كنا في هذه القاعة على الساعة الرابعة مساء حصّة سي بلخدير ، وقد وضَع جهاز راديو صَغير يتتبع الأخبار وينادي على معلمي الجوار مبتهجين متحمسين ، والطاهر المستقيم يحكي عن نوادر يوم النكسة بالمغرب قبل 58 سنة :
تاجر بالسوق يزَفّ على ايهودي بكيلو !
كان اليوم يومَ إثنين مساءً . وهو يوم السوق الأسبوعي في قرْيتنا الجميلة . حيث كنّا نسعد كثيراً بانعقاد السوق ، والتمتع بمشاهدة بضائع جميلة ، وغريبة عن واقعنا البدوي البئيس والمنعزل . مثل الكتب والقراءات . والأقلام . وأيضاً الفواكه الموسمية ، وخاصة التفاح البلدي الصغير ، والحلو المذاق ، والمشمش الشديد اللّذة . طبعاً لم نكنْ نمتلك إلّا قروشاً قليلة لاقتناء الأسوأ أو الأقل جوْدة . أو نلتقط بعض ما رماه التاجر خلفه لتلميع بضاعته . في ذلك اليوم ، أي قبل 58 سنة من اليوم ، أنهينا الدروس ، وبدأنا ننتظر فقط يوم الامتحان النهائي ، للشهادة الابتدائية . إذ كرّرتُ القسْم في السنة الماضية ، ولم أكن سوى أجترّ نفس الدروس السابقة . أصبحنا ندخل القسم فقط للمراجعة ، أو لأحاديث ثنائية بسيطة ، لبساطة وعينا ، ومحدودية معرفتنا ، ومصَادر أخبارنا . إذ لم نكن نمتلك حتى جهاز تْرانْزسطور صَغير بخيمتنا الشاسعة ، والذي نكتفي بالاستماع إليه أثناء انتظار الدخول ، عند مُصلح الدراجات . عبد الله السّكْليسْ . فنستمع لإذاعة طنجة أو الرباط .
في ذلك اليوم ، كنا في فصل اللّغة العربية ، لمّا أحضر المعلّم ، سي بوشعيب بلْخدير جهاز الراديو ، من نوع sharp 8 . وتحلّق حوله مجموعة من المعلّمين ، وهم يستمعون لإذاعة الرباط ، يتلو فيها المذيع أحمد سعيد بلاغات للجيش المصري ، تتحدث عن اجتياح الجيوش العربية لسيناء . واكتساح المناطق الإسْرائيلية ، وإسقاط طائرات ، وإحراق دبابات وأسر جنود العدو .... كان المعلمون يهتفون بحماس للانتصَارات العنترية العربية ، وهم يتقافزون ، كمن يشاهد فرقته المفضّلة في كْلاسيكو الريال والبارْصَا ! فرحنا لفرح معلّمينا . وتوقفنا عن الحديث لمشاركتهم فرحتهم القوْمية . دون أن يعرف أحد منا بأن إسرائيل حطّمتْ كل الطائرات المصرية ، وهي متسمرة على أرض المطارات . هكذا أوهمونا بالانتصَارات الخرافية التي كنا نشاهد مثلها في حلقات الرّواة الشعبيين ، عندما ينشدون انتصَارات الرسول وعلي بن أبي طالب وعنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن حكيم وثائر اليمن على أحباش أبرهة أو إبراهيم .. فنعقد مقارنات بين قوة عنترة وقوة علي ، ونتبارى حول من يهزم الآخر . كان وعينا بسيطاً ، لكنه شكّل بدايةً لاكتساب مناعة ضد هزائم سوف نعيشها في المستقبل ، وهو ما زلنا نعيشه لحد اليوم . بعد مرور 55 سنة بالتمام والكمال على أول حماس عشناه حول انتصار خيالي . سمعنا فيما بعد عن استقالة القائد جمال عبد الناصر ، وتواطؤ عبد الحكيم عامر . وقضَائه ليلة الانتصَار في بيْت المطربة مهَا صَبري وهو في حالة من السكْر " لا يُرثى لها " حسب التعبير الشعبي المغـربي . خرج الناس في مظاهرات لمنع الرئيس من الاستقالة . بدأنا نسمع عن حرب الاستنزاف ، وتدخل مبعوث الأمم المتحدة : غونارْ يارنغ gonnard jaring . سوف أتوقف الآن عن الحكي ، حتى لا أجهش بالبكاء بسبب أوجاع الذكريات وآلام الفراق ، إذ في تلك السنة مات أبي الذي كان مريضاً بشدة ، في ذلك اليوم ولم يسمع أبداً عن النكسة ، فقد مات وفي وعيه انتصارات علي ودخول يوسف لسجن العزيز ، وصُعود النمرود إلى السماء الأولى فقط بعد فلقه بسيفه واد الضّفادع معتقداً أنه قتل الإله ، بعد انهمار الدماء على ملابسه الذهبية !
لا زلت أذكر في مساء ذلك اليوم المشؤوم الحزين في سنة شدية الخصُوبة بمغربنا الحبيب ، الذي مل من انتصَارات العرب الوهمية ومؤتمراتهم القومية.. لا زلت أذكر صهرنا التيسير وهو يملأ المطمورة حتى طفحت شعيرا.. في وقت كنت أستعد للرحيل عن الدوار لأتابع دراستي بسيدي بنور ، بينما كان أبي يستعد لحزم حقائبه والرحيل الأبدي عن الدوار نحو جنة الخلد..
حسَن الرّحيبي..
تاجر بالسوق يزَفّ على ايهودي بكيلو !
كان اليوم يومَ إثنين مساءً . وهو يوم السوق الأسبوعي في قرْيتنا الجميلة . حيث كنّا نسعد كثيراً بانعقاد السوق ، والتمتع بمشاهدة بضائع جميلة ، وغريبة عن واقعنا البدوي البئيس والمنعزل . مثل الكتب والقراءات . والأقلام . وأيضاً الفواكه الموسمية ، وخاصة التفاح البلدي الصغير ، والحلو المذاق ، والمشمش الشديد اللّذة . طبعاً لم نكنْ نمتلك إلّا قروشاً قليلة لاقتناء الأسوأ أو الأقل جوْدة . أو نلتقط بعض ما رماه التاجر خلفه لتلميع بضاعته . في ذلك اليوم ، أي قبل 58 سنة من اليوم ، أنهينا الدروس ، وبدأنا ننتظر فقط يوم الامتحان النهائي ، للشهادة الابتدائية . إذ كرّرتُ القسْم في السنة الماضية ، ولم أكن سوى أجترّ نفس الدروس السابقة . أصبحنا ندخل القسم فقط للمراجعة ، أو لأحاديث ثنائية بسيطة ، لبساطة وعينا ، ومحدودية معرفتنا ، ومصَادر أخبارنا . إذ لم نكن نمتلك حتى جهاز تْرانْزسطور صَغير بخيمتنا الشاسعة ، والذي نكتفي بالاستماع إليه أثناء انتظار الدخول ، عند مُصلح الدراجات . عبد الله السّكْليسْ . فنستمع لإذاعة طنجة أو الرباط .
في ذلك اليوم ، كنا في فصل اللّغة العربية ، لمّا أحضر المعلّم ، سي بوشعيب بلْخدير جهاز الراديو ، من نوع sharp 8 . وتحلّق حوله مجموعة من المعلّمين ، وهم يستمعون لإذاعة الرباط ، يتلو فيها المذيع أحمد سعيد بلاغات للجيش المصري ، تتحدث عن اجتياح الجيوش العربية لسيناء . واكتساح المناطق الإسْرائيلية ، وإسقاط طائرات ، وإحراق دبابات وأسر جنود العدو .... كان المعلمون يهتفون بحماس للانتصَارات العنترية العربية ، وهم يتقافزون ، كمن يشاهد فرقته المفضّلة في كْلاسيكو الريال والبارْصَا ! فرحنا لفرح معلّمينا . وتوقفنا عن الحديث لمشاركتهم فرحتهم القوْمية . دون أن يعرف أحد منا بأن إسرائيل حطّمتْ كل الطائرات المصرية ، وهي متسمرة على أرض المطارات . هكذا أوهمونا بالانتصَارات الخرافية التي كنا نشاهد مثلها في حلقات الرّواة الشعبيين ، عندما ينشدون انتصَارات الرسول وعلي بن أبي طالب وعنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن حكيم وثائر اليمن على أحباش أبرهة أو إبراهيم .. فنعقد مقارنات بين قوة عنترة وقوة علي ، ونتبارى حول من يهزم الآخر . كان وعينا بسيطاً ، لكنه شكّل بدايةً لاكتساب مناعة ضد هزائم سوف نعيشها في المستقبل ، وهو ما زلنا نعيشه لحد اليوم . بعد مرور 55 سنة بالتمام والكمال على أول حماس عشناه حول انتصار خيالي . سمعنا فيما بعد عن استقالة القائد جمال عبد الناصر ، وتواطؤ عبد الحكيم عامر . وقضَائه ليلة الانتصَار في بيْت المطربة مهَا صَبري وهو في حالة من السكْر " لا يُرثى لها " حسب التعبير الشعبي المغـربي . خرج الناس في مظاهرات لمنع الرئيس من الاستقالة . بدأنا نسمع عن حرب الاستنزاف ، وتدخل مبعوث الأمم المتحدة : غونارْ يارنغ gonnard jaring . سوف أتوقف الآن عن الحكي ، حتى لا أجهش بالبكاء بسبب أوجاع الذكريات وآلام الفراق ، إذ في تلك السنة مات أبي الذي كان مريضاً بشدة ، في ذلك اليوم ولم يسمع أبداً عن النكسة ، فقد مات وفي وعيه انتصارات علي ودخول يوسف لسجن العزيز ، وصُعود النمرود إلى السماء الأولى فقط بعد فلقه بسيفه واد الضّفادع معتقداً أنه قتل الإله ، بعد انهمار الدماء على ملابسه الذهبية !
لا زلت أذكر في مساء ذلك اليوم المشؤوم الحزين في سنة شدية الخصُوبة بمغربنا الحبيب ، الذي مل من انتصَارات العرب الوهمية ومؤتمراتهم القومية.. لا زلت أذكر صهرنا التيسير وهو يملأ المطمورة حتى طفحت شعيرا.. في وقت كنت أستعد للرحيل عن الدوار لأتابع دراستي بسيدي بنور ، بينما كان أبي يستعد لحزم حقائبه والرحيل الأبدي عن الدوار نحو جنة الخلد..
حسَن الرّحيبي..