محمد بشكار - خرجنا عن الموضوع فضاع الربيع.. !

لا أحبُّ أن أتقيَّدَ بالمناسبة و أجعلها وهي تبْتَذِلُني في الكتابة شَرْطاً، و لكن ماذا أصنعُ و الفصل الذي يُوَشِّي الأرض ربيعاً، لا يمكن أن نَقْلِبَ في ناموسه الطبيعة ليصير فصلا خامسا أو حتى عاشِراً يكسر منطق الفصول الأربعة؟
ماذا أصنع كي أبدأ شروق الشمس من حيث تغرب لأزيد في النهار نهاراً و لو اضطررتُ أن أمدِّدَ في رقعته من أرَقي، عساني لا أنام قيد جفنٍ عن ما تكتبه الطبيعة من صفحات الجمال دون أن تبْري من الشجر قلماً يوجعه في الجذوع أو الأغصان، و دون أن تُهرق و لو بالبكاء من النهر قطرةً تنوب عن الحبر الذي اتَّخذ في تطوره الصناعي ألواناً لا تُعبِّر عن حقيقة أنفسنا؟
هل كان علَيَّ أن أكتب عن ربيعٍ لا يُدركنا إلا خريفاً؟
هل كان علَيَّ أن أنضبط للمناسبة التي تعتبر شرْطاً في عُرْفِ من تعوَّد الكلمة لا تتحرَّر إلا بما يُقيِّدها، كي أفتح أعين الناس على زائرٍ يأتينا بأوراق انتهت من فرط الذبول مدة صلاحيتها، و مع ذلك يُسمُّونه ربيعاً؟
أعود لفصل الربيع و أخرج في عودتي عن السطر الذي رسمه لِعِوَجي الذي لا يستقيم و لو بالعصا، معلمي في الإبتدائي، فأتذكر أول إنشاءاتي للطبيعة التي قد لا يحتمل انقلابيتها حتَّى الشِّعر بسعة لغته المستوعبة لنقصِنا؛ أتذكر دون حاجةٍ إلى صَعَقاتٍ شعرية يستعيد برجَّتها القلبُ الميِّت في جسد القصيدة نبضاً يعود بالحياة فينا للحياة، كيف كانت النزهة في الطبيعة ملاذنا للضياع و من لم يضِعْ ليس رجُلاً؛ كنا نختبر في نزهتنا في الربيع الأطول بأعشابه من قاماتنا، كل الحِيل التي لا تجعل عصفورا يستقر على غصن كي نطير بدله في الهواء؛ و من لم يطرْ مع الطيور ليس رجُلاً، علما أن هذه الرجولة تنتهي بأن يعلِّق أحد الصغار الذراع في جبيرة إلى العنق؛ كان الربيع يعتذر لإيليا أبي ماضي ليختال باكيا من شقاوتنا..!
كل ما في الطبيعة يشكو من شغبنا الطفولي؛الزهرة تشكو و هي تنتظر معنا بمعاناة نتائج الإمتحانات حين نُحوِّل أوراق تويجها إلى أداة رهان، فنقتطفها تباعا مردِّدين عبارة ؛سَاقِطْ، نَاجِحْ، عِلما أنها هي الساقطة حين نقتلعها من جذور في الربح و الخسارة.. !
و الفراشة تشكو حين نستعجل موتها بأن نحكُّ جناحها الرهيف سطرا طويلا تحت أنوفنا و على وجوهنا، ظانين أنها وصفة سحرية لاستنبات الشوارب و الذقون قبل أن تبلغ السن رُشدها..!
أما نحن فلا نشكو إلا من أحلام تقُضُّ يقظتنا و لا نجد من يساعدنا في تفسيرها أو تصريفها على هيئة مشاريع تستثمر مواهبنا، بدل أن نتحيَّن المغامرة لتجريب أخطارها ببسالة تُقْلِقُ الجميع في المستقبل، و تعود على أوجهنا بالصَّفْع.. !
لم يعُد الربيع فصْلاً يُشبهنا بعد أن احتشد بالأيام العالمية في الشعر و الماء و الأمومة، و غيرها من المناسبات الموجودة بقوة الغريزة و الطبيعة في كل أيام حياتنا، و لا تحتاج أن نُنصِّب لقِيَمِها الأثيرة حَكَماَ في كرة رأسنا كي تكون شَرْطاً؛ صار الربيع بعد أن امتزجت في مثواه كل الفصول و أدركه الشتاء متأخرا بالبكاء، أحوج لمن يزوره في مقبرة الذكريات؛ و لكن بأي الزهور تُرانا نزور قبرا و الميت الذي فيه هو الربيع..؟ !

(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" لعدد يومه الخميس 24 مارس 2016)


1749725956842.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى