أصدقائي الأعزاء، الباحثين والمهتمين بفن الملحون،
لا تزال التعليقات والملاحظات تردني حول ما أبديته من آراء نقدية بخصوص كتاب "القصيدة: نشأتها وتطورها" للدكتور عباس الجراري رحمه الله. ولأنني أؤمن بأن الحوار العلمي الصادق يصنع الوعي، ويُثري المعرفة، أحببت أن أوضح بعض الجوانب، وأعيد ترتيب أطروحتي حتى تتجلى الفكرة كما ينبغي:
أولًا: ما أطرحه ليس وليد اليوم
منذ أكثر من عشرين سنة، وأنا أتطرق إلى قضايا نشأة وتطور شعر الملحون في لقاءاتي مع المهتمين، وأطرح تساؤلات جوهرية حول بعض المسلّمات الأكاديمية في هذا المجال. ومع أنني لم أكن أمتلك وسيلة نشر واسعة في بداياتي، فإن إنشاء قناتي على يوتيوب "مدرسة العيباري للملحون" قد أتاح لي فرصة شرح وتحليل أبرز قصائد هذا الفن، من خلال منهج تحليلي بنيوي ودلالي، مع الإحالة على المراجع الأساسية، وفي مقدمتها كتاب الدكتور الجراري نفسه. ويمكن لمن شاء الرجوع إلى تاريخ نشر تلك الحلقات للتأكد من ذلك
ثانيًا: النقد لا يعني التجريح
من نافلة القول أن نُقرّ بمكانة الدكتور عباس الجراري بوصفه من أوائل من سعوا إلى تأريخ الملحون أكاديميًا، وكتابه القصيدة يُعدّ لبنة تأسيسية مهمة في هذا الباب. لكن هذا لا يمنعنا من مساءلة بعض مخرجاته، بل يُوجب علينا ذلك، ما دام الهدف هو تصحيح المسار، وتطوير الرؤية العلمية.
وقد ركزت في نقدي على الخلط المنهجي بين "الزجل" و"الملحون"، وهما فنّان يختلفان في الأصل والوظيفة والبنية العروضية.
فالزجل، كما هو معروف، لا يستند إلى عروض مضبوط، وهو أقرب إلى الشعر الحر أو المرتجل، بينما الملحون، بطبيعته، يقوم على بحور عروضية منتظمة، ودائرة موسيقية دقيقة، ويُحكم بصرامة في البناء والتركيب.
ثالثًا: التحديات الفكرية في دراسة الملحون
أحد أبرز التحديات التي واجهتني، هو أن كثيرًا من الأكاديميين ظلوا يتمسكون بالمراجع التأسيسية، مثل كتاب القصيدة أو معلمة الملحون للأستاذ محمد الفاسي، دون أن يمارسوا عليها ما ينبغي من مساءلة نقدية.
ومن الأمثلة البارزة، أن الفاسي في معلمته التي تضم تراجم لما يفوق 600 شاعر – لم يذكر اسم "عبد الله بن احساين"، الذي يعتبره الدكتور الجراري واضع أول وزن في شعر الملحون
أليس من الغريب أن يغيب ذكر هذا "الرائد المؤسس" عن سائر المصادر والمخطوطات؟ ألا يدعو ذلك إلى إعادة النظر؟
رابعًا: ملاحظاتي على طرح الدكتور الجراري
1. استعمال مصطلح "الزجل" بدل "الملحون":
لقد أُطلق لفظ "الزجل" في مواضع داخل كتاب القصيدة على ما هو في الحقيقة من صميم شعر الملحون. وهذا خلط يوقع في إشكالات أكاديمية ومنهجية، خاصة وأن بينهما اختلافًا في المبنى ، و المعجم ، والتكوين الفني.
2. تأويل مصطلح "الملحون" على أنه خطأ لغوي:
وصف الملحون بأنه "كلام لُحن عن الإعراب" أو أنه "خاطئ نحويًا" فيه اختزال مُخلّ. إن الملحون ليس خللًا لغويًا، بل هو تراث ادبي، له نظام خاص، وقواعد ومحسنات بلاغية و صور فنية، تُعبّر عن هوية شعبية متكاملة. فهل يصح أن نُسمي هذا الإبداع "ملحونًا" بمعنى "الخطاء"؟ كيف نُطلق عليه هذا الوصف وقد نظمنا به ملاحمنا، في قصائد تشمل من فنون البلاغة و دقائق المعاني و سلاسة اللفظ مما يخرص الفصحاء و يخجل البلغاء فضلا عما فيها من حكم و مواعض و امثال، وقد وتوارثنا تلك القصائد جيلًا عن جيل؟
3. فهم "المكسور الجناح" فهما حرفيًا:
لقد فُسّر "المكسور الجناح" على أنه تشبيه بطائر مكسور الجناح، وهو تفسير مجازي حيوي، لكنه لا يعكس حقيقة المصطلح الفنية.
فـ"المكسور الجناح" في عرفنا الفني يعني: الخروج الإبداعي الواعي عن الدائرة الموسيقية المألوفة، وهو من أساليب التجديد في شعر الملحون، ويُعرف أيضًا باسم "التجنيحة".
خامسًا: حول ما أثير بشأن وجود عبد الله بن احساين
إنّ التشكيك في وجود هذا الشاعر لا يقوم على أوهام، بل على تحليل عميق للقصائد المنسوبة إليه، والتي – وفق ما أورده الدكتور الجراري – تتضمن مستوى عاليًا من الصنعة واللغة، لا يمكن أن تكون إرهاصات أولى.
كما أن غيابه التام عن معلمة الفاسي وسائر المخطوطات المحفوظة، دليل قوي على أن الأمر يتعلق بنسبة متأخرة.
أما المقارنة بامرئ القيس، فليست في محلها، فذاك شاعر أثبت وجوده عبر المعلقات، والرواة، والمخطوطات، والمستشرقين، وله آلاف الشواهد النصية، خلافًا لعبد الله بن احساين الذي لا نجد له أثرًا إلا في سرد الجراري
سادسًا: "تحقيق علمي صارم" أم بحث ميداني طويل؟
البعض وصف أطروحتي بأنها "رأي شخصي"، بينما الحقيقة أنها ثمرة خمسين عامًا من الممارسة والحفظ والكتابة والبحث الميداني، وتحليل النصوص الشعرية العتيقة، ومقارنة الأوزان، ورصد التحولات اللحنية والبنائية.
ومن تابع حلقاتي حول العروض، والوزن، والمرمة، والعافية، وشرح قصائد مثل الطبيب والوردة والرعد، يدرك تمامًا أنني أشتغل بمنهج علمي دقيق، يقوم على تأصيل المصطلح، وتحليل البنية، واستقراء المصادر.
سابعًا: لماذا أطرح هذا النقد؟
ليس الغرض من نقدي الانتقاص من قامة علمية كبيرة مثل الدكتور الجراري رحمه الله، وإنما هو دعوة إلى تجاوز الجمود، والانفتاح على مناهج حديثة في التحليل الشعري، تُعامل فن الملحون باعتباره فنًّا قائمًا بذاته، له لغته، وعروضه، وجمالياته، وأجناسه، ومراحله.
وفي هذا السياق، أقدم التعريف التالي: الملحون هو شعر عامي موزون مقفى، محكم بدائرة موسيقية، ويتفرع إلى أربعة أشكال: العمودي، المكسور الجناح، السوسي، والسرابة.
نقدي هذا لا يمس الأشخاص، بل يطال المفاهيم والمنهجيات، وهذا ما تقتضيه الأمانة العلمية.
رحم الله الدكتور الجراري، فقد كان من الرواد، ومهد الطريق للدارسين، ولكن المشاريع العلمية تُعرض للنقاش، ويُعاد النظر فيها باستمرار، خاصة مع تطور أدوات البحث، وتوسع الأرشيف، وتعدد القراءات.
وفن الملحون، وهو أحد أعمدة الذاكرة المغربية، جدير اليوم بقراءة أكثر وعيًا، تنطلق من عمقه البنيوي والدلالي، وتؤمن بأنه ليس مجرد "لهجة دارجة"، بل فن عريق يُعبّر عن أمة، ويستحق أن يُدرس بصفته علمًا قائمًا بذاته.
مع المحبة والتقدير
عبدالمجيد العيباري
باحث وشاعر ملحون
مؤسس قناة "مدرسة العيباري للملحون"
لا تزال التعليقات والملاحظات تردني حول ما أبديته من آراء نقدية بخصوص كتاب "القصيدة: نشأتها وتطورها" للدكتور عباس الجراري رحمه الله. ولأنني أؤمن بأن الحوار العلمي الصادق يصنع الوعي، ويُثري المعرفة، أحببت أن أوضح بعض الجوانب، وأعيد ترتيب أطروحتي حتى تتجلى الفكرة كما ينبغي:
أولًا: ما أطرحه ليس وليد اليوم
منذ أكثر من عشرين سنة، وأنا أتطرق إلى قضايا نشأة وتطور شعر الملحون في لقاءاتي مع المهتمين، وأطرح تساؤلات جوهرية حول بعض المسلّمات الأكاديمية في هذا المجال. ومع أنني لم أكن أمتلك وسيلة نشر واسعة في بداياتي، فإن إنشاء قناتي على يوتيوب "مدرسة العيباري للملحون" قد أتاح لي فرصة شرح وتحليل أبرز قصائد هذا الفن، من خلال منهج تحليلي بنيوي ودلالي، مع الإحالة على المراجع الأساسية، وفي مقدمتها كتاب الدكتور الجراري نفسه. ويمكن لمن شاء الرجوع إلى تاريخ نشر تلك الحلقات للتأكد من ذلك
ثانيًا: النقد لا يعني التجريح
من نافلة القول أن نُقرّ بمكانة الدكتور عباس الجراري بوصفه من أوائل من سعوا إلى تأريخ الملحون أكاديميًا، وكتابه القصيدة يُعدّ لبنة تأسيسية مهمة في هذا الباب. لكن هذا لا يمنعنا من مساءلة بعض مخرجاته، بل يُوجب علينا ذلك، ما دام الهدف هو تصحيح المسار، وتطوير الرؤية العلمية.
وقد ركزت في نقدي على الخلط المنهجي بين "الزجل" و"الملحون"، وهما فنّان يختلفان في الأصل والوظيفة والبنية العروضية.
فالزجل، كما هو معروف، لا يستند إلى عروض مضبوط، وهو أقرب إلى الشعر الحر أو المرتجل، بينما الملحون، بطبيعته، يقوم على بحور عروضية منتظمة، ودائرة موسيقية دقيقة، ويُحكم بصرامة في البناء والتركيب.
ثالثًا: التحديات الفكرية في دراسة الملحون
أحد أبرز التحديات التي واجهتني، هو أن كثيرًا من الأكاديميين ظلوا يتمسكون بالمراجع التأسيسية، مثل كتاب القصيدة أو معلمة الملحون للأستاذ محمد الفاسي، دون أن يمارسوا عليها ما ينبغي من مساءلة نقدية.
ومن الأمثلة البارزة، أن الفاسي في معلمته التي تضم تراجم لما يفوق 600 شاعر – لم يذكر اسم "عبد الله بن احساين"، الذي يعتبره الدكتور الجراري واضع أول وزن في شعر الملحون
أليس من الغريب أن يغيب ذكر هذا "الرائد المؤسس" عن سائر المصادر والمخطوطات؟ ألا يدعو ذلك إلى إعادة النظر؟
رابعًا: ملاحظاتي على طرح الدكتور الجراري
1. استعمال مصطلح "الزجل" بدل "الملحون":
لقد أُطلق لفظ "الزجل" في مواضع داخل كتاب القصيدة على ما هو في الحقيقة من صميم شعر الملحون. وهذا خلط يوقع في إشكالات أكاديمية ومنهجية، خاصة وأن بينهما اختلافًا في المبنى ، و المعجم ، والتكوين الفني.
2. تأويل مصطلح "الملحون" على أنه خطأ لغوي:
وصف الملحون بأنه "كلام لُحن عن الإعراب" أو أنه "خاطئ نحويًا" فيه اختزال مُخلّ. إن الملحون ليس خللًا لغويًا، بل هو تراث ادبي، له نظام خاص، وقواعد ومحسنات بلاغية و صور فنية، تُعبّر عن هوية شعبية متكاملة. فهل يصح أن نُسمي هذا الإبداع "ملحونًا" بمعنى "الخطاء"؟ كيف نُطلق عليه هذا الوصف وقد نظمنا به ملاحمنا، في قصائد تشمل من فنون البلاغة و دقائق المعاني و سلاسة اللفظ مما يخرص الفصحاء و يخجل البلغاء فضلا عما فيها من حكم و مواعض و امثال، وقد وتوارثنا تلك القصائد جيلًا عن جيل؟
3. فهم "المكسور الجناح" فهما حرفيًا:
لقد فُسّر "المكسور الجناح" على أنه تشبيه بطائر مكسور الجناح، وهو تفسير مجازي حيوي، لكنه لا يعكس حقيقة المصطلح الفنية.
فـ"المكسور الجناح" في عرفنا الفني يعني: الخروج الإبداعي الواعي عن الدائرة الموسيقية المألوفة، وهو من أساليب التجديد في شعر الملحون، ويُعرف أيضًا باسم "التجنيحة".
خامسًا: حول ما أثير بشأن وجود عبد الله بن احساين
إنّ التشكيك في وجود هذا الشاعر لا يقوم على أوهام، بل على تحليل عميق للقصائد المنسوبة إليه، والتي – وفق ما أورده الدكتور الجراري – تتضمن مستوى عاليًا من الصنعة واللغة، لا يمكن أن تكون إرهاصات أولى.
كما أن غيابه التام عن معلمة الفاسي وسائر المخطوطات المحفوظة، دليل قوي على أن الأمر يتعلق بنسبة متأخرة.
أما المقارنة بامرئ القيس، فليست في محلها، فذاك شاعر أثبت وجوده عبر المعلقات، والرواة، والمخطوطات، والمستشرقين، وله آلاف الشواهد النصية، خلافًا لعبد الله بن احساين الذي لا نجد له أثرًا إلا في سرد الجراري
سادسًا: "تحقيق علمي صارم" أم بحث ميداني طويل؟
البعض وصف أطروحتي بأنها "رأي شخصي"، بينما الحقيقة أنها ثمرة خمسين عامًا من الممارسة والحفظ والكتابة والبحث الميداني، وتحليل النصوص الشعرية العتيقة، ومقارنة الأوزان، ورصد التحولات اللحنية والبنائية.
ومن تابع حلقاتي حول العروض، والوزن، والمرمة، والعافية، وشرح قصائد مثل الطبيب والوردة والرعد، يدرك تمامًا أنني أشتغل بمنهج علمي دقيق، يقوم على تأصيل المصطلح، وتحليل البنية، واستقراء المصادر.
سابعًا: لماذا أطرح هذا النقد؟
ليس الغرض من نقدي الانتقاص من قامة علمية كبيرة مثل الدكتور الجراري رحمه الله، وإنما هو دعوة إلى تجاوز الجمود، والانفتاح على مناهج حديثة في التحليل الشعري، تُعامل فن الملحون باعتباره فنًّا قائمًا بذاته، له لغته، وعروضه، وجمالياته، وأجناسه، ومراحله.
وفي هذا السياق، أقدم التعريف التالي: الملحون هو شعر عامي موزون مقفى، محكم بدائرة موسيقية، ويتفرع إلى أربعة أشكال: العمودي، المكسور الجناح، السوسي، والسرابة.
نقدي هذا لا يمس الأشخاص، بل يطال المفاهيم والمنهجيات، وهذا ما تقتضيه الأمانة العلمية.
رحم الله الدكتور الجراري، فقد كان من الرواد، ومهد الطريق للدارسين، ولكن المشاريع العلمية تُعرض للنقاش، ويُعاد النظر فيها باستمرار، خاصة مع تطور أدوات البحث، وتوسع الأرشيف، وتعدد القراءات.
وفن الملحون، وهو أحد أعمدة الذاكرة المغربية، جدير اليوم بقراءة أكثر وعيًا، تنطلق من عمقه البنيوي والدلالي، وتؤمن بأنه ليس مجرد "لهجة دارجة"، بل فن عريق يُعبّر عن أمة، ويستحق أن يُدرس بصفته علمًا قائمًا بذاته.
مع المحبة والتقدير
عبدالمجيد العيباري
باحث وشاعر ملحون
مؤسس قناة "مدرسة العيباري للملحون"
عبدالمجيد العيباري - نقدٌ علمي لأطروحة "القصيدة" للدكتور عباس الجيراري
يُروَّج لكتاب القصيدة للدكتور عباس الجيراري على أنه مرجعٌ أساسي في دراسة شعر الملحون ونشأته، وقد حاز شهرة واسعة في الأوساط الأكاديمية والثقافية. غير أن القراءة المتأنية لهذا العمل تُظهر بوضوح أنه لا يرقى إلى مستوى المرجع الموثوق حين يُنظر إليه بمنظار التحقيق العلمي الصارم، إذ يقوم في جوهره على أطروحة متهافتة منهجيًا، مبنية على جملة من الافتراضات غير المثبتة، والتخمينات التي تفتقر إلى السند الوثائقي
لقد بذل الدكتور الجيراري جهدًا مشكورًا في تتبّع بدايات هذا الفن، لكن ذلك لم يُجنّبه الوقوع في فخّ الاستسهال، حين أسّس تأريخه للملحون على روايات شفهية وتقييدات شخصية لا ترقى إلى مستوى الوثيقة، بل تجعل من الاستدلال بها نوعًا من المغامرة البحثية غير المحسوبة. ومن بين التصريحات الصادمة التي تُضعف مصداقية هذا المسعى قوله: "لقد استفدنا كثيرًا من تقييدات أحمد سهوم."، ما يعني أن مادة الكتاب محمولة في جزء كبير منها على مرويات إذاعية وتأملات ذاتية، لا على أرشيف مكتوب ولا وثائق محققة، الأمر الذي يُدخل العمل في دائرة الخطابة لا التحقيق
وتتجلّى مكامن الضعف هذه بشكل جليّ في مواضع متفرقة من الكتاب، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر
في الصفحة 548، ينسب الجيراري قصيدةً إلى من يسميه عبد الله بن احساين، زاعمًا أنه شاعر من القرن التاسع الهجري، استنادًا فقط إلى ما أورده أحمد سهوم في أحد برامجه الإذاعية. والحال أن هذه القصيدة غير موجودة في أي مخطوط معروف، ولا توجد وثيقة واحدة تؤكد وجود هذا الشاعر في ذلك الزمن. بل إن التحليل الفني الدقيق لهذه القصيدة يكشف عن مستوى من النضج اللغوي والصناعة الشعرية لا ينسجم مع المرحلة التاريخية المنسوبة إليها، بل يوحي بأنها تنتمي إلى عصر لاحق، أكثر نضجًا وتطورًا
في الصفحة 379، يسقط الجيراري في تناقض بيّن حين يُقرر أن مصطلح "المداحي" كان يُطلق فقط على من يمدح النبي ﷺ، ثم لا يلبث أن يورد قصيدة ينسبها إلى شاعر يُدعى بوعمرو، جاء فيها عتاب لشعراء عصره لأنهم مدحوا الأشخاص وتركوا مدح الرسول. إلا أن فحص المعجم والأسلوب يكشف أن هذه القصيدة تنتمي لعصر حديث نسبيًا، مما يُضعف مرة أخرى فرضية نسبتها إلى شاعر قديم
ومن المفارقات اللافتة، أن العديد من القصائد المنسوبة إلى شعراء "مختلفين" ضمن هذا العمل، تتقاطع بشكل مثير للريبة في الأسلوب والبنية والمفردات، ما يوحي بوجود "بصمة واحدة" تقف خلفها جميعًا، وكأننا أمام شاعر معاصر محترف نَسَجَ هذه القصائد بأسلوب تقليدي ثم نُسبت عمدًا إلى أسماء غابرة، في محاولة لإعطاء نصوصه صبغة تاريخية مفتعلة
ومن هنا، فإن محاولة الجيراري للبحث عن البداية الحقيقية لشعر الملحون تبدو أقرب إلى العبث العلمي منها إلى الاجتهاد الرصين. فالملحون، كغيره من الفنون الشفهية، بدأ في بيئات شعبية بسيطة، ومرّ بمراحل من النسيان والإقصاء، بحيث لم يُدوَّن إلا ما ثبت بقاؤه لجماله ورسوخه، لا لما يُفترض أنه "البداية". ولذلك، فإن الاستناد إلى نصوص منسوبة بلا سند موثّق لا يُنتج تاريخًا، بل يخلق صورة مصطنعة لتاريخ لم يكن
إن أطروحة الدكتور الجيراري، رغم ما فيها من حسن النية والاهتمام الجاد، تفتقر إلى أبسط شروط التحقيق العلمي، وتعتمد على مصادر غير موثوقة، وتُكرّر تناقضات جوهرية لا يمكن القبول بها أكاديميًا. ومن هذا المنطلق، فإن من الضروري إعادة النظر في نتائج هذا الكتاب بكل جدّية ومسؤولية، وفتح الملف مجددًا بمنهجية علمية دقيقة، تقوم على التحليل النصي، والمقارنة الأسلوبية، والاستناد إلى وثائق ثابتة
وسيكون هذا الموضوع – بعون الله – محورًا لعدة حلقات على قناتكم "مدرسة العيباري للملحون"، نعرض فيها هذه الإشكالات تفصيلًا، ونفككها بالدليل والتحليل، لكشف الحقائق كما هي، لا كما أُريد لها أن تُقدَّم
وإني إذ أتناول هذه الأطروحة بالنقد، فلا أروم التقليل من شخص الدكتور عباس الجيراري، الذي لا يُنكر أحد مكانته الفكرية ودوره في المشهد الثقافي المغربي، وإنما غايتي من هذا الطرح هي إعادة فحص ما صار يُقدَّم للباحثين والطلبة على أنه يقينٌ علمي، بينما هو في حقيقته محلّ نظر واجتهاد
أسأل الله التوفيق في هذا المسعى، وأدعو المتابعين الكرام إلى التفاعل والمشاركة، فالقضية ليست مجرد نقاش أكاديمي، بل دفاع عن أمانة تاريخ فنٍّ عريق، اسمه الملحون.
لقد بذل الدكتور الجيراري جهدًا مشكورًا في تتبّع بدايات هذا الفن، لكن ذلك لم يُجنّبه الوقوع في فخّ الاستسهال، حين أسّس تأريخه للملحون على روايات شفهية وتقييدات شخصية لا ترقى إلى مستوى الوثيقة، بل تجعل من الاستدلال بها نوعًا من المغامرة البحثية غير المحسوبة. ومن بين التصريحات الصادمة التي تُضعف مصداقية هذا المسعى قوله: "لقد استفدنا كثيرًا من تقييدات أحمد سهوم."، ما يعني أن مادة الكتاب محمولة في جزء كبير منها على مرويات إذاعية وتأملات ذاتية، لا على أرشيف مكتوب ولا وثائق محققة، الأمر الذي يُدخل العمل في دائرة الخطابة لا التحقيق
وتتجلّى مكامن الضعف هذه بشكل جليّ في مواضع متفرقة من الكتاب، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر
في الصفحة 548، ينسب الجيراري قصيدةً إلى من يسميه عبد الله بن احساين، زاعمًا أنه شاعر من القرن التاسع الهجري، استنادًا فقط إلى ما أورده أحمد سهوم في أحد برامجه الإذاعية. والحال أن هذه القصيدة غير موجودة في أي مخطوط معروف، ولا توجد وثيقة واحدة تؤكد وجود هذا الشاعر في ذلك الزمن. بل إن التحليل الفني الدقيق لهذه القصيدة يكشف عن مستوى من النضج اللغوي والصناعة الشعرية لا ينسجم مع المرحلة التاريخية المنسوبة إليها، بل يوحي بأنها تنتمي إلى عصر لاحق، أكثر نضجًا وتطورًا
في الصفحة 379، يسقط الجيراري في تناقض بيّن حين يُقرر أن مصطلح "المداحي" كان يُطلق فقط على من يمدح النبي ﷺ، ثم لا يلبث أن يورد قصيدة ينسبها إلى شاعر يُدعى بوعمرو، جاء فيها عتاب لشعراء عصره لأنهم مدحوا الأشخاص وتركوا مدح الرسول. إلا أن فحص المعجم والأسلوب يكشف أن هذه القصيدة تنتمي لعصر حديث نسبيًا، مما يُضعف مرة أخرى فرضية نسبتها إلى شاعر قديم
ومن المفارقات اللافتة، أن العديد من القصائد المنسوبة إلى شعراء "مختلفين" ضمن هذا العمل، تتقاطع بشكل مثير للريبة في الأسلوب والبنية والمفردات، ما يوحي بوجود "بصمة واحدة" تقف خلفها جميعًا، وكأننا أمام شاعر معاصر محترف نَسَجَ هذه القصائد بأسلوب تقليدي ثم نُسبت عمدًا إلى أسماء غابرة، في محاولة لإعطاء نصوصه صبغة تاريخية مفتعلة
ومن هنا، فإن محاولة الجيراري للبحث عن البداية الحقيقية لشعر الملحون تبدو أقرب إلى العبث العلمي منها إلى الاجتهاد الرصين. فالملحون، كغيره من الفنون الشفهية، بدأ في بيئات شعبية بسيطة، ومرّ بمراحل من النسيان والإقصاء، بحيث لم يُدوَّن إلا ما ثبت بقاؤه لجماله ورسوخه، لا لما يُفترض أنه "البداية". ولذلك، فإن الاستناد إلى نصوص منسوبة بلا سند موثّق لا يُنتج تاريخًا، بل يخلق صورة مصطنعة لتاريخ لم يكن
إن أطروحة الدكتور الجيراري، رغم ما فيها من حسن النية والاهتمام الجاد، تفتقر إلى أبسط شروط التحقيق العلمي، وتعتمد على مصادر غير موثوقة، وتُكرّر تناقضات جوهرية لا يمكن القبول بها أكاديميًا. ومن هذا المنطلق، فإن من الضروري إعادة النظر في نتائج هذا الكتاب بكل جدّية ومسؤولية، وفتح الملف مجددًا بمنهجية علمية دقيقة، تقوم على التحليل النصي، والمقارنة الأسلوبية، والاستناد إلى وثائق ثابتة
وسيكون هذا الموضوع – بعون الله – محورًا لعدة حلقات على قناتكم "مدرسة العيباري للملحون"، نعرض فيها هذه الإشكالات تفصيلًا، ونفككها بالدليل والتحليل، لكشف الحقائق كما هي، لا كما أُريد لها أن تُقدَّم
وإني إذ أتناول هذه الأطروحة بالنقد، فلا أروم التقليل من شخص الدكتور عباس الجيراري، الذي لا يُنكر أحد مكانته الفكرية ودوره في المشهد الثقافي المغربي، وإنما غايتي من هذا الطرح هي إعادة فحص ما صار يُقدَّم للباحثين والطلبة على أنه يقينٌ علمي، بينما هو في حقيقته محلّ نظر واجتهاد
أسأل الله التوفيق في هذا المسعى، وأدعو المتابعين الكرام إلى التفاعل والمشاركة، فالقضية ليست مجرد نقاش أكاديمي، بل دفاع عن أمانة تاريخ فنٍّ عريق، اسمه الملحون.