحتي في نقد كتاب "القصيدة" للدكتور عباس الجراري

عبدالمجيد العيباري - نقدٌ علمي لأطروحة "القصيدة" للدكتور عباس الجيراري

يُروَّج لكتاب القصيدة للدكتور عباس الجيراري على أنه مرجعٌ أساسي في دراسة شعر الملحون ونشأته، وقد حاز شهرة واسعة في الأوساط الأكاديمية والثقافية. غير أن القراءة المتأنية لهذا العمل تُظهر بوضوح أنه لا يرقى إلى مستوى المرجع الموثوق حين يُنظر إليه بمنظار التحقيق العلمي الصارم، إذ يقوم في جوهره على أطروحة متهافتة منهجيًا، مبنية على جملة من الافتراضات غير المثبتة، والتخمينات التي تفتقر إلى السند الوثائقي

1749162566840.png

لقد بذل الدكتور الجيراري جهدًا مشكورًا في تتبّع بدايات هذا الفن، لكن ذلك لم يُجنّبه الوقوع في فخّ الاستسهال، حين أسّس تأريخه للملحون على روايات شفهية وتقييدات شخصية لا ترقى إلى مستوى الوثيقة، بل تجعل من الاستدلال بها نوعًا من المغامرة البحثية غير المحسوبة. ومن بين التصريحات الصادمة التي تُضعف مصداقية هذا المسعى قوله: "لقد استفدنا كثيرًا من تقييدات أحمد سهوم."، ما يعني أن مادة الكتاب محمولة في جزء كبير منها على مرويات إذاعية وتأملات ذاتية، لا على أرشيف مكتوب ولا وثائق محققة، الأمر الذي يُدخل العمل في دائرة الخطابة لا التحقيق
وتتجلّى مكامن الضعف هذه بشكل جليّ في مواضع متفرقة من الكتاب، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر
في الصفحة 548، ينسب الجيراري قصيدةً إلى من يسميه عبد الله بن احساين، زاعمًا أنه شاعر من القرن التاسع الهجري، استنادًا فقط إلى ما أورده أحمد سهوم في أحد برامجه الإذاعية. والحال أن هذه القصيدة غير موجودة في أي مخطوط معروف، ولا توجد وثيقة واحدة تؤكد وجود هذا الشاعر في ذلك الزمن. بل إن التحليل الفني الدقيق لهذه القصيدة يكشف عن مستوى من النضج اللغوي والصناعة الشعرية لا ينسجم مع المرحلة التاريخية المنسوبة إليها، بل يوحي بأنها تنتمي إلى عصر لاحق، أكثر نضجًا وتطورًا
في الصفحة 379، يسقط الجيراري في تناقض بيّن حين يُقرر أن مصطلح "المداحي" كان يُطلق فقط على من يمدح النبي ﷺ، ثم لا يلبث أن يورد قصيدة ينسبها إلى شاعر يُدعى بوعمرو، جاء فيها عتاب لشعراء عصره لأنهم مدحوا الأشخاص وتركوا مدح الرسول. إلا أن فحص المعجم والأسلوب يكشف أن هذه القصيدة تنتمي لعصر حديث نسبيًا، مما يُضعف مرة أخرى فرضية نسبتها إلى شاعر قديم
ومن المفارقات اللافتة، أن العديد من القصائد المنسوبة إلى شعراء "مختلفين" ضمن هذا العمل، تتقاطع بشكل مثير للريبة في الأسلوب والبنية والمفردات، ما يوحي بوجود "بصمة واحدة" تقف خلفها جميعًا، وكأننا أمام شاعر معاصر محترف نَسَجَ هذه القصائد بأسلوب تقليدي ثم نُسبت عمدًا إلى أسماء غابرة، في محاولة لإعطاء نصوصه صبغة تاريخية مفتعلة
ومن هنا، فإن محاولة الجيراري للبحث عن البداية الحقيقية لشعر الملحون تبدو أقرب إلى العبث العلمي منها إلى الاجتهاد الرصين. فالملحون، كغيره من الفنون الشفهية، بدأ في بيئات شعبية بسيطة، ومرّ بمراحل من النسيان والإقصاء، بحيث لم يُدوَّن إلا ما ثبت بقاؤه لجماله ورسوخه، لا لما يُفترض أنه "البداية". ولذلك، فإن الاستناد إلى نصوص منسوبة بلا سند موثّق لا يُنتج تاريخًا، بل يخلق صورة مصطنعة لتاريخ لم يكن
إن أطروحة الدكتور الجيراري، رغم ما فيها من حسن النية والاهتمام الجاد، تفتقر إلى أبسط شروط التحقيق العلمي، وتعتمد على مصادر غير موثوقة، وتُكرّر تناقضات جوهرية لا يمكن القبول بها أكاديميًا. ومن هذا المنطلق، فإن من الضروري إعادة النظر في نتائج هذا الكتاب بكل جدّية ومسؤولية، وفتح الملف مجددًا بمنهجية علمية دقيقة، تقوم على التحليل النصي، والمقارنة الأسلوبية، والاستناد إلى وثائق ثابتة
وسيكون هذا الموضوع – بعون الله – محورًا لعدة حلقات على قناتكم "مدرسة العيباري للملحون"، نعرض فيها هذه الإشكالات تفصيلًا، ونفككها بالدليل والتحليل، لكشف الحقائق كما هي، لا كما أُريد لها أن تُقدَّم
وإني إذ أتناول هذه الأطروحة بالنقد، فلا أروم التقليل من شخص الدكتور عباس الجيراري، الذي لا يُنكر أحد مكانته الفكرية ودوره في المشهد الثقافي المغربي، وإنما غايتي من هذا الطرح هي إعادة فحص ما صار يُقدَّم للباحثين والطلبة على أنه يقينٌ علمي، بينما هو في حقيقته محلّ نظر واجتهاد
أسأل الله التوفيق في هذا المسعى، وأدعو المتابعين الكرام إلى التفاعل والمشاركة، فالقضية ليست مجرد نقاش أكاديمي، بل دفاع عن أمانة تاريخ فنٍّ عريق، اسمه الملحون.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى